نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا للصحفي ريتشارد لوسكومب قال فيه إن السموم البكتيرية التي تنتجها كائنات بحرية صغيرة درسها باحثون في إحدى جامعات فلوريدا في القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا) قد تصبح علاجا فعالا للورم الميلانيني، وهو أكثر أشكال سرطان الجلد فتكا.
وقد عاد فريق من جامعة جنوب فلوريدا (USF) مؤخرا من بعثة استمرت ستة أسابيع إلى واحدة من أكثر مناطق العالم عزلة، حيث جمعوا عينات من “الأسيديات” (ascidians) – وهي كائنات لافقارية تُعرف باسم “بخاخات البحر” وتزدهر في المياه الجليدية.
وقال برايان بيكر، أستاذ الكيمياء في جامعة جنوب فلوريدا، إن السموم التي تنتجها هذه الكائنات كوسيلة للحماية من الحيوانات المفترسة يمكن “إعادة توظيفها” لأغراض علاجية؛ إذ أظهرت الأبحاث التي أجراها فريقه أنها قضت على خلايا الورم الميلانيني لدى الفئران.
وأضاف: “الخبر السار هو أنها لم تقتل الفئران، بل قضت على السرطان لديها، مما يعني أنها تمتلك الخصائص الفسيولوجية التي تؤهلها للعمل كدواء. نحن بحاجة إلى كميات (بالغرامات) من هذه المادة لإجراء دراسة أوسع على الفئران، وربما الانتقال إلى نماذج حيوانية أخرى، وإذا تمكنا من إثبات سلامتها، فسنتمكن فعليا من بدء تجارب سريرية على البشر”.
وأقر بيكر بأن الطريق نحو إنتاج دواء آمن وفعال ضد الورم الميلانيني – والحصول على الموافقة لاستخدامه لدى البشر – طريق طويل؛ إذ يتطلب الأمر سلسلة من التجارب الخاضعة لرقابة صارمة ومتوسعة باستمرار حتى بعد صياغة الدواء.
لكنه أشار إلى أن المعرفة المكتسبة من هذه البعثة – التي شهدت نزول فرق من الغواصين إلى أعماق تصل إلى 130 قدما (حوالي 40 مترا) لمدة نصف ساعة في كل مرة – قد تساهم في تسريع الجدول الزمني للعملية بشكل كبير.
ومن جانبه، قال بن مايستر، الأستاذ في جامعة جنوب فلوريدا والذي شغل منصب مسؤول سلامة الغوص في البعثة (التي مولتها المؤسسة الوطنية للعلوم)، إن درجات حرارة البحر كانت مجرد واحدة من التحديات التي تغلب عليها فريقه.
وقال: “في القارة القطبية الجنوبية، أنت تتعامل مع الجليد، وفقمات النمر، وتقلبات البحر، وأحيانا مع رؤية محدودة للغاية”.
وأضاف: “كان علينا التخطيط لكل عملية غوص بعناية فائقة لتحقيق التوازن بين إنجاز العمل وضمان سلامة الجميع”.
ستنتقل الآن أعمال تطوير هذه السموم وتحويلها إلى دواء محتمل لمكافحة الورم الميلانيني (سرطان الجلد) إلى المختبرات؛ وقد بدأ بالفعل جزء من هذا العمل بفضل الشراكات التي أقامها “بيكر” وفريقه مع “معهد أبحاث الصحراء” (Desert Research Institute) و”معهد سكريبس لعلوم المحيطات” (Scripps Institution of Oceanography).
ورغم أن فرق العمل كانت تشتبه منذ فترة طويلة في إمكانية استخدام هذه السموم لمحاربة الورم الميلانيني، إلا أن “بيكر” أوضح أن المعرفة الجديدة المكتسبة من رحلة هذا العام قد عززت فهمهم لطريقة عيش البكتيريا القاتلة للورم الميلانيني داخل الكائن الحي الدقيق، وطبيعة العلاقة البيئية القائمة بينهما.
وقال: “إن ما نتعلمه من هذه الدراسات الميدانية سيساعدنا على المضي قدما في هذا المشروع عند البدء في إجراء التجارب على نماذج حيوانية وبشرية؛ إذ سنكوّن فكرة أوضح بكثير عما يمكننا فعله وما يجب تجنبه فيما يتعلق باستخدام هذه المادة كدواء”.
وأشار “بيكر” إلى أن الباحثين عادوا من رحلتهم وهم يشعرون بـ “الإرهاق الشديد”، لكنهم متحمسون للمرحلة المختبرية من المشروع، والتي ستتضمن محاولة إنتاج السم صناعيا.
وأضاف: “نحن بحاجة إلى كميات تتراوح بين مئات المليغرامات وعدة غرامات من هذا المُستقلَب (المادة الحيوية)، في حين أننا قد لا نحصل إلا على جزء من ألف من تلك الكمية من عينة بحجم كرة السلة من كائنات ‘الأسيديات ‘(ascidians)”.
وتابع قائلا: “من الواضح أننا لا نستطيع جمع كميات تعادل حجم 1000 كرة سلة من القارة القطبية الجنوبية، لأن ذلك سيدمر النظام البيئي؛ لذا فإن إحدى المهام الملقاة على عاتقنا هي إيجاد طريقة لإنتاج هذه المادة في المختبر”.
ذكر “بيكر” أنه بدأ مسيرته المهنية في مجالي الأحياء البحرية والكيمياء عام 1990، وعمل على مشاريع عديدة لتقييم الكائنات البحرية ودراسة إمكانية استخدامها في الرعاية الصحية الوقائية والعلاج.
وقال: “إن أكثر من نصف الأدوية المعتمدة من قبل إدارة الغذاء والدواء (FDA) مستمدة من مصادر طبيعية. ويمكنني أن أحدثكم عن العديد من المُستقلَبات الأخرى التي اكتشفناها في الإسفنج والشعاب المرجانية والحيوانات الغلالية (tunicates) وغيرها، وليس فقط في القارة القطبية الجنوبية”. واعتبر أن اكتشاف المادة المتعلقة بالورم الميلانيني يمثل “نوعا من ذروة مسيرته المهنية”.
وقال: “إن القضاء على الخلايا السرطانية في طبق مخبري (بتري) أمر، وتجاوز تلك المرحلة إلى مراحل أكثر تقدما أمر أصعب بكثير؛ لذا فإن حقيقة تخطينا لبعض تلك العقبات الكبيرة تثير حماسي حقا. والآن، علينا الاستعداد لتجاوز العقبة التالية”.