قراءة صحفية في خطاب الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة – نيويورك
نيويورك – في خطاب حمل مزيجاً من عرض حصيلة العام الماضي وتحديد أولويات المرحلة المقبلة، وقف الرئيس السوري أحمد الشرع صباح الأربعاء 23 أيلول/سبتمبر 2026 أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. وجاءت كلمته في اليوم الثاني من المناقشة العامة رفيعة المستوى في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، لتقدم رواية الحكومة السورية لما تعتبره انتقالاً من مرحلة الحرب والعزلة إلى مرحلة تثبيت مؤسسات الدولة وإعادة الإعمار والانفتاح الدبلوماسي.
استهل الشرع خطابه بالعودة إلى ظهوره أمام الجمعية العامة قبل عام، وقال إن الرسالة آنذاك كانت أن «سوريا عادت»، أما رسالة هذا العام فهي أن «سوريا تنهض». وفي عرضه للملف الداخلي، قال إن البلاد قطعت خطوات في توحيد أراضيها من الشمال إلى الجنوب، وحصر السلاح، وإعادة بناء مؤسسات الأمن والجيش، وإطلاق مشاريع الإعمار والاستثمار، ومكافحة الجريمة والمخدرات، وبدء مسار العدالة الانتقالية والعمل على كشف مصير المفقودين. كما ربط هذه الخطوات برفع العقوبات وتخفيف القيود التي عزلت سوريا اقتصادياً ودبلوماسياً لسنوات.
وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، تحدث الرئيس السوري عن عودة أكثر من ثلاثة آلاف خط إنتاج إلى العمل، وعن عودة أكثر من 3.5 ملايين لاجئ ونازح بصورة طوعية، وأعلن مبادرة «سوريا بلا مخيمات» بهدف إنهاء حالة النزوح الطويلة. وهذه الأرقام وردت في خطاب الرئيس نفسه، ولذلك تبقى حصيلة حكومية معلنة تحتاج، كأي بيانات من هذا النوع، إلى المتابعة والمقارنة مع بيانات المؤسسات الدولية المستقلة مع تقدم عملية التعافي.
أما في ملف العلاقات الخارجية، فقال الشرع إن قرابة مئة دولة فتحت قنوات تواصل مع دمشق عبر آلاف اللقاءات والاتصالات، وإن العاصمة السورية باتت تستضيف نحو ستين بعثة دبلوماسية. وقدم ذلك باعتباره مؤشراً إلى خروج سوريا التدريجي من العزلة وإعادة بناء علاقاتها الإقليمية والدولية على أساس السيادة والشراكة والمصالح المتبادلة.
وتوقف الخطاب مطولاً عند ملف مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة. ووفق الأرقام التي أعلنها الشرع، ضبطت السلطات السورية نحو 700 مليون حبة كبتاغون في أكثر من 1500 عملية، مع تفكيك عشرات الشبكات الدولية، إلى جانب جهود لمكافحة الاتجار بالبشر. وقد وضع الرئيس هذه الإجراءات ضمن تصور أوسع يعتبر استقرار سوريا جزءاً أساسياً من أمن المشرق والمنطقة.
وفي ملف الأسلحة الكيميائية، قال الشرع إن سوريا أطلقت، بالتعاون مع سبع دول، فريقاً باسم «أنفاس الحرية» لمعالجة الإرث الكيميائي، وإن 42 قنبلة كيميائية دُمّرت. كما أكد التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والوكالة الدولية للطاقة الذرية، مشدداً على الشفافية والالتزام بالمعاهدات الدولية.
وكان ملف الجولان والتوتر مع إسرائيل من أبرز محاور الكلمة. أكد الشرع أن الجولان سيبقى أرضاً سورية، واستند إلى قرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981 الذي اعتبر قرار إسرائيل فرض قوانينها وإدارتها على الجولان المحتل لاغياً وباطلاً ومن دون أثر قانوني دولي. واتهم إسرائيل بتنفيذ ما يقارب 500 غارة جوية ومدفعية وأكثر من 1200 توغل ونحو 300 حالة اعتقال واحتجاز لسوريين، وهي أرقام عرضها الرئيس السوري في خطابه. وجدد التزام دمشق باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى المواقع التي كانت عليها قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.

وفي المقابل، تقول إسرائيل إن تحركاتها العسكرية والأمنية مرتبطة بحماية حدودها ومنع تهديدات أمنية، بينما تؤكد دمشق والأمم المتحدة أهمية احترام سيادة سوريا وترتيبات فض الاشتباك. ويظل هذا الملف من أكثر القضايا حساسية في أي مسار مستقبلي للأمن الإقليمي أو التفاهمات السورية–الإسرائيلية.
صحفياً، يمكن قراءة خطاب الشرع على أنه محاولة لنقل النقاش الدولي حول سوريا من سؤال «ما بعد الحرب؟» إلى سؤال «كيف تُبنى الدولة؟». فقد ركز الخطاب على ثلاثة مسارات مترابطة: تثبيت سلطة المؤسسات وحصر السلاح، استعادة النشاط الاقتصادي وعودة النازحين، ثم استعادة الحضور الدبلوماسي. وفي الوقت نفسه، وضع الرئيس مسألة السيادة والجولان في قلب رسالته السياسية، مع إبقاء باب «السلام العادل» مفتوحاً شريطة حفظ الحقوق.
وتبقى المرحلة المقبلة هي الاختبار العملي لما ورد في الخطاب: مدى نجاح العدالة الانتقالية، قدرة الدولة على ضمان الأمن والحقوق لجميع السوريين، استدامة عودة اللاجئين والنازحين، جذب الاستثمار وإعادة الإعمار، وتحويل الانفتاح الدبلوماسي إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين. منبر الأمم المتحدة يمنح أي دولة فرصة لعرض رؤيتها، لكن الحكم على النتائج يتشكل لاحقاً من الوقائع والمؤسسات والتنفيذ على الأرض.
بالنسبة إلى سوريا، حمل خطاب 23 أيلول/سبتمبر رسالة واضحة من دمشق إلى المجتمع الدولي: الحكومة تقول إن مرحلة جديدة بدأت، وإنها تريد شراكات دولية وإقليمية تساعد في إعادة البناء من دون التفريط بالسيادة. وبين طموح النهوض وتعقيدات الداخل والإقليم، ستبقى الأشهر المقبلة حاسمة في قياس المسافة بين ما أُعلن في نيويورك وما يتحقق فعلياً في سوريا.
المصادر: الأمم المتحدة – تغطية المناقشة العامة للدورة 81؛ وكالة الأنباء القطرية (قنا)؛ تقارير صحفية متقاطعة منشورة في 23 سبتمبر 2026. الأرقام المنسوبة إلى العمليات الأمنية والعودة والإنتاج هي كما أعلنها الرئيس السوري في خطابه.
الإعلامي ياسين نجار – جريدة المدار نيوز – نيويورك الولايات المتحدة الأمريكية