12 أغسطس/آب 2026
دمشق – جريدة المدار نيوز
شهد قصر العدل في دمشق يوم الثلاثاء 11 أغسطس/آب 2026 واحداً من أكثر المشاهد القضائية دلالة منذ سقوط النظام السابق في ديسمبر/كانون الأول 2024. فقد أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، برئاسة القاضي فخر الدين العريان، أحكاماً بالإعدام في قضية تناولت الانتهاكات التي بدأت في درعا عام 2011 واتسعت لاحقاً مع تطور النزاع السوري. وشملت أحكام الإعدام الرئيس المخلوع بشار الأسد، وشقيقه ماهر الأسد، والمسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، إضافة إلى خمسة مسؤولين سابقين آخرين، ليبلغ عدد المحكوم عليهم بالإعدام في القرار ثمانية أشخاص. وكان عاطف نجيب الوحيد الذي صدر الحكم بحقه وجاهياً، فيما صدرت بقية الأحكام غيابياً.
وبحسب النص التفصيلي الذي نشرته وكالة الأنباء السورية «سانا»، فإن القرار القضائي حمل الرقم 1 لعام 2026 في الدعوى أساس رقم 1 لعام 2026، وجاء في 396 صفحة. وقالت المحكمة إنها استندت إلى شهادات شهود ومدعين شخصيين، ووثائق رسمية وتقارير طبية ومواد صوتية ومرئية وتقارير دولية موثقة، كما طبقت إجراءات لحماية بعض الشهود وعدم كشف هوياتهم.
ثمانية محكومين بالإعدام

الأسماء التي وردت في قرار المحكمة هي: بشار حافظ الأسد؛ عاطف نجيب؛ فهد جاسم الفريج؛ ماهر حافظ الأسد؛ لؤي علي العلي؛ قصي إبراهيم ميهوب؛ وفيق صالح الناصر؛ وطلال فارس العيسمي. كما أسقطت المحكمة دعوى الحق العام عن محمد أيمن عيوش بسبب وفاته. وأبقت مذكرات التوقيف الغيابية نافذة بحق الفارين، وقررت مخاطبة الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لملاحقتهم دولياً، إلى جانب تثبيت الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة للمحكوم عليهم وإلزامهم بتعويض المدعين الشخصيين المقبولة دعاواهم.
بشار الأسد: مسؤولية «صاحب القرار الأعلى»
جرّمت المحكمة بشار الأسد بجرائم شملت القتل العمد والقتل القصد لأكثر من شخص ولأطفال، والتحريض على القتل، والتعذيب والتعذيب المفضي إلى الموت والحرمان من الحرية، ووصفت جانباً من هذه الأفعال بأنها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. ووفق ما تلاه القاضي العريان، رأت المحكمة أن مسؤولية بشار الأسد لم تكن مجرد مسؤولية رئيس أخفق في الرقابة، بل مسؤولية «صاحب القرار الأعلى» الذي رسم السياسات وسخّر أجهزة الدولة لتنفيذها وحمى منفذيها من المحاسبة. بشار الأسد موجود في روسيا منذ سقوط نظامه، ولذلك يبقى الحكم الصادر بحقه غيابياً مرتبطاً عملياً بإمكانية توقيفه أو تسليمه مستقبلاً.
عاطف نجيب ودرعا: القضية التي أعادت السوريين إلى عام 2011

احتل عاطف نجيب موقعاً مركزياً في المحاكمة لأنه كان رئيس فرع الأمن السياسي في درعا عندما بدأت الاحتجاجات عام 2011. واستعرضت المحكمة اعتقال أطفال وقاصرين بعد كتابة شعارات مناهضة للنظام، وشهادات عن تعرضهم للضرب والتعذيب والصعق الكهربائي والشبح وقلع الأظافر. كما تناول القرار إطلاق النار على مظاهرات مارس/آذار 2011، واقتحام المسجد العمري، والعملية الأمنية التي عُرفت باسم «المصيدة». وقالت المحكمة إن نجيب لم يُبدِ ندماً أو اعتذاراً خلال مواجهته بالضحايا، وإنها لم تجد سبباً لمنحه أسباباً تخفيفية، فأنزلت بحقه العقوبة الأشد. وإلى جانب حكم الإعدام، صدرت بحقه أحكام أخرى بالسجن والغرامات، إلا أن العقوبات دُمجت لتنفيذ العقوبة الأشد.
ماهر الأسد وبقية المسؤولين
شمل الحكم الغيابي ماهر الأسد، القائد السابق للفرقة الرابعة، وفهد جاسم الفريج، ولؤي العلي، وقصي ميهوب، ووفيق الناصر، وطلال العيسمي. وأدانتهم المحكمة بجرائم قتل وتعذيب وحرمان من الحرية وخطف، واعتبرت أفعالاً منسوبة إليهم جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وأكدت المحكمة كذلك أن سقوط الحصانات وعدم سريان التقادم أو العفو على الجرائم الدولية كانا من المسائل القانونية التي ناقشها القرار.
القاضي فخر الدين العريان: المفارقة التي أصبحت عنواناً للمحاكمة

إلى جانب ثقل أسماء المتهمين، تحولت شخصية رئيس المحكمة إلى قصة بحد ذاتها. فخر الدين العريان، المنحدر من سلقين في ريف إدلب، درس الحقوق في جامعة حلب وتدرج في السلك القضائي حتى أصبح مستشاراً في محكمة الاستئناف المدنية بإدلب. وفي 13 مارس/آذار 2013 أعلن انشقاقه عن وزارة العدل التابعة للنظام السابق وانضمامه إلى مجلس القضاء السوري المستقل. وبعد انشقاقه صدرت بحقه أحكام غيابية، من بينها حكم بالإعدام، وصودرت ممتلكاته وبيع بعضها في مزادات علنية، وفق تقارير منشورة عن سيرته.
بعد سقوط النظام السابق عاد العريان إلى السلك القضائي، وعُيّن في يناير/كانون الثاني 2026 رئيساً لمحكمة الجنايات الرابعة في دمشق. وفي 26 أبريل/نيسان ترأس أولى جلسات هذه المحاكمة، قبل أن يصل المسار في 11 أغسطس/آب إلى جلسة النطق بالحكم. وهنا تكمن المفارقة التاريخية: قاضٍ كان النظام السابق قد حكم عليه بالإعدام أصبح هو من يترأس المحكمة التي أصدرت حكماً بالإعدام بحق بشار الأسد وشقيقه وعدد من كبار مسؤولي النظام. إنها صورة تختصر انقلاباً كاملاً في موازين السلطة والقضاء في سوريا.
العدالة الانتقالية بين إنصاف الضحايا وضمان المحاكمة العادلة
لم تمر الأحكام من دون نقاش حقوقي. فقد احتفل سوريون خارج المحكمة وفي درعا بالقرار، واعتبره ممثلون عن عائلات الضحايا خطوة في طريق الاعتراف بما تعرض له الضحايا ومحاسبة المسؤولين. في المقابل، أثارت منظمات حقوقية ومراقبون تساؤلات بشأن سرعة بعض الإجراءات وضمانات الدفاع ومعايير المحاكمة العادلة، كما جددت منظمات حقوقية معارضتها لعقوبة الإعدام من حيث المبدأ.
ويبرز تحدٍّ قانوني آخر يتعلق بالمحكومين الموجودين خارج البلاد. فالدول التي ترفض عقوبة الإعدام قد تشترط ضمانات بعدم تنفيذها قبل الموافقة على أي تسليم. ولذلك فإن الحكم، رغم رمزيته السياسية والقضائية الكبيرة، يفتح أيضاً ملف التعاون القضائي الدولي والإنتربول واتفاقيات تسليم المطلوبين، خصوصاً بالنسبة إلى بشار وماهر الأسد الموجودين في روسيا.
من الخوف من المحكمة إلى علنية المحاكمة
كان من أبرز عناصر المشهد أن الجلسة عُرضت علناً، في تناقض واضح مع الصورة التي ارتبطت بالمحاكمات السرية والأجهزة الأمنية في عهد النظام السابق. وقد أكدت المحكمة أن المحاكمة الغيابية استندت إلى أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، وأن الأحكام الغيابية قابلة للإلغاء عند إلقاء القبض على المحكوم عليهم أو تسليم أنفسهم، بينما الحكم الوجاهي بحق عاطف نجيب قابل للطعن وفق الأصول.
سوريا أمام امتحان أكبر من الحكم نفسه
لا تختصر أهمية ما جرى في عقوبة الإعدام وحدها. القضية الأوسع هي ما إذا كانت سوريا الجديدة قادرة على تحويل هذه المحاكمات إلى بداية مؤسسة قضائية مستقلة ودائمة، لا إلى مجرد لحظة انتصار سياسي. العدالة الانتقالية الحقيقية لا تقوم على تبدل مواقع القوة فقط، بل على كشف الحقيقة، وحفظ الأدلة، وحماية الشهود، وجبر ضرر الضحايا، وضمان حق الدفاع، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون.
لهذا يحمل يوم 11 أغسطس/آب 2026 معنى يتجاوز أسماء بشار وماهر الأسد وعاطف نجيب. فالمشهد جمع في قاعة واحدة ذاكرة درعا، وملفات القتل والتعذيب والاعتقال، وعائلات الضحايا، ورجلاً كان محكوماً بالإعدام ثم عاد قاضياً. وقد تبدلت الأدوار بصورة دراماتيكية، لكن المعيار الذي سيحكم على هذه المرحلة في التاريخ لن يكون فقط من صدر بحقه الحكم، بل ما إذا استطاعت سوريا أن تجعل القانون فوق الجميع وأن تمنع تكرار ما عاشه السوريون طوال عقود.
الإعلامي ياسين نجار – جريدة المدار نيوز – نيويورك الولايات المتحدة الأمريكية