لقاء موسّع في فندق بلازا بحضور أكثر من 500 من أبناء الجالية السورية… ورسالة واضحة: سوريا تفتح أبوابها للاستثمار وتستعيد حضورها الدولي
نيويورك – 22 سبتمبر/أيلول 2026
مساء الاثنين 21 سبتمبر/أيلول 2026، شهد فندق بلازا في مدينة نيويورك لقاءً سورياً واسعاً جمع رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع ووزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني بأكثر من خمسمئة شخص من أبناء الجالية السورية المقيمة في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بدعوة وُجهت إلى شخصيات وفعاليات سورية من ولايات ومدن أمريكية مختلفة. وجاء اللقاء في مستهل زيارة الرئيس الشرع إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في محطة جديدة تؤكد عودة سوريا إلى الحضور الدبلوماسي الدولي من بوابة نيويورك.
شهادة من داخل اللقاء
وقد حضرتُ هذا اللقاء شخصياً بصفتي الإعلامي ياسين نجار، رئيس تحرير جريدة المدار نيوز، واستمعتُ مباشرة إلى حديث الرئيس أحمد الشرع وإلى العرض الذي قدمه حول آخر التطورات في الداخل السوري، واتجاهات السياسة الخارجية، وأبرز ما تحقق خلال العام المنصرم. ولم يكن اللقاء مجرد مناسبة بروتوكولية أو صورة جماعية مع أبناء الجالية، بل بدا حواراً سياسياً ووطنياً صريحاً أراد من خلاله الرئيس أن يضع السوريين في الولايات المتحدة أمام صورة المرحلة كما تراها القيادة السورية، وأن يؤكد أن المغتربين ليسوا جمهوراً بعيداً عن الوطن، بل شركاء في بنائه ومستقبله.

الجالية السورية شريك في بناء الدولة
حرص الرئيس الشرع في حديثه على مخاطبة الجالية بوصفها رصيداً وطنياً يمتلك خبرات واسعة في الطب والهندسة والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام والتعليم وإدارة الأعمال. وأكدت أجواء اللقاء أن دمشق تنظر إلى السوريين في الخارج باعتبارهم جسراً مهماً بين وطنهم والدول التي يعيشون فيها، ولا سيما الولايات المتحدة، حيث تستطيع الجالية أن تسهم في توضيح حقيقة التحولات الجارية، وبناء علاقات متوازنة، وتشجيع المؤسسات ورجال الأعمال على النظر بجدية إلى الفرص المتاحة داخل سوريا.
كما حمل اللقاء رسالة معنوية مهمة إلى آلاف العائلات السورية الأمريكية التي ظلت طوال سنوات تتابع أخبار بلدها بقلق وألم. ففتح قنوات الاتصال المباشر معها يعيد الاعتبار لدورها، ويمنحها فرصة لطرح أفكارها ومخاوفها، ويساعد الدولة على الاستفادة من طاقات أبنائها المنتشرين في الخارج. وقد استمع الرئيس إلى مداخلات ومقترحات الحضور، في إشارة إلى أن العلاقة المطلوبة مع الاغتراب السوري يجب أن تكون علاقة مشاركة متبادلة، لا علاقة موسمية تقتصر على المناسبات.
تطورات الداخل ومسار التعافي
تناول الرئيس الشرع آخر التطورات في الوضع الداخلي، وتحدث عن مسار بناء مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار وتوحيد الجهود الوطنية. ومن الواضح أن الأولويات السورية اليوم متداخلة: تثبيت الأمن، تحسين الخدمات، تحريك الاقتصاد، إعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير مناخ يسمح بعودة رؤوس الأموال والكفاءات. وهذه الملفات لا يمكن فصل بعضها عن بعض؛ فلا استثمار من دون استقرار، ولا استقرار مستدام من دون فرص عمل وخدمات وإدارة فعالة يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية.
وقد عكس حديث الرئيس إدراكاً لحجم التحديات التي خلفتها سنوات الحرب والعزلة والعقوبات. فالمدن والبلدات تحتاج إلى إعادة إعمار واسعة، وقطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والنقل تتطلب تمويلاً وخبرات وتقنيات حديثة. وفي الوقت نفسه، فإن السوريين ينتظرون تحسناً ملموساً في مستوى المعيشة وفرص العمل، ولذلك تصبح سرعة الانتقال من القرارات السياسية إلى مشاريع عملية قابلة للقياس هي الامتحان الأهم للمرحلة المقبلة.
رفع العقوبات: إنجاز يفتح الباب ولا ينهي المهمة
كان رفع العقوبات عن سوريا في مقدمة الإنجازات التي جرى التوقف عندها خلال اللقاء. وقد شكّل القرار الأمريكي الصادر في 30 يونيو/حزيران 2025، والنافذ اعتباراً من الأول من يوليو/تموز من العام نفسه، تحولاً أساسياً؛ إذ أنهى الأساس التنفيذي لبرنامج العقوبات الأمريكي الشامل على سوريا، مع الإبقاء على قيود تستهدف بشار الأسد وشركاءه والمتهمين بانتهاكات حقوق الإنسان وتجارة المخدرات والأنشطة المزعزعة للاستقرار. كما أتاح هذا التحول، من حيث المبدأ، تقديم الخدمات المالية وإجراء معاملات مع الحكومة السورية الجديدة والمؤسسات المالية السورية، بشرط عدم ارتباط الأطراف المعنية بقوائم العقوبات المحددة.
إن أهمية هذا الإنجاز لا تقتصر على الجانب السياسي. فالعقوبات كانت تعرقل التحويلات والتجارة والتأمين والتمويل ودخول الشركات، وتدفع المستثمرين إلى تجنب السوق السورية خوفاً من المخاطر القانونية والمصرفية. ومع رفع الجزء الأكبر من تلك القيود، أصبحت هناك نافذة فعلية لإعادة ربط الاقتصاد السوري بالأسواق الإقليمية والدولية. غير أن فتح النافذة لا يعني أن الاستثمارات ستتدفق بصورة تلقائية؛ إذ لا بد من استكمال إصلاح النظام المصرفي، وتوضيح القوانين، وحماية الملكية والعقود، وتسريع الإجراءات، ومكافحة الفساد، وتوفير قضاء تجاري موثوق.
ترحيب بالاستثمار العربي والدولي
وجّه الرئيس الشرع رسالة ترحيب واضحة إلى الاستثمار العربي والدولي داخل سوريا، وهي رسالة تأتي في توقيت بالغ الأهمية. فسوريا تمتلك موقعاً استراتيجياً يربط المشرق بالبحر المتوسط، وموارد بشرية شابة، وجالية واسعة تملك الخبرة ورأس المال والعلاقات، فضلاً عن حاجتها الكبيرة إلى مشاريع الطاقة والإسكان والصناعة والزراعة والاتصالات والنقل والخدمات.
ويمكن للاستثمار العربي أن يؤدي دوراً مبكراً ومؤثراً، مستفيداً من القرب الجغرافي والتاريخ المشترك ومعرفة طبيعة السوق السورية. أما الاستثمار الدولي فيستطيع أن يجلب التمويل والتكنولوجيا ومعايير الإدارة الحديثة. لكن نجاح الدعوة إلى الاستثمار يقاس بما يليها من خطوات: نافذة موحدة للمستثمرين، تشريعات مستقرة، بيانات اقتصادية واضحة، شراكات شفافة، ضمانات لحقوق المستثمر والدولة معاً، ومشاريع تمنح الأولوية لتشغيل السوريين ونقل المعرفة إليهم، لا لتحقيق أرباح سريعة فقط.
السياسة الخارجية واستعادة موقع سوريا
على صعيد السياسة الخارجية، تعكس زيارة نيويورك نفسها تحولاً في صورة سوريا وعلاقاتها. فمشاركة الرئيس في أعمال الجمعية العامة، وإجراء مباحثات مع قادة ومسؤولين دوليين، تأتي ضمن مسار يستهدف إنهاء العزلة وإعادة بناء شبكة العلاقات السورية على أساس المصالح المشتركة والسيادة الوطنية والاستقرار الإقليمي.
الدبلوماسية في هذه المرحلة ليست نشاطاً منفصلاً عن الاقتصاد وإعادة الإعمار، بل هي أحد شروط نجاحهما. وكل تقدم في العلاقات مع الولايات المتحدة والدول العربية والأوروبية والمؤسسات الدولية يمكن أن ينعكس في صورة استثمارات، وتمويل لمشاريع البنية التحتية، وتعاون تقني، وفرص أكبر أمام التجارة والسوريين في الداخل والخارج. وفي المقابل، فإن توسيع هذه العلاقات يحتاج إلى خطاب واضح والتزام مستمر بالمؤسسات والقانون وحماية جميع مكونات المجتمع السوري.
سوريا تتقدم بسرعة الصاروخ… ولكن النجاح يحتاج إلى تثبيت
ومن خلال متابعتي المباشرة للقاء وما سمعته من عرض للمنجزات والتحركات السياسية والاقتصادية، أرى أن سوريا تتقدم إلى الأمام بسرعة الصاروخ. هذا التعبير لا يعني أن المشكلات انتهت أو أن الطريق أصبح سهلاً؛ فآثار الحرب عميقة، والاحتياجات هائلة، والواقع المعيشي ما زال يضغط على المواطن. لكنه يعكس سرعة الانتقال من مرحلة العزلة والانهيار إلى مرحلة الانفتاح واستعادة العلاقات وفتح أبواب الاستثمار.
السرعة مطلوبة لتعويض سنوات ضائعة، غير أن الأهم هو أن ترافقها مؤسسات قوية وخطط مدروسة ورقابة وشفافية وعدالة في توزيع ثمار التعافي بين المحافظات والمناطق والفئات الاجتماعية. فالمواطن السوري يريد أن يرى أثر الإنجازات الكبرى في الكهرباء والخبز والدواء والمدرسة والطريق وفرصة العمل. وعندما تتحول المكاسب الدبلوماسية إلى تحسن يومي ملموس، يصبح التفاؤل قائماً على أساس صلب ويزداد استعداد السوريين في الداخل والمهجر للمشاركة.
مسؤولية الجالية بعد اللقاء
يضع هذا اللقاء الجالية السورية في الولايات المتحدة أمام مسؤولية جديدة. فالمطلوب ليس الاكتفاء بالترحيب والاحتفال، بل الانتقال إلى مبادرات منظمة: شبكات لرجال الأعمال، مجموعات للخبراء والأكاديميين، صناديق شفافة لدعم مشاريع إنتاجية، برامج تدريب للشباب، وشراكات بين الجامعات والمستشفيات والمؤسسات السورية ونظيراتها الأمريكية. كما تستطيع الجالية أن تشرح للمجتمع الأمريكي فرص الاستقرار في سوريا، وأن تدافع عن علاقات طبيعية تخدم الشعبين.
وفي الوقت نفسه، تحتاج الدولة السورية إلى آلية دائمة للتواصل مع المغتربين، تتلقى مقترحاتهم وتعالج العقبات التي تواجه عودتهم أو استثماراتهم، وتحمي حقوقهم وتتيح لهم الإسهام في الشأن العام. إن الثروة الأكبر التي يملكها السوريون في الخارج ليست المال وحده، بل الخبرة المتراكمة والقدرة على الوصول إلى المؤسسات والأسواق ومراكز القرار.
رسالة نيويورك
حمل لقاء فندق بلازا رسالة تتجاوز قاعة الاجتماع وعدد الحاضرين. فوجود رئيس الجمهورية ووزير الخارجية والمغتربين بين أكثر من خمسمئة سوري أمريكي يعني أن إعادة بناء سوريا لا تُبحث في دمشق وحدها، بل تشارك فيها طاقات السوريين أينما وجدوا. كما أن انعقاد اللقاء في نيويورك، بالتزامن مع الجمعية العامة للأمم المتحدة، يمنحه بعداً دولياً ويؤكد أن سوريا تريد أن تخاطب العالم بثقة وانفتاح.
لقد خرجتُ من اللقاء بانطباع أن البلاد تقف أمام فرصة تاريخية حقيقية. رفع العقوبات، والانفتاح السياسي، والدعوة إلى الاستثمار، وإعادة وصل الداخل بالاغتراب، كلها عناصر يمكن أن تصنع تحولاً واسعاً إذا جرى تحويلها إلى سياسات مستقرة ومشاريع ملموسة. المرحلة المقبلة تحتاج إلى عمل سريع ومسؤول في آن واحد، وإلى مشاركة كل سوري قادر على تقديم خبرة أو فكرة أو استثمار. ومن نيويورك، كانت الرسالة واضحة: سوريا تتحرك إلى الأمام، وأبواب المشاركة في نهضتها تُفتح أمام أبنائها وأصدقائها في العالم.
الإعلامي ياسين نجار – جريدة المدار نيوز – نيويورك الولايات المتحدة الأمريكية