دمشق-سانا
لم تعد العلاقة الاقتصادية بين سوريا ودول الخليج تقاس بحجم الاستثمارات أو قيمة الاتفاقيات وحدها، بل باتت تتصل بصورة أوسع بموقع سوريا في شبكة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد الإقليمية، وبما يتيحه استقرارها من فرص مشتركة لدول المنطقة.

وفي هذا الاتجاه، أكد الرئيس أحمد الشرع خلال مشاركته في قمة الإعلام العربي في دبي الأربعاء 15 أيلول، أن سوريا تحولت من منطقة نزاع إلى منطقة استقرار، وأن العالم بدأ يتحدث عنها كممر تجاري آمن لسلاسل التوريد بين الشرق والغرب، إضافة إلى دور مهم في إمدادات الطاقة، مشيراً إلى أن استقرارها “مصلحة مشتركة” للمنطقة، وأن فيها فرصاً كبيرة لدول الخليج والدول المحيطة وأوروبا.
ويضع هذا التحول العلاقات الاقتصادية السورية الخليجية أمام معادلة تتجاوز الاستثمار في إعادة الإعمار إلى تكامل المصالح، فسوريا تحتاج إلى رأس المال والأسواق وشبكات النقل والتمويل، بينما تفتح إعادة بناء الاقتصاد السوري أمام الشركات الخليجية فرصاً واسعة في البنية التحتية والطاقة والنقل والصناعة والخدمات.
السعودية.. من الاستثمار إلى ربط الأسواق
وتبرز السعودية في مقدمة هذا المسار، مع انتقال التعاون من الاتفاقات الاستثمارية إلى خطوات ترتبط مباشرة بحركة التجارة والربط الإقليمي.

فخلال المنتدى الاستثماري السوري السعودي في تموز 2025، وقعت 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة تجاوزت 6.4 مليارات دولار، شملت 11 قطاعاً، ما يعكس اتساع مجالات التعاون الاقتصادي.
وتعزز هذا المسار خلال العام الجاري بخطوات في قطاع الطيران والاتصالات والبنية التحتية، ففي 27 آب، وخلال زيارة وفد سعودي إلى دمشق، وقعت سوريا والسعودية أربع مذكرات تفاهم في مجالات الطرق والسكك الحديدية والبريد والطيران، بالتوازي مع بحث تطوير الخدمات اللوجستية وحركة النقل والتبادل التجاري.
ويرى رئيس تحرير صحيفة “الاقتصادية” السعودية محمد علي البيشي في تصريح لـ “سانا”، أن تحول العلاقات الاقتصادية بين سوريا ودول الخليج إلى استثمارات عملية واتفاقيات يجري تنفيذها على أرض الواقع يؤكد أهمية سوريا في المنطقة والتبادل التجاري.
وأشار إلى أن قطاعات الطاقة والتجارة والنقل والخدمات اللوجستية والعقارات والبناء تمثل فرصاً استثمارية حقيقية أمام المستثمرين الخليجيين.
وتكتسب هذه الاتفاقات أهمية تتجاوز تطوير قطاع النقل نفسه، إذ إن تحسين الطرق والسكك والمنافذ وربطها بشبكات النقل الإقليمية يوسع حركة التجارة عبر سوريا، ويفتح أمام الشركات السعودية فرصاً للوصول إلى أسواق جديدة، في وقت تستفيد فيه سوريا من تنشيط حركة النقل والتبادل التجاري.
السوق السعودية.. الوجه الآخر للعلاقة
ولا تتحرك الاستثمارات والتجارة في اتجاه واحد، فالسوق السعودية نفسها باتت بوابة مهمة أمام المنتج السوري.
وتجلى ذلك في معرض الصناعات السورية “سيريكس جدة 2026″، الذي شاركت فيه أكثر من 150 شركة ومصنعاً سورياً من قطاعات الغذائيات والنسيج والهندسة والصناعات الكيميائية، في خطوة لتعزيز حضور المنتجات السورية في السوق السعودية، وفتح قنوات جديدة للتعاون التجاري والاستثماري.
الإمارات.. الموانئ بوابة للتكامل
وفي الإمارات، تبرز الموانئ واللوجستيات والتجارة بوصفها أحد أهم محاور العلاقة الاقتصادية.
وأشار الرئيس الشرع في 15 أيلول إلى أن الإمارات كانت من أوائل الدول التي اقتنصت الفرص في سوريا، لافتاً إلى استثمار “موانئ دبي” في ميناء طرطوس، لأهمية هذا الممر عند ربطه بميناء جبل علي.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ظل الموقع الجغرافي لسوريا، إذ إن تطوير الموانئ والمناطق الحرة والخدمات اللوجستية يمكن أن يربط حركة التجارة السورية بشبكات أوسع تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، ويعزز قدرة الشركات على نقل السلع بين أسواق المنطقة.
ولا يقتصر التعاون السوري الإماراتي على الموانئ، بل يمتد إلى مشاريع لوجستية تربط حركة التجارة بين الجانبين، ففي 25 حزيران، بحثت سوريا والإمارات إنشاء ممر لوجستي يربط الموانئ السورية بدول الخليج مروراً بالعراق وصولاً إلى ميناء أم قصر، إلى جانب بحث ربط الموانئ السورية بالموانئ الإماراتية، وإنشاء خط نقل بري مشترك للشاحنات، بما يعزز حركة التجارة والتكامل اللوجستي بين البلدين.
من الخليج إلى أوروبا وآسيا
وأكد وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي صالح الجاسر هذا التوجه، إذ أشار خلال زيارته لدمشق إلى أن الربط الإقليمي من الجوانب المهمة لدعم حركة التجارة وتنقل الأفراد، لافتاً إلى وجود رغبة كبيرة لدى القطاع الخاص السعودي بالاستثمار في سوريا.
وأفاد موقع “الشرق بلومبرغ” في 25 آب بتأسيس مجلس أعمال سعودي-سوري-فرنسي مشترك لتوسيع الاستثمار في سوريا ودعم تعافيها الاقتصادي، وفق ما ورد في البيان المشترك الصادر في ختام زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا.
وأشار الموقع إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن توجه لتطوير طرق بديلة تربط أوروبا بالخليج وآسيا عبر سوريا، فيما أبدت فرنسا استعدادها للمساهمة في إعادة الإعمار، وتوسيع التعاون مع دمشق في قطاعات الطاقة والمصارف والنقل البحري.
الخليج.. شبكة أوسع من المصالح
ولا تقتصر العلاقات الاقتصادية على الرياض وأبوظبي، إذ تتوسع مجالات التعاون السوري مع بقية دول الخليج، ففي قطر، شهد شهر أيلول إطلاق شراكة استثمارية جديدة بحضور رجال أعمال ومستثمرين من البلدين، فيما بحث الجانبان توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري.
وفي الكويت، اتفق الجانبان في تموز على إنشاء لجنة تنسيق عليا مشتركة وتفعيل اللجان المشتركة، إلى جانب العمل على إنشاء مجلس أعمال سوري-كويتي، وتفعيل التعاون بين غرف التجارة ومجالس رجال الأعمال.
وامتد التعاون إلى البحرين، حيث بحث اتحاد غرف التجارة السورية مجالات في القطاع المصرفي والصناعات الغذائية والنسيجية والمعارض والتحول الرقمي، وإعادة الإعمار وصناعة الإسمنت.
وتعكس هذه المسارات اتساع قاعدة المصالح الخليجية في سوريا، بالتوازي مع استفادة الاقتصاد السوري من انفتاح الأسواق الخليجية أمام منتجاته، وتطوير قنوات التصدير والشراكات مع القطاع الخاص.
المعارض.. من عرض المنتجات إلى بناء الأسواق
ويقدم عام 2026 نموذجاً على تحول العلاقات الاقتصادية إلى تواصل مباشر بين الشركات، عبر المعارض ومجالس الأعمال.

ففي الدورة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي، شاركت السعودية بنحو 50 شركة، فيما جمعت الدورة نحو ألف جهة وشركة من 60 دولة، وشكلت منصة للقاءات التجارية والاستثمارية.
وفي الاتجاه المقابل، فتحت المشاركة السورية في “سيريكس جدة 2026” قناة مباشرة أمام الشركات والمنتجات السورية للوصول إلى السوق السعودية، بما يعكس انتقال العلاقة من الاتفاقات الحكومية إلى تواصل أوسع بين الشركات والأسواق.
وأشار رئيس تحرير صحيفة “الاقتصادية” السعودية محمد علي البيشي في تصريحه إلى أن عودة الصادرات السورية إلى السوق السعودية وأسواق الخليج، بما تشمل المنتجات النسيجية والزراعية والمصنعة، يمكن أن تسهم في نمو الاقتصاد السوري، وبناء شراكات جديدة مع رجال الأعمال في المنطقة، مؤكداً أن الشراكة الاقتصادية بين الجانبين يمكن أن تحقق نتائج متبادلة خلال المرحلة المقبلة.
وهكذا، تتجه العلاقة الاقتصادية بين سوريا والخليج نحو شراكة تقوم على المصالح المتبادلة، تلتقي فيها فرص إعادة البناء والموقع الجغرافي السوري مع رأس المال والخبرة والشبكات التجارية الخليجية، بما يفتح المجال أمام حركة أوسع للاستثمار والتجارة والنقل بين أسواق المنطقة.