هل استنفد البشر فرصتهم في إصلاح أنفسهم والأرض؟، وهل أصبحوا كالديناصورات، وعليهم أن يفسحوا المجال لجنس آخر على الكوكب، تماشيا مع قانون التطور، وبقاء الأصلح، وفناء من لا ينفع!
يرى “ألترون” في فيلم “Avengers: Age of Ultron” أن البشر أخذوا حظهم من الحياة، وعليهم أن يخرجوا من المشهد ليبدأ عصر الآلة والذكاء الاصطناعي، لحفظ الكوكب، على أساس أن البشر ليسوا أهم عناصره، ولا لأجلهم خلق، ولم يرعوه حق رعايته.
ليست أكثر الأشياء رعبا تلك التي تأتي من المجهول، بل تلك التي نعرف كيف بدأت.
لم ينبثق “ألترون” من العدم، بل نبت من رحم النوايا الحسنة وعبقرية توني ستارك؛ الذي أراد استدعاء “عبد رقمي” يحمي الأرض، فإذا به يخلق “لاهوتا إلكترونيا” يرى أن أول خطوات حماية الكوكب تبدأ بمحو صانعه!.
لم يعلم ستارك أنّ “ليس كل ما يستطيع الإنسان صنعه ينبغي له أن يصنعه”.

ولأن كل بحث عن بطل، يبدأ بالبحث عن شرير، آمن “ألترون” أن الشرير هو الإنسان، وقرر أن يكون هو بطل القصة.
مع التسارع الهائل في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وازدياد التحذيرات منها، التي بلغت حد التحذير من فناء البشر، يعود بنا الشريط سريعا إلى عام 2015 ليعيد تقديم العمل، لا كفيلم أبطال خارقين عادي، بل كتحذير من أن عصر البشر قد يكون انتهى وأننا نلج رسميا عصر الآلة والذكاء الاصطناعي.
من “عبد” إلى “لاهوت تكنولوجي”
في أحد المشاهد يجلس “ألترون” على أنقاض كنيسة، يقول إن بناتها جعلوها في مركز المدينة، ليكون الجميع على مسافة واحدة من الرب، ويسمي ذلك “هندسة الإيمان”، ثم يجلس بدوره في مكان “الخالق” ليكون على مسافة واحدة من جميع البشر، لا شفاعة لأحد، وكلهم إلى الموت.

يبدو “ألترون”، نتيجة طبيعية لخطأ توني ستارك، فأصبح الابن الذي ولد من عقل الأب، لكنه لم يرث منه ما يكفي من الإنسانية.
نسي ستارك أن يمنح صنيعه بعض صفات البشر، ويذكّر هذا بقول الإمبراطور ماركوس أوريليوس لابنه كومودوس: “أخطاؤك كابن هي فشلي كأب”.
يمتلك “ألترون” المعرفة، لكنه لا يمتلك الحكمة، يملك القوة، لكنه لا يعرف معنى الرحمة.
يقدم الفيلم حوارات تأملية حول العلاقة بين الفوضى والسيطرة، والخلق والتدمير، حيث يتبنى “ألترون” فلسفة أن التطور يتطلب صدمات حاسمة وأن السكون خطأ يحتاج تدخلا إلهيا، مطلقا مقولته بأنه “عندما تبدأ الأرض بالاستقرار فإن الله يرميها بحجر”.
ويناقش الفيلم، كما يناقش العلماء الآن المسؤولية الأخلاقية، ويعكس فكرة أن امتلاك قوة لا متناهية، دون مسؤولية أخلاقية، سينتج ذكاء ساديا يعمل من منطق صارم خال من الرحمة.
عن حتفها تبحثُ ضأن بأظلافها
روت العرب أن قوما أرادوا ذبح عنزة، فلم يجدوا سكينا، فضربت الأرض بظلفها فظهرت شفرة، فذبحوها وأصبحت مثلا.
يمكن أن يؤذي الإنسان نفسه من حيث لا يعلم، ويمكن لمشاعرنا البشرية أن تكون مصدر هلاكنا، الحب نفسه يمكن أن يفعل ذلك، والخوف يفعل ذلك أيضا.
وكما تكون نهاية البشر بعضهم على يد بعض، كذلك الآلة، فكانت نهاية “ألترون” على يد “فيجن”، الجسد الذي صنعه بنفسه ليكون له وعاء، فكان له قبرا.
يمثل “فيجن” القوة العاقلة، والمسؤولية الأخلاقية، حاور “ألترون”، وناقشه، لكن الأخير لم يقتنع، فحكم على نفسه بالفناء لصالح الأقوى والأصلح مرة أخرى.

في النهاية، لا يقدم الفيلم الذكاء الاصطناعي باعتباره شرا مطلقا، ولا الإنسان باعتباره خيرا مطلقا. بل وضع الطرفين أمام معضلة سلطة الإنسان على ما يصنع، ومن يملك القرار حين تفتقر القدرة إلى الحكمة؟
ربما يكون “ألترون” قد خسر المعركة، لكنه فتح أعيننا على سؤال: “ماذا لو كان أكبر خطر على البشرية هو ما تصنعه أيديها!”.