نيويورك – جريدة المدار نيوز – 23 حزيران/يونيو 2026
وصل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد في زيارة سياسية لافتة تحمل عنوان الامتنان والتقدير لما قدمته باكستان، بالتنسيق مع دولة قطر، من جهود دبلوماسية كبيرة ساهمت في فتح الطريق أمام اتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، بعد مرحلة طويلة من التوتر والتصعيد والرسائل المتبادلة بين الطرفين.
وتأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتواصل في سويسرا مباحثات يومية مكثفة بين الوفود المعنية، وسط حديث دبلوماسي عن دخول المفاوضات في خطوطها الأخيرة، ومحاولة تثبيت ما تم التوصل إليه من تفاهمات أولية وتحويلها إلى اتفاق عملي قابل للتنفيذ. وتؤكد المعطيات المتداولة أن باكستان وقطر لعبتا دور الجسر بين واشنطن وطهران، من خلال تقريب وجهات النظر، وتخفيف حدة التصعيد، وفتح قنوات تواصل مباشرة وغير مباشرة سمحت بعودة لغة السياسة إلى الواجهة.
زيارة الرئيس الإيراني إلى إسلام آباد لا يمكن قراءتها على أنها بروتوكول عادي، بل هي رسالة سياسية موجهة إلى الداخل الإيراني، وإلى المنطقة، وإلى المجتمع الدولي، مفادها أن طهران تعترف بقيمة الوساطة الباكستانية والقطرية، وتعتبر أن نجاح الدبلوماسية في هذه المرحلة يمثل مكسباً لكل الأطراف، خصوصاً بعد الأزمات المتلاحقة التي هددت أمن الخليج والملاحة البحرية وأسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي.

وخلال الزيارة، من المتوقع أن يبحث الرئيس الإيراني مع القيادة الباكستانية العلاقات الثنائية بين البلدين، وملفات التعاون الاقتصادي والأمني، إضافة إلى آخر تطورات المفاوضات مع الولايات المتحدة. كما ينتظر أن تتناول المحادثات الدور الذي يمكن أن تستمر باكستان في أدائه خلال مرحلة ما بعد التوقيع، لأن الاتفاقات الكبرى لا تنتهي عند لحظة الإعلان عنها، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بالتنفيذ والضمانات والرقابة المتبادلة وبناء الثقة.
وفي سويسرا، تستمر الوفود في مناقشة ملفات حساسة، وفي مقدمتها العقوبات الاقتصادية، والبرنامج النووي الإيراني، وعودة التعاون مع المفتشين الدوليين، وآليات استخدام الأموال الإيرانية المجمدة، إضافة إلى قضايا الأمن البحري وحرية الملاحة في مضيق هرمز. وتبدو هذه الملفات مترابطة، لأن أي خلل في واحد منها قد يعيد التوتر إلى نقطة الصفر، ولذلك تعمل الوساطات على صياغة تفاهمات دقيقة تمنع سوء الفهم وتضمن مصالح جميع الأطراف.
الأهمية الكبرى لهذه المرحلة تكمن في أن المنطقة لم تعد تحتمل حرباً جديدة أو مغامرة عسكرية مفتوحة. فالتوتر بين واشنطن وطهران لا يبقى محصوراً بين دولتين، بل يمتد تأثيره إلى الخليج والعراق وسوريا ولبنان واليمن وأسواق النفط والغاز وسلاسل التجارة العالمية. ومن هنا، فإن أي اتفاق ينجح في خفض التصعيد وفتح باب الحوار سيكون مكسباً سياسياً واقتصادياً وأمنياً للمنطقة بأكملها.
كما أن الدور القطري والباكستاني يعكس تحوّلاً مهماً في طبيعة الوساطات الإقليمية. فالدول التي تملك علاقات متوازنة مع الأطراف المتخاصمة أصبحت قادرة على لعب أدوار مؤثرة في لحظات الأزمات، خصوصاً عندما تملك الثقة والقدرة على التواصل الهادئ بعيداً عن الضجيج الإعلامي. وقد أثبتت هذه المرحلة أن الدبلوماسية الصبورة قد تحقق ما تعجز عنه لغة التهديد والعقوبات والضربات العسكرية.

وفي حال وصلت المفاوضات الجارية إلى اتفاق نهائي، فإن زيارة الرئيس الإيراني إلى إسلام آباد ستسجل كواحدة من المحطات الرمزية المهمة التي سبقت الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة التفاهم. أما إذا تعثرت المباحثات في اللحظات الأخيرة، فإن الزيارة تبقى دليلاً على أن طهران لا تزال تراهن على الدور الباكستاني والقطري في منع انهيار المسار السياسي.

وتبقى الأنظار متجهة إلى سويسرا، حيث تستمر اجتماعات الوفود يوماً بعد يوم، في محاولة للوصول إلى الصياغة النهائية التي قد تفتح صفحة جديدة بين أمريكا وإيران، وتمنح المنطقة فرصة حقيقية لالتقاط الأنفاس بعد سنوات من التوتر والقلق والحروب بالوكالة.
الإعلامي ياسين نجار
جريدة المدار نيوز
نيويورك – الولايات المتحدة الأمريكية