الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والحاجة إلى الانتقال من اللاهوت إلى السياسة

تحوّل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، عبر عقود من الدم والخراب، من نزاع على حدود وجغرافيا إلى مرآة كاشفة لارتباكات الإنسانية المعاصرة: ارتباكات في الأخلاق كما في السياسة، في الذاكرة كما في المستقبل. لم يعد الأمر مجرد خصومة على الأرض، لقد أصبح ساحة يتصارع فيها تأويلان متضادان: تأويل يريد تثبيت أسطورة، وآخر يسعى إلى تحمّل مسؤولية الواقع. وكلاهما، رغم اختلافه، ما يزال محكوماً بمنطق يتردّد بين المقدّس والبشري، بين الحكاية المتخيّلة والوقائع الصلبة.

على الضفتين، توجد نزعة لإعادة إنتاج الماضي بوصفه قدراً مؤبداً: فثمة من يتعامل مع الوجود اليهودي وكأنه محكوم بقدر تاريخي لا يُقاوَم، وثمة من يتعامل مع الوجود الفلسطيني بوصفه شهادة دائمة على مظلومية لا تنقطع. وفي الحالتين، يتم احتجاز السياسة داخل سرديات ترى المعاناة أو الأسطورة محرّكين لتاريخ يجب أن يتجدّد لا أن يتجمّد.

لكن المأزق لا ينشأ من دعم طرف على حساب آخر، وإنما من الاعتماد على لاهوت يُحوّل الواقع إلى امتحان روحي: أحدهما لاهوت الوعود والاختيار، والآخر لاهوت الألم والصمود. وفي ظل هذا المنطق، يصبح الاعتقاد بأن الحقيقة تُستعاد بالنبرة الأخلاقية أو بالمرجعية الدينية مجرد وهم. فالشرعية السياسية لدى أي شعب أو كيان لم تُبنَ يومًا على النصوص وحدها، بل على الوقائع التي صنعتها الأفعال: الانتصارات، الهزائم، التحولات الديموغرافية، والهندسة القسرية للأرض والسكّان. إن تاريخ الأمم، سواء في أوروبا أو آسيا أو أي بقعة شهدت صراعات طويلة، يذكّرنا بأن الخرائط تصنعها القوى المحرِّكة للأحداث، لا الكتب المقدّسة ولا اليقينيات الأخلاقية.

ومن ثم، فإن التمسّك الحرفي بالتبريرات الدينية أو الأخلاقية، سواء من هذا الطرف أو ذاك، لا يُنتج دولة، ولا يضمن عدالة، ولا يفتح أفقًا سياسيًا. الحقوق والقوانين لا تسبق الواقع، بل تتشكّل بعده. وما دام الصراع يُدار بمنطق التطهير الأخلاقي أو الندبة التاريخية، فإن أي مقاربة للحل ستظل سطحية، عاجزة، ومُحبطة. لا تُمارَس السياسة من داخل الميثولوجيا، وإنما من داخل إدراك الطبيعة التراجيدية للتاريخ، ومن داخل قدرة الإنسان على تحويل الممكن إلى واقع.

ويكمن قسم كبير من العجز عن تجاوز الانسداد الراهن في ميل كثيرين من كلا الجانبين، وممن يناصرون أحدهما، إلى الاحتماء بنقاء الموقف الأخلاقي، كما لو أنه فضيلة سياسية بذاته. يصبح التمسك بالهزيمة بطولة، وبالعداء هوية، وبالذاكرة سجنًا. وهكذا تتحوّل النوايا الحسنة إلى قوة معيقة، لأنها ترفض الانخراط في السياسة الحقيقية: سياسة التفاوض، والمخاطرة، والتسويات المؤلمة.

حين يُختزل السلام في فكرة تصحيح أخطاء الماضي أو تعويض المعاناة، يتحول إلى مشروع هشّ، معلّق بين الذنب والانتقام. أمّا السياسة في تعريفها الأعمق فهي قدرة البشر على الخروج من لاهوت الألم إلى براغماتية الحياة المشتركة: لا تبرئة لأحد، ولا شيطنة مطلقة، بل تقييم للأفعال وما تتيحه من فرص لبناء زمن لا يعيد إنتاج الكارثة.

إن الخروج من دائرة الدم ليس تمرينًا على الذاكرة، بل على النضج: أن تمتلك الشعوب الشجاعة لتجاوز طهرانية المظلومية دون أن تتخلى عن حقّها، وأن تمتلك القدرة على فهم أنّ الأحلام وحدها لا تبني دولة، وأن الكرامة تُصان بالعمل والعقل، لا بالرثاء المنتظر لعدالة سماوية.

إن إدراك هذه الحقيقة لا يلغـي المآسي التي حدثت، ولا يمنع الاعتراف بالجراح المفتوحة، لكنه يغيّر موقعها: من عبء يُشلّ الحاضر إلى درس يحرّض على بناء مستقبل ممكن. والمستقبل الممكن لا يصنعه اللاهوت، وإنما السياسة، التي لا تمنحه الذاكرة وحدها، بل الشجاعة على مواجهة الواقع بما يقتضيه لا بما نريده.

بهذا فقط يمكن للفلسطينيين والإسرائيليين معًا أن يخطوا خطوة خارج الأسطورة نحو العالم، حيث لا يُدار التاريخ بالمرثيات، ولكن بالقرارات، ولا تُبنى الحياة المشتركة بالمعجزات، وإنما بالخيارات الصعبة التي تليق بمن يريد أن يعيش، لا أن ينتظر خلاصًا لا يأتي.

وليد الأسطل

«تصنيف الإخوان»… الأردن سبق ترمب بحظر الجماعة وغلق مقارها

يَختصِر مصطلح «الحركة الإسلامية» نشاط جماعة «الإخوان المسلمين» في الأردن، وهي جماعة «محظورة وغير شرعية» في البلاد، وكذلك نشاط ذراعها السياسية «حزب جبهة العمل الإسلامي»، المرخّص بموجب أحكام قانون الأحزاب النافذ. وفي ظل تداخل للعلاقة بين الجماعة والحزب لطالما شكت منه مؤسسات رسمية، يبدو واضحاً، حسب محللين سياسيين، أن هذا الأمر أحبط إلى حد كبير محاولات إصلاح الحياة السياسية في الأردن بسبب احتكار الإسلاميين الفعل السياسي في الشارع، وضعف منافسيهم عن مجاراة شعبيتهم. وأمام جملة القضايا التي حرّكها النائب العام الأردني ضد نشاطات الجماعة والشبهات حول تمويل الحزب، فإن الحركة الإسلامية في البلاد تعيش أياماً صعبة، في مواجهة تجاوزات قانونية محتملة ما زال القضاء يحقق في تفاصيلها. وحسب مصادر «الشرق الأوسط»، فقد تم ضبط وثائق تؤكد وجود تجاوزات مالية، بعد تنفيذ مداهمات أمنية لدى صدور قرار رسمي بـ«إغلاق مكاتب الجماعة» في أبريل (نيسان) الماضي.

كان شهر أبريل الماضي صادماً للجماعة والحزب. فقادتهما لم يتوقعوا تصعيداً إلى هذا الحد من المؤسسات الرسمية ضدهم، بما يمكن أن يهدد بقاءهم. وظل الاعتقاد السائد لديهم أن الأزمة بين الدولة و«الإخوان» ستعبر كسابقاتها، غير أن مراجع رسمية أخذت قراراً بالمضي في «تصويب الاختلالات القانونية والتشوهات في الحياة السياسية» الناتجة من تداخل العلاقة بين الجماعة والحزب، وكسر حالة الاستقطاب للحياة السياسية من قِبل الحركة الإسلامية.

وربما لا يتذكر كثيرون أن الأردن تحرك ضد جماعة «الإخوان» قبل صدور قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، نهاية الشهر الماضي، بالطلب من إدارته درس «تصنيف بعض فروع أو تقسيمات جماعة الإخوان المسلمين منظماتٍ إرهابية أجنبية». فقد كان الربيع الماضي مطلعُهُ ثقيل على الحركة الإسلامية في الأردن بعدما اختل توازنها أمام الفعل السريع لتطبيق أحكام قضائية سابقة بحق الجماعة. كما أن هذا التوازن قد يختل أكثر لاحقاً بعد صدور أحكام قضائية متوقعة بخصوص القضايا المنظورة حالياً أمام المحاكم الأردنية. وإزاء هذا الأمر، يسعى قادة في الحركة الإسلامية إلى تجاوز الأزمة واحتواء الغضب الرسمي الذي يهدد بالفعل مصير استمرارهم في الحياة السياسية.

الموقف الرسمي بانتظار أحكام القضاء

لخَّص العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الموقف من الجماعة والحزب، برده على سؤال عن مستقبل الحركة الإسلامية في البلاد خلال لقاءات مع شخصيات وازنة. قال الملك إن ذلك ينتظر «أحكام القضاء»، مؤكداً أن سيادة القانون تضمن العدالة للجميع. وقد التقى الملك عبد الله الثاني رؤساء حكومات سابقين قبل شهرين، وجرى الحديث عن مستقبل العلاقة مع الحركة الإسلامية في المملكة الأردنية.

وإذا كان العاهل الأردني تحدث بلغة واضحة بهذا الشأن، فإن ارتباك سلوك أقطاب مركز القرار في تعاملاتهم مع الحركة الإسلامية أثّر على فهم المتابعين بخصوص مصير القضايا المنظورة حالياً أمام القضاء، في ظل همس يتساءل عن بطء إجراءات التقاضي، و«المبالغة» في المخاوف من ردود فعل الشارع على الأحكام المنتظر صدورها، خصوصاً إذا جاءت لصالح إنهاء وجود المرجعيات المؤسسية والأذرع المالية والاستثماريّة للجماعة؛ ما يعني تأثر الحزب الإسلامي جراء انقطاع التدفقات النقدية عنه، ومحاسبته على تلقيه أموالاً من الخارج.

ويبدو أن تباين وجهات النظر، لئلا يُقال صراع النفوذ بين أقطاب مركز القرار، نابع من مخاوف إزاء ردود الفعل الشعبية على أحكام قد تصدر بحق مؤسسات وشخصيات من الجماعة. وفي حال كان ذلك صحيحاً، ففي الأمر جانب من الاعتراف بضعف المواجهة مع الجماعة التي تسيطر على عاطفة شارع عريض من الأردنيين. لكن تكلفة المماطلة بإجراءات التقاضي قد تكون على حساب الثقة بالإجراءات الرسمية التي ستأتي بعد صياغة وزارة الخارجية الأميركية قرار ترمب الذي حدد فرع «الإخوان» في الأردن أحد الفروع التي يتناولها تصنيف الإرهاب. ووقتها سيكون على المؤسسة الرسمية في الأردن التعامل مع الحضور الشعبي المناصر للحركة الإسلامية في الشارع.

ويُدرك الجميع في الأردن، على الأرجح، بأن الرافعة المالية لـ«حزب جبهة العمل الإسلامي» هي جماعة «الإخوان» التي تمتلك رصيداً من التبرعات والاشتراكات تصل إلى ملايين الدنانير. كما يُدرك الجميع أيضاً، على الأرجح، بأن تمويل الحملات الانتخابية للحزب في مختلف المواسم النيابية والبلدية والنقابية، هو تمويل مفتوح. ويؤكد هذا الأمر ما كشفته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن توافر «وثائق» تؤكد أن تمويل الحزب «ليس ذاتياً، بل من أموال الجماعة الأم التي لا يزال التحقيق جارياً حول التجاوزات في جمع التبرعات وطبيعة الاستثمار فيها والتحويلات إلى الخارج».

تُهم الجماعة وتوقيتها

في شهر أبريل الماضي، وبعد أقل من ثلاثة أشهر على تسلم دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة في ولايته الثانية، تحركت الحكومة الأردنية، وفعّلت قراراً قضائياً سابقاً صدر في عام 2020 بـ«حل جماعة الإخوان المسلمين» وبـ«اعتبار جماعة الإخوان المسلمين منحلة حكماً وفاقدة لشخصيتها القانونية والاعتبارية؛ وذلك لعدم قيامها بتصويب أوضاعها القانونية وفقاً للقوانين الأردنية».

اختارت الحكومة الأردنية توقيت تفعيل الحكم القضائي السابق بُعيد الكشف، في منتصف الشهر نفسه، عن «مخطط للفوضى» في البلاد. وتم إحباط هذا المخطط بعد القبض على خلية «إخوانية» مكونة من 16 شخصاً ثبت أن عدداً منهم ينتمي إلى «حزب جبهة العمل الإسلامي»، الذراع السياسية للجماعة. وقد أحيل المتهمون إلى محكمة أمن الدولة، وأُسندت لهم جناية تصنيع أسلحة بقصد استخدامها على وجه غير مشروع، وتهمة جناية التدخل بتصنيع أسلحة بقصد استخدامها على وجه غير مشروع، وتهمة جناية القيام بأعمال من شأنها الإخلال بالنظام العام وتعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر. كما يواجه المتهمون تهماً تتعلق بمشروع تصنيع طائرات مسيّرة، وتهم نقل وتخزين مواد متفجرة وأسلحة أوتوماتيكية تم تهريبها من الخارج، وإخفاء صاروخ في إحدى ضواحي عمان. وتعود وقائع هذه القضية في الواقع إلى عام 2023، وقد صدرت أحكام بحق 4 متهمين في وقت سابق.

بعدها، وجّهت السلطة القضائية تهماً مباشرة للجماعة المحظورة عقب كشف التحقيقات الأولية سلسلة تجاوزات قانونية ومالية نتيجة متابعة شبكة تحويلات مالية للخارج من أموال تم جمعها كتبرعات. وقالت الجهات المختصة إن هناك «نشاطاً مالياً غير قانوني ضلعت به جماعة الإخوان المسلمين المحظورة طوال الأعوام الماضية داخلياً وخارجياً، تزايدت وتيرته في آخر 8 سنوات».

شكّل التوجه الرسمي وقتها، في الكشف عن تجاوزات متعلقة بملف جماعة «الإخوان» في الأردن، صدمة داخل صفوف الجماعة وذراعها السياسية «حزب جبهة العمل الإسلامي». وأثارت سلسلة الاتهامات التي وجَّهتها السلطة القضائية للجماعة أسئلة تتعلق بمصير «جبهة العمل» التي التزمت الصمت في قضية حل جماعة «الإخوان» والملاحقة القانونية لأموالها وأصولها. وجاء من ضمن الاتهامات أن «الأموال التي يتم جمعها وصرفها بشكل غير قانوني تُستخدم لغايات سياسية وخيرية ذات مآرب سياسية، فقد كانت تُصرف على أحد الأحزاب وعلى الأدوات والأذرع والحملات الإعلامية وعلى الفعاليات والاحتجاجات، والتدخل في الانتخابات النقابية والطلابية، وصرف مرتبات شهرية لبعض السياسيين التابعين للجماعة وعلى حملاتهم الدعائية». وتتضمن الاتهامات أيضاً أن الجماعة حازت وتحت عناوين مختلفة عشرات الملايين من الدنانير استُثمر جزء منها في شراء شقق خارج الأردن، كما استُخدمت الأموال لأغراض غير مشروعة قانوناً، ومنها ما سُجّل بأسماء أفراد ينتمون إلى الجماعة عن طريق ملكيات مباشرة أو أسهم في بعض الشركات.

حوارات صاخبة داخل الحركة الإسلامية

أغلق «حزب جبهة العمل الإسلامي» مكتبه الشبابي في وقت سابق من الأسبوع الماضي، ولدى السؤال عن القرار الحزبي كانت الإجابة من مصادر قريبة من الحزب نفسه بالقول: «إن صراعاً خفياً يدور في أروقة مجالس ومكاتب الحزب المنتخبة، حول استسلام القيادات أمام الحملة الرسمية التي تستهدف تصفية الجماعة والحزب». أضافت هذه المصادر أن هناك «مطالب يقودها تيار الشباب تضغط باتجاه تنفيذ خطوات احتجاجية تصعيدية».

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

وحسب مصادر «الشرق الأوسط» الخاصة، أعاد الخلاف بين تيار الشباب في الحزب وبين قياداته المواجهة التاريخية بين فريقي الصقور (الشباب) داخل الحركة، والحمائم (القيادات). وأوضحت المصادر أن هناك داخل الحزب مَن يطالب بإعادة صياغة أهدافه ومبادئه ونظامه الأساسي، على قاعدة الفصل التنظيمي مع الجماعة الأم التي جُرِّم العمل تحت عنوانها، وهذا أمر يرفضه تيار الشباب المتشدد في الحزب والمرتبط بعلاقة تنظيمية مع جماعة «الإخوان».

ولا يُدرك شباب الحركة مدى المأزق الذي يعانيه حزبهم، ولا ما ينتظره قادة الجماعة من مساءلة قضائية، حسب ما يقول متابعون لملف الحركة الإسلامية في الأردن. وحسب هؤلاء، يُرجح أن يكون التصعيد الرسمي موازياً لأي تصعيد تدعمه الحركة الإسلامية. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن أي استعراضات جماهيرية شعبية تدعمها الجماعة المحظورة أو الحزب سيقابلها تصعيد رسمي باستخدام وثائق ومعلومات صارت في حوزة الجهات المختصة.

وبرأي المصادر نفسها، لا يملك الحزب اليوم سوى خيارات محدودة، فإما أن يَحل نفسه، ويعيد اجتماع منتسبيه تحت اسم جديد، وإما أن يذهب إلى الاندماج مع حزب آخر، وهو سيناريو مستبعد، وإما انتظار صدور القرار القضائي لتحديد ما هي الخطوة المقبلة الممكنة. وقد لا يكون قرار القضاء في الواقع في صالح استمرار «حزب جبهة العمل الإسلامي» بالحياة السياسية؛ ما يعني خسارته 31 مقعداً في البرلمان. وفي هذه الحال، لا بد من التعامل مع قضية ملء شواغر مقاعد الحزب في مجلس النواب الحالي؛ الأمر الذي يدفع بسيناريو حل المجلس والذهاب لانتخابات مبكرة في مدة لا تتجاوز 4 شهور من تاريخ الحل.

وقالت مصادر رسمية، تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة والحزب مارسا تصعيداً في الشارع منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، تاريخ عملية «طوفان الأقصى» في غزة، مضيفة أن شعارات وهتافات سعت لـ«الاستقواء» على الموقف الرسمي و«تشويه» الرواية الرسمية، مضيفة أن الحركة الإسلامية بالغت في تنفيذ احتجاجات في مناطق لها حساسيتها الأمنية، كما حصل قرب السفارة الإسرائيلية في منطقة الرابية والسفارة الأميركية في منطقة عبدون. وعلى رغم «الطرد» المُبكر للسفير الإسرائيلي في عمّان وأركان سفارته، فإن الحركة ظلت تدعو إلى تنفيذ احتجاجات والدعوة إلى حرق السفارة. وتؤكد معلومات وتسجيلات متوافرة لدى السلطات الأردنية، أن الجماعة وحزبها «تلقيا توجيهات من قيادات (حمساوية) من الخارج» بضرورة تحريك الجبهة الأردنية لمناصرة غزة.

حسابات الموقف الرسمي… «بالع السيف»

ولأسباب كثيرة، يجد القرار الرسمي الأردني نفسه بموقف لا يُحسد عليه. فبين تأخر إجراءات التقاضي و«جدال» الأقطاب في مركز القرار، وبين استحقاق القرار الأميركي بتصنيف فروع وشخوص من جماعة «الإخوان» على قوائم الإرهاب (وهو ما يمكن أن يطول مؤسسات وأشخاصاً من الأردن)، سيكون الموقف الرسمي كـ«بالع السيف». فالقضاء سيحتاج إلى وقته لاستكمال مسارات التقاضي، في حين أن الشارع الأردني شديد التوتر تجاه أي قرار أميركي من شأنه أن يؤثر على القرار الداخلي. وثمة من يقول إنه لو استعجل القضاء الأردني دراسة الوضع القانوني لملف التجاوزات داخل الجماعة والحزب، منذ أبريل الماضي، لكان الوضع مريحاً لجهة الثقة بالقرار الرسمي بوصفه مستقلاً عن القرار الأميركي.

ويبدو أن الموقف الرسمي الأردني يضع في الحسبان ضرورة حماية الحكومة التي يجب أن تستمر مع استمرار مجلس النواب حتى عام 2028؛ لأن أي حل مبكر لمجلس النواب يعني ضرورة تقديم الحكومة استقالتها خلال أسبوع، ولا يُكلَّف نفس الرئيس تشكيل الحكومة التي بعدها. ويرغب الرئيس جعفر حسان في البقاء كسابقيه من الرئاسات، وهذا قد ينسحب على الارتخاء الحكومي في انتظار حكم القضاء، إذا تقرر حل حزب جبهة العمل الإسلامي وعندها سيفقد مجلس النواب 31 مقعداً هم نواب الحزب.

«الإخوان»… الحصار يشتد

تترقب جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة في مصر، نتائج تحركات تجريها واشنطن بطلب من الرئيس دونالد ترمب لاعتبارها «تنظيماً إرهابياً»، قبيل 3 سنوات من نهاية مئويتها الأولى. يرى خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الأم المحظورة بمصر، والمنقسمة في الخارج إلى 3 جبهات، «تمضي إلى حصار جديد لتحركاتها المالية والأنشطة الموالية لها، وبفاعلية أكبر»، متوقعين «مزيداً من التحركات لتجفيف منابع الجماعة في الخارج، مع إمكانية غلق مؤسسات وقنوات محسوبة عليها».

وتصنَّف السلطات المصرية جماعة «الإخوان» «تنظيماً إرهابياً» منذ عام 2013، علماً بأن هذا التصنيف كان سارياً لعقود من قبل. ويقبع معظم قادة «الإخوان»، وفي مقدمتهم المرشد العام محمد بديع، داخل السجون المصرية في قضايا عنف وقتل وقعت في البلاد بعد إسقاط حكم «الإخوان» (في العام نفسه، 2013)، بينما هناك آخرون هاربون في الخارج ومطلوبون للقضاء المصري، ويديرون حالياً التنظيم وسط انقسامات حادة.

ووفقاً لبيان صادر عن البيت الأبيض قبل أسبوع، وقّع ترمب أمراً تنفيذياً يوجّه وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، بتقديم تقرير حول ما إذا كان سيتم تصنيف أي من فروع «جماعة الإخوان المسلمين» (تأسَّست عام 1928) مثل تلك الموجودة في لبنان ومصر والأردن، وذلك في غضون 45 يوماً. واتهمت إدارة ترمب فروعاً لـ«الإخوان» في تلك الدول بدعم أو تشجيع شنّ هجمات عنيفة على إسرائيل وشركاء الولايات المتحدة، أو تقديم الدعم المادي لـ«حماس». وفي تصريحات لموقع «جست ذا نيوز» اليميني الأميركي، الأحد الماضي، أكّد ترمب أن خطته لتصنيف جماعة «الإخوان» «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً» باتت في مراحلها الأخيرة، وذلك بعد خطوة حاكم ولاية تكساس الجمهوري، غريغ أبوت، الذي صنّف «الإخوان» ومجلس العلاقات الأميركية – الإسلامية (كير) «منظمتَين إرهابيَّتين أجنبيَّتين ومنظمتَين إجراميَّتين عابرتَين للحدود». وطعن مجلس «كير» ضد هذا التصنيف.

ويعتقد المحلل في شؤون الحركات الإسلامية، عمرو فاروق، أن قرار التصنيف في حال صدوره «سيفاقم مشكلات الأزمات الداخلية للجماعة في ظل انشقاقها لـ3 تنظيمات في الخارج، بخلاف صدور قيود ستُفرَض على التمويلات والتحركات المالية، وتجميد أرصدة لقياداتها، وفرض قيود على مؤسسات محسوبة على الجماعة وغلقها، فضلاً عن إمكانية غلق قنوات محسوبة عليها مثل (مكملين) و(وطن)».

وأكد المحلل في شؤون الجماعات المسلحة، الدكتور عمرو عبد المنعم، أن قرار ترمب «سيزيد من انقسام الجماعة التي تعاني بالأساس من ارتباك في التعامل مع هذا التوجه الأميركي الكاشف عن أن واشنطن ابتعدت، في ظل إدارة ترمب الجديدة، عن الجماعة بعد سنوات من دعمها» في ظل إدارات سابقة. وواجهت الجماعة التصنيف المحتمل لها بصدور 3 بيانات من عناصرها المنقسمين بالخارج. فقد قالت الجماعة، في بيان حمل اسم محمود حسين، القائم بأعمال المرشد العام للجماعة (أعلى مسؤول بالجماعة في ظل حبس المرشد الحالي محمد بديع بمصر)، إنها ترفض قرار ترمب، مؤكدة أنه «مخالف للواقع ويجافي الحقائق»، مشيرة إلى أنها «منفتحة على كل نقاش جاد على المستويات العربية والغربية كافة لإيضاح منهجنا».

سبق هذا البيانَ بيانٌ لجبهة ثانية في لندن تزعم التحدث باسم الجماعة ويرأسها القيادي الإخواني صلاح عبد الحق. وجاء في بيانها: «نرفض بشكل قاطع أمر ترمب الصادر في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) بشأن الجماعة». وزعم البيان أن التنظيم لا يعمل من خلال فروع، بل بكيانات منفصلة تتخذ قراراتها الخاصة وتتصرف وفقاً للقانون في البلدان التي توجد فيها، وعدّ التصنيف «يُقوّض الأمن القومي الأميركي والاستقرار الإقليمي». وأكد أن «الجماعة ستستخدم كل السبل القانونية المتاحة للطعن على هذه الإجراءات، وأنها تظل مستعدة للتعاون بحُسن نية في هذا الصدد مع الإدارة الأميركية».

في المقابل، قالت الجبهة الثالثة للتنظيم المصري بالخارج والمعروفة باسم «تيار التغيير»، إن «القرار لا يستهدف جماعة بعينها فحسب، بل يستهدف كل صوت حر، أو مقاوم للاحتلال»، مؤكدة أن «الإدارة الأميركية هي العدو الأول لحرية المنطقة». وبرأي فاروق، فإن تلك البيانات المتباينة «تؤكد أننا أمام تنظيم متراجع» وأن الضربة التي ستأتي من واشنطن (التصنيف الإرهابي) «ستكون حاسمة في مواجهة أي نشاط له». أما عبد المنعم فيرى أنه ليس أمام الجماعة سوى النشاط في المسار القانوني عبر محامين دوليين، وفتح قنوات تواصل مع أعضاء بالكونغرس، مع تحركات إعلامية مكثفة عبر منابرها، بالإضافة إلى السعي لـ«ترسيخ المظلومية الكاذبة لدى قواعدها الداخلية». وأوضح عبد المنعم أن الأفرع الثلاثة لـ«الإخوان» خاملة العمل، لكنها ستعمل على ترتيبات لمواجهة التصنيف المحتمل، مشيراً إلى أن القرار الأميركي لن يؤثر على الجماعة الأم في مصر، لكن آثاره ستلاحق المصريين المنتشرين بالخارج، لا سيما في أوروبا.

ولم تصدر السلطات المصرية بياناً بشأن تحركات ترمب، لكن الجريدة الرسمية في مصر نشرت، الثلاثاء الماضي، قرار محكمة جنايات القاهرة في 18 نوفمبر بمد إدراج جماعة «الإخوان» ومؤسسة «ميدان» الموالية لها و108 متهمين بالانتماء للجماعة على قوائم الكيانات الإرهابية لمدة 5 سنوات.

وأشار المحلل فاروق إلى أن نفوذ واشنطن أكبر من أي دولة، وبالتالي حتى لو هناك قرار بحظر للإخوان في مصر، فهذا سيعزز ضربات السلطات المصرية للتنظيم بصورة أكبر، فضلاً عن ملاحقة وتجفيف المنابع التابعة لها في الخارج، وسيمتد ذلك ليشمل فرع الجماعة المحظورة في الأردن، وفرعها أيضاً في لبنان. وتوقع عبد المنعم، من جهته، أن السلطات المصرية ستواصل رفضها للتصالح أو التسويات مع الجماعة، وفي المقابل ليس أمام التنظيم الدولي سوى تقديم تنازلات في مواجهة الحصارَين المالي والتنظيمي، داخلياً وخارجياً.

عمّان: محمد خير الرواشدة

إسرائيل من جيش الشعب إلى جيش الرب
  • قال الكاتب اليساري جدعون ليفي إن الجيش الإسرائيلي تحول من “جيش الشعب” إلى “جيش الرب” مُسلطاً الضوء على المخاطر الكامنة في حملة “من أجل يهودا” الجديدة التي تديرها كتيبة يهودا.
  • وأضاف أن هذا التحول يحدث في الوقت الذي تنشغل فيه الأوساط الليبرالية بقضية تجنيد اليهود الأرثوذكس المتطرفين (الحريديم) بينما يرسّخ الجيش توجهاً أكثر خطورة يتمثل في إحاطة نشاطه العسكري بغلاف عقائدي توراتي.
  • وفي مقاله بصحيفة هآرتس يحمل عنوان “عندما يصبح الجيش واعظاً: مخاطر حملة “من أجل يهودا” الإسرائيلية، كتب يقول إنه في الوقت الذي يقاتل فيه المعسكر الليبرالي “حتى آخر قطرة دم” في معركة تجنيد اليهود الحريديم، يغلق الجيش إذاعته وينشئ وكالة سفر دينية باسم “جولات الجيش الإسرائيلي” تقدّم مجموعة من الزيارات إلى “الرب وأرض الميعاد”.
  • غياب أي ذكر للفلسطينيين في الحملات الدعائية للجيش يعكس رؤية خطيرة تتعامل معهم على أنهم “غير موجودين” الأمر الذي يسهّل استمرار القمع والعنف بحقهم.
  • ويوضح المقال أن الوكالة تجمع الجنود والمدنيين في رحلات ميدانية داخل الضفة الغربية المحتلّة، وتقدَّم خلالها روايات أسطورية لتفسير سبب وجود الجيش هناك، متجاهلة تماما الفلسطينيين وسكان الأرض الأصليين.
  • ويرى الكاتب أن هذه الجولات تغسل أدمغة الجنود وتُقوّي قناعات مسيانية يهودية، تجعلهم أكثر استعدادا لممارسة العنف ضد الفلسطينيين، سواء على الحواجز أو خلال عمليات الاعتقال والمداهمة.
  • ويشير ليفي إلى أن جنرالات بالجيش -مثل العقيد شاحر بركاي قائد لواء يهودا، والعقيد أريئيل غونين قائد لواء السامرة- يُلقون خطبا دينية حول “لماذا نحن هنا؟” وكأنهم رجال دين وليس كونهم قادة عسكريين، بينما يتحدث الضباط الصغار عن “تعزيز القدرات على تنفيذ المهام” بعد تلقي هذه الجرعات الأيديولوجية.
  • ومن وجهة نظره فإن الرسالة الأساسية للحملة أن وجود شخصيات توراتية في مناطق معينة قبل آلاف السنين يبرر وجود الجيش الحالي، وأن هذه السرديات تُستخدم لتبرير القتل والعنف والاحتلال.
  • ويحذر المقال من أن غياب أي ذكر للفلسطينيين بهذه الحملة يعكس رؤية خطيرة تتعامل معهم على أنهم “غير موجودين” الأمر الذي يسهّل استمرار القمع والعنف بحقهم.
  • ومع أن الجمهور الأوسع ربما لا يقبل هذا الطرح، إلا أن “جيشاً للشعب تحوّل إلى جيش الرب لا يهتم بالأغلبية أو الأقلية، ولا بالحقيقة أو الخيال” على حد تعبير الكاتب.
  • ويخلص ليفي إلى أن الحقيقة وراء الوجود العسكري ليست دينية ولا تاريخية، بل هي الاحتلال بالقوة والطمع بالأرض والرغبة في الانتقام، وكل ما عدا ذلك محض دعاية تغسل أدمغة الأجيال الشابة داخل الجيش.

جدعون ليفي

لماذا يعتنق البريطانيون الإسلام؟ دراسة تكشف مفاجآت غير متوقعة

كشف تقرير بريطاني جديد عن ارتفاع ملحوظ في عدد المواطنين الذين يعتنقون الإسلام، مدفوعين بتصاعد الحروب والصراعات العالمية، ولا سيما الحرب بين إسرائيل وغزة.

وبحسب ما نشرته صحيفة التلغراف، فإن باحثين في معهد تأثير الإيمان على الحياة (IIFL) وجدوا أن الصراع العالمي هو الدافع الأكثر شيوعًا لاعتناق الإسلام بين البريطانيين.ووفقًا لنتائج الاستطلاع الذي شمل 2,774 شخصًا غيّروا معتقداتهم الدينية خلال الفترة الماضية، فإن 20٪ ممن تحولوا إلى الإسلام قالوا إن الصراعات الدولية كانت العامل الأبرز وراء قرارهم، بينما أشار 18٪ إلى تأثير مشكلات الصحة النفسية. وأوضح التقرير أن معظم المتحولين، ولا سيما الشباب، يشعرون بأن العالم أصبح “أكثر ظلمًا” ويبدون شكًا متزايدًا تجاه وسائل الإعلام، ما يدفعهم نحو الإسلام باعتباره — بحسب تعبيرهم — دينًا يقوم على الأخلاق والعدالة.

وأظهرت البيانات أن المسيحية سجلت أعلى نسبة تراجع، إذ تخلّى عنها 44٪ من المشاركين في الاستطلاع، بينما كان الحزن والفقدان (31٪) والصحة النفسية (23٪) من بين أبرز الدوافع وراء التحول إليها. كما أن من اعتنقوا ديانات شرقية مثل الهندوسية والبوذية والسيخية، أشاروا إلى أن الأسباب الرئيسية كانت الصحة النفسية والصراعات.

ويأتي التقرير في وقت تشهد فيه الكنيسة الأنغليكانية صعوبة متزايدة في جذب الشباب، مع استمرار انخفاض عدد المسيحيين إلى أقل من نصف سكان إنجلترا وويلز وفق إحصاءات 2021. كما كشف المعهد عن تزايد كبير في نسبة الذين يبتعدون عن الدين المؤسسي ويتجهون نحو الإلحاد، الذي بات يشكل 39٪ من العينة.

وخلص التقرير إلى أن بريطانيا تمر بمرحلة “إعادة تشكيل دينية”، تتراجع فيها الأديان التقليدية لصالح توجهات فردية أكثر ارتباطًا بالصحة النفسية والشعور بالعدالة الاجتماعية.

هل تسمح أميركا للصين بالتفوق عليها اقتصاديا؟

تسود المشهد العالمي حالة من الترقب عما سيفضي إليه الصراع الاقتصادي الأميركي مع الصين، إذ تحتل الأخيرة المرتبة الثانية عالميًا بعد الولايات المتحدة من حيث قيمة الناتج المحلي الإجمالي، ويرى البعض أنها مسألة وقت لتتجاوز الصين أميركا اقتصاديًا لا سيما مع المشكلات الداخلية لأكبر اقتصاد بالعالم حاليا.

وقد أعطى قيادة الصين لتجمع بريكس، وبروز دور هذا التجمع خلال السنوات الماضية، الأمل لدى البعض بأن ثمة قوة اقتصادية من شأنها أن تنافس أميركا، بل يذهب البعض إلى أن معادلة القوى الاقتصادية الحالية في طريقها للزوال، ليحل نظام اقتصادي عالمي متعدد الأقطاب، كبديل للنظام الحالي الذي تسيطر عليه أميركا منفردة.

وشهدت السنوات القليلة الماضية حالة من الصراع المكشوف بين أميركا والصين بالمجال الاقتصادي في أمرين هما التبادل التجاري، وقطاع التكنولوجيا.

ومن الضروري أن نقف على بعض المؤشرات الاقتصادية المنشورة التي تظهر أيا من الطرفين يميل ميزان القوة الاقتصادية لصالحه، لتكون الرؤية بعيدة عن العاطفة.قيمة الناتج المحلي

تظهر أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي عدة أمور منها:

  • تقلص الفجوة بين الناتج المحلي الصيني ونظيره الأميركي عام 2021 إلى 5.4 تريليونات دولار.
  • بداية من عام 2022 وحتى 2024، زادت الفجوة بشكل ملحوظ إلى 7.6 تريليونات دولار ثم 9.4 تريليونات، ثم 10.4 تريليونات مما يشير إلى تفوق للاقتصاد الأميركي على الصيني في هذه السنوات، وأن هذا التقدم يأتي بناء على مقومات اقتصادية أفضل، مكنت أميركا من تصدر اقتصادات العالم.
  • في الوقت الذي ارتفع فيه الناتج الأميركي من 23.6 تريليون دولار عام 2021 إلى 29.1 تريليونا عام 2024، نجد أن الناتج الصيني ظل حبيس نطاق بين 18.2 تريليون دولار و18.7 تريليونا.

وإذا كانت الصين متأثرة بالتداعيات السلبية لأزمة كورونا منذ عام 2020، وأزمة الديون الداخلية، وتعثر في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة. فإن أميركا عانت هي الأخرى من أزمات التضخم وارتفاع البطالة وتراجع قيمة الدولار، وتفاقم أزمة الدين العام. ولوحظ أن تباطؤ معدلات النمو العالمي، ومرور الاقتصاد العالمي بالعديد من الأزمات، مثل التضخم وحرب روسيا مع أوكرانيا وصراعات الشرق الأوسط وغيرها، كان لها تأثير واضح على اقتصاد كل من أميركا والصين، وباقي دول العالم.

السباق التكنولوجي

التكنولوجيا إحدى أهم أدوات الصراع بين أميركا والصين، ويترجم هذا في مجالات كثيرة على رأسها السلاح والأدوية ووسائل الاتصال والمواصلات.

وما هو متعارف عليه في قياس هذا السباق والاهتمام به: مؤشر الإنفاق على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي.

وباستعراض الأرقام الخاصة لهذا المؤشر خلال آخر 5 سنوات، أتيحت عنها بيانات 2018-2022، اتضح الآتي:

  • من حيث النظر للإنفاق على البحث والتطوير في كل من أميركا والصين، نجد تقدما أميركيا على الصين في هذا المجال، سواء من حيث نسبة الإنفاق للناتج المحلي، أو قيمة الإنفاق بالمليار دولار.
  • من حيث قيمة الإنفاق، نجد أن أميركا على مدار الفترة من 2018-2022، تنفق ضعف ما تنفقه الصين على البحوث والتطوير، ومن هنا نجد الفجوة التكنولوجية لصالح أميركا، وهو ما ظهر في الاتفاق الأخير بين البلدين بشأن تسوية الرسوم الجمركية، حيث قبلت الصين رفع الرسوم الجمركية على صادراتها لأميركا بنحو 30%، مما كانت عليه قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض، مقابل أن ترفع أميركا القيود المفروضة على صادرات التكنولوجيا المتقدمة.
  • نسبة الإنفاق على البحث والتطوير من الناتج المحلي في أميركا أفضل منها في الصين، ففي عام 2018 كانت النسبة في أميركا 2.99% نسبة إلى الناتج المحلي، بينما في الصين كانت النسبة 2.14%، وظل الفرق على مدار الفترة في صالح أميركا. ففي عام 2022 كانت النسبة بأميركا 3.59% وفي الصين 2.5%، مع ملاحظة الزيادة في قيمة الناتج المحلي لأميركا مقارنة بالصين.

وقد تكون القيم الخاصة بالإنفاق على البحث والتطوير مرتفعة في أميركا بسبب ارتفاع مستوى المعيشة والدخول بشكل عام، ولكن علينا أن نأخذ في الاعتبار أن أميركا ما زالت تمسك بزمام التكنولوجيا في مجال السلاح والدواء ووسائل الاتصال والمواصلات، وهو ما ظهر بشكل واضح على مدار السنوات الماضية، في أزمة شركة هواوي الصينية، وكذلك التهديد الأميركي الذي أعلنته بإمكانية منع دراسة الطلاب الصينيين بالجامعات الأميركية.

وتجتهد الصين في سد الفجوة التكنولوجية، وتحاول أن تجعل ميزة الولايات المتحدة عليها نسبية وليست تنافسية، إلا أن الأخيرة -بسبب انفتاحها الكبير على جميع دول العالم لاستقطاب الكفاءات العلمية والعقول المتميزة منذ سنوات- ميزتها وقوت موقفها، مقارنة بالصين التي بدأت متأخرة جدًا في فتح المجال لاستقدام الأجانب في منح دراسية.

نصيب الفرد من الدخل القومي

استخدام هذا المؤشر يتطلب أن نأخذ في الاعتبار أن عدد السكان مختلف تمامًا بين البلدين، فالصين يصل عدد سكانها إلى 1.4 مليار نسمة، مقابل عدد سكان لأميركا البالغ 340 مليون نسمة، أي أن عدد سكان الصين أكثر من 3 أضعاف سكان أميركا، ومع ذلك فالأخيرة بشكل عام دخلها القومي يفوق الدخل القومي للصين.

ولو افترضنا أن عدد السكان متساو في كل من أميركا والصين، فإن نصيب الفرد في أميركا سيكون أفضل من الصين بسبب زيادة الدخل القومي في أميركا مقارنة بالصين.

وقد يتبادر إلى الذهن، سبب استخدام هذا المؤشر، والحقيقة أن المقارنة هنا عادلة، لكون الدولتين تعتمدان في تحقيق الدخل القومي على الإنتاج والتكنولوجيا، وليس على مصادر ريعية، ومن هنا فالمقارنة لها اعتباراتها ودلالاتها العلمية.

وثمة فارق كبير بين متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي في كل من أميركا والصين، ويصل الفارق لصالح أميركا بنحو 6 أضعاف، مع مراعاة أن الصين لم تبلغ المتوسط العالمي -وفق هذا المؤشر- إلا عام 2022.وختامًا، فإن المال والسلطة مجال للتنافس بين الدول على مر العصور، ولا يتصور أن تقبل أميركا بتقدم الصين اقتصاديًا أو أن يكون لها سلطان سياسي وعسكري ينافسها، ولعل المتابع لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يلاحظ هذا بشكل واضح.

فكلتا الدولتين تسعيان لتحقيق المزيد من التقدم، وتصدر المشهد العالمي بمقومات اقتصادية وسياسية وعسكرية، وأميركا سوف تسعى خلال الفترة القادمة للحفاظ على تقدمها من جانب، وعرقلة التقدم الصيني، وكذلك سيكون هدف بكين.

المصدر: الجزيرة

التوازن الاستراتيجي: موقع الصين في ضوء المعادلة الأميركية-السعودية المستجدة

شهد المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط تحولاً مفصلياً في أواخر عام 2025. ففي أعقاب الاجتماعات رفيعة المستوى الأخيرة بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والقيادة الأميركية في واشنطن، أعادت الولايات المتحدة التأكيد على التزاماتها الأمنية تجاه المملكة. وفي حين يميل المحللون الغربيون غالباً إلى تأطير هذا التحالف المتجدد كخطوة تهدف إلى احتواء بكين، فإن القراءة المتأنية والعميقة للأحداث تكشف واقعاً مغايراً؛ إذ لا تشير تطورات العلاقات الأميركية–السعودية إلى خروج الصين من المشهد، بل تسلط الضوء على بيئة دولية معقدة ومتعددة الأقطاب، يظل فيها النفوذ الصيني بنيوياً واقتصادياً وراسخاً بعمق.

أسطورة “المعادلة الصفرية” في الجغرافيا السياسية

تسود سردية نمطية مفادها أنه لكي تكسب واشنطن، يجب أن تخسر بكين. بيد أن الديناميكيات الحالية في الرياض تدحض هذا المنظور “الصفري”. فقد انتهجت المملكة العربية السعودية بفعالية سياسة “السعودية أولاً”، وهي استراتيجية ترتكز على تنويع الشراكات بدلاً من الانحياز لمحور دون آخر.

بالنسبة للصين، يحمل هذا التوجه ميزة واضحة؛ فالسعودية لم تعد دولة تدور في فلك التوجيهات الغربية حصراً، بل باتت قوة وسطى تتمتع باستقلالية القرار. إن قرار الرياض بتحديث علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة هو خطوة براغماتية لتأمين حدودها. ومن المفارقات أن هذا الاستقرار الأمني يصب في مصلحة بكين. فبصفتها المشتري الأكبر للنفط السعودي، تحتاج الصين إلى استقرار الخليج العربي لضمان التدفق الحر للطاقة. وإذا كان الجيش الأمريكي يوفر المظلة الأمنية التي تحمي ممرات الشحن هذه، فإن بكين بذلك تضمن مصالحها في مجال الطاقة دون أن تتكبد الأعباء المالية والعسكرية الباهظة لشرطَة المنطقة.

المحرّك الاقتصادي الذي لا غنى عنه

بينما تقدم واشنطن الضمانات الأمنية والعتاد العسكري المتطور مثل مقاتلات “إف-35″، فإنها لا تستطيع بسهولة استنساخ الدور الذي تلعبه الصين في التحول الاقتصادي للمملكة. تتطلب “رؤية السعودية 2030” تنمية هائلة في البنية التحتية، والتصنيع الصناعي، والقدرات الإنشائية؛ وهنا تظل الصين الشريك الذي لا يمكن الاستغناء عنه.

واعتباراً من نوفمبر 2025، تواصل الشركات المملوكة للدولة في الصين هيمنتها على قطاعات البناء في “المشاريع العملاقة” السعودية مثل “نيوم”. وتشير البيانات الحديثة إلى أن أكثر من 750 شركة صينية تعمل حالياً داخل المملكة. وفي الوقت الذي تركز فيه الولايات المتحدة على الدفاع وقطاعات تكنولوجية محددة مثل رقائق الذكاء الاصطناعي، تقوم الشركات الصينية ببناء العمود الفقري المادي للاقتصاد السعودي الجديد، بدءاً من السكك الحديدية فائقة السرعة وصولاً إلى مزارع الطاقة الشمسية.

علاوة على ذلك، تعكس أحجام التبادل التجاري حقيقة جلية: الصين لا تزال الشريك التجاري الأول للسعودية. ويخلق هذا التكامل الاقتصادي تكافلاً بنيوياً؛ حيث تصدر السعودية الطاقة لتغذية الصناعة الصينية، وتصدر الصين الآلات والسلع الاستهلاكية التي تستهلكها المملكة. هذا الاندماج المنهجي يخلق مرونة لا يمكن للاتفاقيات الدبلوماسية مع أطراف ثالثة تفكيكها بسهولة.

التكنولوجيا والسيادة الوطنية

شكّلت التكنولوجيا، وتحديداً الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة، محوراً رئيسياً في المحادثات الأميركية–السعودية الأخيرة. وقد سعت الولايات المتحدة إلى الحد من نشر البنية التحتية الرقمية الصينية لصالح البدائل الأميركية. ومع أن هذا يمثل تحدياً، إلا أنه يحفّز الصين على التكيف.

لقد توجهت الصين نحو القطاعات التي تكون فيها القيود الأميركية أقل صرامة، مثل تكنولوجيا الطاقة المتجددة، والمركبات الكهربائية (EVs)، والبنية التحتية المدنية. وعلى سبيل المثال، شهدت الاتفاقيات المبرمة في عام 2025 توسعاً لمصنّعي السيارات الكهربائية الصينيين في إنشاء مرافق إنتاج محلية داخل السعودية.

إضافة إلى ذلك، فإن إصرار السعودية على مبدأ “السيادة التقنية” يعني حذرها من الاعتماد الكلي على مورد واحد. وقد أوصلت الرياض رسالة صريحة لبكين مفادها أن صفقاتها الأمنية مع واشنطن لا تحول دون التعاون التجاري مع الصين، وهو ما بدا واضحاً حين طمأن المسؤولون السعوديون نظراءهم الصينيين قبيل قمة واشنطن بأن العلاقات التجارية ستظل قوية ومتينة.

واقع أسواق الطاقة

لا يزال النقاش حول “البترويوان” — تسعير النفط بالعملة الصينية — ورقة استراتيجية طويلة الأمد لبكين. ورغم أن الاتفاق الأمني الأمريكي يعزز مكانة الدولار على المدى القصير، فإن التحول الهيكلي في الطلب العالمي على النفط يميل لصالح الصين.

تعد الولايات المتحدة مصدراً صافياً للطاقة ومنافساً للمملكة العربية السعودية في أسواق النفط العالمية. في المقابل، تعتبر الصين زبوناً استراتيجياً طويل الأمد ومضموناً. وتفرض حقيقة السوق الأساسية هذه على الرياض ضرورة إيلاء الأولوية لعلاقتها مع بكين لتأمين عوائدها المستقبلية. وتواصل الدولتان استكشاف اتفاقيات تبادل العملات والتسويات المالية عبر الحدود التي تقلل من عوائق التجارة، مما يضمن استمرار تعميق الترابط المالي بغض النظر عن المعاهدات الدفاعية.

إن إعادة تموضع العلاقات الأميركية–السعودية في عام 2025 لا تمثل هزيمة للدبلوماسية الصينية، بل هي تكريس للنظام العالمي متعدد الأقطاب الذي دعت إليه الصين. وإن حقيقة اضطرار واشنطن الآن لتقديم ضمانات أمنية ملزمة ونقل التكنولوجيا المتقدمة للحفاظ على نفوذها، هي بحد ذاتها دليل على الضغط التنافسي الذي تفرضه بكين بمجرد صعودها.

بالنسبة للصين، يمثل الوضع توازناً مستقراً. تتحمل الولايات المتحدة تكلفة الأمن الإقليمي، بينما تجني الصين ثمار التكامل الاقتصادي والوصول إلى الطاقة. وبعيداً عن كونها قد أُقصيت، تظل الصين ركيزة أساسية لمستقبل الشرق الأوسط، وتعمل في مسار موازٍ للنفوذ لا يمكن للقوة العسكرية الأميركية إزاحته.

الكاتب: ألطاف موتي

الضغوط الاميركية لحل الازمة الأوكرانية

يبدو أن الأزمة الأوكرانية ستتخذ مسارًا مختلفًا مع طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطة تمثل خارطة طريق، حدد فيها مهلة لقبول أوكرانيا بها في 27 نوفمبر/تشرين الثاني، وهو ما يشكل ضغطًا إضافيًا على كييف للقبول، فضلًا عن الضغط على المواقف الأوروبية للمضي قدمًا بوجهة النظر الأميركية. وهي تشكّل في الواقع وجهًا لضيق الخيارات المتاحة لأزمة باتت تهدد الأمن والسلم الدوليين.

تنطلق الخطة الأميركية من اتفاق شامل لعدم الصدام بين روسيا وأوكرانيا والمجموعة الأوروبية، على أن تنهي النزاع الممتد لثلاثة عقود خلت، والذي خلّف منذ العام 2014 خسائر بشرية ومادية ضخمة تفوق عمليًا قيمة القضايا المتنازع عليها. وتضم مسودة الخطة 28 بندًا تشكّل قاعدة لاتفاق سلام يوازن بين النفوذ الروسي والضمانات الغربية، إضافة إلى محاولة تقييد الخيارات العسكرية والسياسية أمام طرفي النزاع.

وتنص بنود الخطة المتصلة بمنطقتي خيرسون وزاباروجيا على تجميد الخطوط القائمة حاليًا كما هي، بحيث تحتفظ موسكو بحوالي 75 في المئة من المنطقتين، مع إمكانية إعادة بعض الأراضي شرط التوصل إلى تفاهمات سياسية ضمن المفاوضات المقترحة لاحقًا. كما تكرّس الاعتراف بسيطرة موسكو على شبه جزيرة القرم باعتبارها واقعًا ثابتًا، مقابل ضمان حرية استخدام أوكرانيا لنهر دنيبر في النقل التجاري، وتسهيل مرور الحبوب عبر البحر الأسود دون عوائق. وتشير الخطة أيضًا إلى تشغيل محطة زاباروجيا النووية بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع تقاسم إنتاجها الكهربائي بين روسيا وأوكرانيا، باعتبار ذلك محاولة لخفض التوتر حول أكبر منشأة نووية في أوروبا.

كما تشير الخطة إلى تحديد سقف للجيش الأوكراني بحيث لا يتجاوز 600 ألف جندي، في محاولة لضبط موازين القوى العسكرية بين الطرفين وتقليص فرص العودة إلى سباق تسلح جديد في المنطقة. وامتدت الخطة إلى سياقات تتصل بالنظام السياسي الأوكراني، وكضمانة للجانب الروسي هناك مقترح لإدراج بند دستوري يمنع انضمام أوكرانيا إلى حلف الأطلسي، إضافة إلى إدراج نص في النظام الأساسي للحلف بعدم إدخال أوكرانيا إليه، على أن لا تؤثر هذه الإجراءات على دخولها للاتحاد الأوروبي. وفيما يخص الضمانات الأميركية لأوكرانيا، تمنح الولايات المتحدة تعهدًا أمنيًا لكييف مشروطًا بعدم قيامها بمهاجمة روسيا، وبالتالي فهو ضمان دفاعي يسقط تلقائيًا عند خرق أوكرانيا للاتفاق. وفي مقابل ذلك تتعهد الولايات المتحدة وأوروبا بالمواجهة العسكرية في حال خرقت روسيا الاتفاق وشنّت هجومًا جديدًا على أوكرانيا، ما يجعل الخطة قائمة على موازنة بين الردع والتحفيز على احترام بنودها. كما تشير الخطة إلى مطالبة موسكو بإقرار نص قانوني داخلي يمنع الاعتداء على أوكرانيا وأوروبا، في محاولة أميركية لإظهار الالتزام القانوني بالموقف السياسي من الخطة وتطبيقاتها العملية.

أما لجهة المواقف المعلنة من الخطة، فيبدو الموقف الأوكراني حذرًا في ضوء المكاسب الميدانية لروسيا، مقابل تريث موسكو في التعامل مع الخطة بمجملها، فيما تتجه المواقف الأوروبية نحو دعم التقارب المحتمل وصولًا إلى حلول مقبولة للأطراف المنخرطة في النزاع.

في الواقع، إن تشريح الخطة وإطلاقها في هذه الظروف يظهران دفعًا أميركيًا واضحًا باتجاه فرض حل بفترة مضغوطة لا تتجاوز أسبوعًا واحدًا من تاريخ إعلانها إلى موعد قبولها من الجانب الأوكراني، وهو ما يشكّل بيئة ضاغطة لا مفر لكييف من التعامل معها ولو مرغمة. وهي امتداد لمحاولات أميركية سابقة لم تستجب لها كييف. وبصرف النظر عن رفض أو قبول الخطة، فليس ثمة خيارات متاحة إلا تصعيد المواجهات العسكرية في وقت تستعد واشنطن لمزيد من الضغوط إلى جانب بعض الدول الغربية على كييف. وفي المقابل يبدو الموقف الروسي حذرًا، رهنًا برد الفعل الأوكراني وتجاوبه مع الطروحات، مع الإشارة إلى أن الخطة تلامس معظم ما تطالب به موسكو ميدانيًا وقانونيًا، عبر الإشارات التي تقيد الموقف الأوروبي بشأن عدم إدخال أوكرانيا إلى حلف الأطلسي.

في المحصلة، وبصرف النظر عن المآلات النهائية للخطة الأميركية، ثمة ضرورة قصوى لإحاطة الأزمة الأوكرانية بتفاهمات وخطط حلول، ولا سيما أن تداعيات الأزمة امتدت لترسم معالم حرب عالمية ثالثة، نظرًا لارتباطاتها مع مصالح دول إقليمية وعالمية كبرى تتشابك مصالحها بحيث لا يستطيع أي طرف التخلّي عنها بسهولة؛ بخاصة أن جميع الأطراف المباشرة وغير المباشرة المنخرطة في الصراع قد دفعت أثمانًا كبيرة، ومن الصعب خروجها دون مكاسب ولو كانت في حدّ الترضية.

وعلى قاعدة أن الرابح في أي معركة هو خاسر أيضًا نتيجة ما استهلكته الحرب من أثمان مادية وبشرية، تبقى أوكرانيا تحديدًا الخاسر الأكبر في معركة يصعب أن ينتصر فيها أحد، سيما أن قواعدها قامت على تطلعات استراتيجية يصعب التراجع عنها. فروسيا تعتبر أن أمنها القومي مهدد عبر أوكرانيا، مقابل احتلال مناطق حيوية من أراضي الأخيرة وضمّ روسيا لبعضها، ما شكّل وضعًا معقدًا يصعب على كييف التراجع عنه في ظل انعدام الخيارات المقبولة والقابلة للحياة.

د. خليل حسين

لماذا يقرأ نتنياهو كتاب “اليهود ضد روما”؟

غالبا ما تؤدي دراسة العصور القديمة إلى رؤى عميقة في الجغرافيا السياسية المعاصرة، وهي الظاهرة التي أكد عليها الاهتمام الذي حظيت به أعمال المؤرخ العسكري باري شتراوس، وخاصة كتابه “اليهود ضد روما: قرنان من التمرد ضد أقوى إمبراطورية في العالم”، الذي نُشر في أغسطس/آب 2025.

صدر الكتاب في حقبة اتسمت بالصراع الشديد في الشرق الأوسط، وهو يقدم سردا تاريخيا مفصلا لنضال الشعب اليهودي المطول ضد الإمبراطورية الرومانية بين عامي 63 قبل الميلاد و136 ميلاديا، ويغطي ثلاث انتفاضات رئيسية: الثورة الكبرى، وثورة الشتات، وثورة بار كوخبا الكارثية.

الرنين المعاصر لعمل شتراوس، الذي يقدم “سردا آسرا يربط الماضي بالحاضر”، يبرز بشكل خاص من خلال الاعتراف بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يقرأ الكتاب، وكان دافعه المُعلن إستراتيجيا للغاية: “لقد خسرنا تلك المباراة، وأعتقد أن علينا أن نفوز في المباراة التالية”.

يُحوّل هذا البيان قراءة التاريخ القديم إلى فعل تشاور إستراتيجي فوري، مما يجعل الكتاب بمثابة “دليل في الوقت المناسب لليوم”. وتعكس هذه التطورات الدروس الإستراتيجية العميقة التي يدركها القادة الحاليون في سرديات المرونة والانقسام وإدارة المنافسين الإمبرياليين الإقليميين.

بصفته زميلا بارزا في مؤسسة هوفر في جامعة ستانفورد العريقة، وباحثا مخضرما في التاريخ اليوناني والروماني القديم، وشغل منصب أستاذ زائر متميز في قسم تحليل الدفاع بكلية الدراسات العليا البحرية الأميركية، وله تأثير على صناع القرار، فقد صاغ شتراوس روايته بوعي لرسم أوجه التشابه بين الصراعات القديمة والنضالات الحديثة، مشيرا إلى أن “الماضي هو صورة طبق الأصل من الصراعات الحالية”.

وبالنسبة للقيادة الإسرائيلية المعاصرة التي تواجه اليوم تحديات أمنية وجودية، فإن الكتاب بمثابة مختبر تاريخي لاختبار الفرضيات المتعلقة بالبقاء الوطني، وعواقب الاحتكاك الداخلي، وحساب المخاطر في مواجهة القوة الساحقة.

من هنا تأتي أهمية تحليل الدروس الإستراتيجية المحددة المستمدة من رواية شتراوس الشاملة ومزاعمه حول التمردات اليهودية التي تتردد أصداؤها بقوة مع الوضع الجيوسياسي الحالي لإسرائيل، ويشرح القيمة الإستراتيجية لهذا النص التاريخي لقيادتها.

رغبة نتنياهو المُعلنة في الاستمرار في منصبه، تتعامل بشكل مباشر مع الموضوع الرئيسي للكتاب، وهو المرونة اليهودية، والتي حددها شتراوس باعتبارها واحدة من أعظم حالات البقاء على قيد الحياة في التاريخ

السياق الجيوسياسي: إعادة تقييم التنافس الإيراني

أحد الدوافع الفكرية الأساسية لشتراوس في تأليف كتابه، والذي بدأ حوالي عام 2020، كان العداء الحديث المذهل بين إسرائيل والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

يتناقض هذا العداء الحديث بشكل صارخ مع الديناميكية التاريخية التي يستكشفها الكتاب، والتي تكشف عن علاقة معقدة ومفيدة في كثير من الأحيان بين الدولة اليهودية القديمة، والإمبراطوريات الإيرانية، وخاصة الإمبراطورية البارثية.

امتدت الإمبراطورية البارثية، التي استمرت من حوالي عام 247 قبل الميلاد إلى عام 224 ميلاديا، من نهر الفرات إلى جبال الهيمالايا، وسيطرت على طريق الحرير.

بالنسبة للشعب اليهودي، الواقع على حافة الإمبراطورية الرومانية، كانت بارثيا بمثابة موازنة جيوسياسية ثابتة: إمبراطورية شرقية متمركزة ضد القوة الغربية لروما. هذا الموقع الإستراتيجي، الذي يقع بين عملاقين، يعني أن يهودا كانت تتفاوض بين حلفاء وأعداء متغيرين باستمرار.

يسلط شتراوس الضوء على الإمبراطوريات الإيرانية القديمة – كورش الكبير الذي سمح لليهود بالعودة من المنفى البابلي، والبارثيين – باعتبارها إمبراطوريات صديقة لليهود تاريخيا.

خلال قرنين من الثورة، وفرت الجالية اليهودية الكبيرة في الإمبراطورية البارثية ملاذا ومصدرا ثابتا ودائما للأمل في الحصول على المساعدة ضد روما.

إن هذا الأمل في التدخل يشبه إلى حد كبير المساعدة الحاسمة التي قدمتها فرنسا في الثورة الأميركية عام 1765، وهو تشبيه يطرحه شتراوس صراحة. كان هذا الأمر محوريا في الحسابات الإستراتيجية للمتمردين، على الرغم من أن اليهود لم ينجحوا في النهاية في إقناع بارثيا بالتدخل بالقوة.

يدعي شتراوس بشكل مقنع أن العداء المميت الحالي الذي تظهره الجمهورية الإسلامية الإيرانية تجاه إسرائيل هو “انحراف” عن العلاقة التاريخية النموذجية بين الإيرانيين واليهود، والتي تضمنت عموما علاقات جيدة نسبيا على مدى آلاف السنين.

بالنسبة لزعيم حديث يحلل تعقيدات توازن القوى الإقليمي، يشير هذا السياق التاريخي إلى أن السياسة الإيرانية الحالية ليست حتمية متجذرة في عداوة تاريخية عميقة، بل هي موقف سياسي يمكن، من الناحية النظرية، أن يكون عرضة للتغيير. وبالتالي، فإن التحليل التاريخي يوجه التفكير الإستراتيجي بشأن التحالفات الإقليمية طويلة الأمد، مقابل الصراع الفوري الذي تحركه الأيديولوجيات.

الضرورة الدائمة للمرونة

رغبة نتنياهو المُعلنة في الاستمرار في منصبه، تتعامل بشكل مباشر مع الموضوع الرئيسي للكتاب، وهو المرونة اليهودية، والتي حددها شتراوس باعتبارها واحدة من أعظم حالات البقاء على قيد الحياة في التاريخ. الكتاب بمثابة زعم في شكل “شهادة” على “القوة الروحية الدائمة” للشعب اليهودي، ويشرح بقاءهم.

على حد قول المؤلف، فإن الطبيعة المستمرة للصراع مذهلة: كان اليهود “المتمردين الأكثر تصميما” على روما، حيث صمدوا لفترة أطول من الغال، أو الألمان، أو البريطانيين، أو حتى القرطاجيين. هذا الإصرار، الذي تغذيه العزيمة الوطنية والمرونة، يتجلى جسديا وروحيا في:

1- المقاومة الجسدية رغم الكارثة: انخرط اليهود في ثلاث ثورات كبرى خلال قرنين من الزمان، على الرغم من خسارتهم الكارثية للثورة الكبرى بتدمير القدس والمعبد في عام 70 ميلاديا.

تجلى هذا الصمود في تطوير تكتيكات عسكرية متطورة. على سبيل المثال، في ثورة بار كوخبا (132-136 ميلاديا)، استخدم المتمردون تكتيكات حرب العصابات، فبنوا ملاجئ تحت الأرض وأنفاقا وكهوفا لشن هجمات مباغتة على الفيالق الرومانية، مما فاجأهم تماما.

أجبر هذا الابتكار التكتيكي والمثابرة روما على نشر موارد هائلة، بما في ذلك نقل حاكم بريطانيا، يوليوس سيفيروس، إلى يهودا – وهو مقياس واضح للتهديد.

2- البقاء الروحي: حتى عندما يتم سحقك جسديا، فإن الروح لم تنكسر. فبعد تدمير الهيكل، قام القادة اليهود – الحكماء والعلماء الذين أصبحوا الحاخامات – بهندسة مقاومة روحية قائمة على التوراة، وتأسيس خدمات وممارسات دينية يومية استمرت في الدين دون الهيكل.

حافظت هذه الإستراتيجية الناجحة طويلة الأمد للمقاومة الروحية على الهوية الوطنية، وأثبتت في النهاية أنها “أقوى من روما”.

الدرس المعاصر الرئيسي هنا، والذي استخلصه شتراوس صراحة، هو أن أعداء إسرائيل المعاصرين (مثل حماس وإيران) ربما ارتكبوا “خطأ فادحا في الحسابات” من خلال التقليل من شأن هذه القوة والتصميم التاريخيين، ولكن أليست هذه القوة الروحية هي التي ضمنت استمرار حماس والمقاومة لأكثر من عامين أيضا؟

كدليل إستراتيجي، يُعزز كتاب اليهود ضد روما نبع الخبرة التاريخية الغني، والموارد الدينية المتاحة للشعب الإسرائيلي، مؤكدا أن “إسرائيل لن تزول”.

التحذير من الشقاق الداخلي

ولعل الدرس الإستراتيجي الأكثر قوة وإلحاحا للقيادة الحالية للكيان الصهيوني، وخاصة في سياق الصراعات السياسية الداخلية الأخيرة، يتعلق بالدور المدمر الذي لعبه الانقسام في التمردات القديمة.

كانت الثورات القديمة تعاني باستمرار من الصراعات الداخلية والقتال الفصائلي، والذي يُشار إليه غالبا في التقاليد اليهودية باسم “الكراهية بلا سبب” (سينات هينام).

على سبيل المثال، خلال الثورة الكبرى، فضلت الفصائل المتمردة المختلفة – بمن في ذلك المتعصبون والسيكاريون (رجال الخناجر) – اللجوء إلى العنف ضد مواطنيهم بدلا من التركيز فقط على العدو الروماني.

لقد كانت لهذه الحرب الداخلية عواقب كارثية مباشرة:

1- التخريب الذاتي: قام المتمردون في القدس بتدمير إمدادات الحبوب الخاصة بهم، وحرق مخازن الغذاء الخاصة ببعضهم البعض، وتجويع السكان، مما أدى إلى تقصير الحصار بشكل كبير، وتسهيل انتصار روما.

خلص يوسيفوس، المؤرخ الشهير الذي عاين ذلك، إلى أن “الصراع المدني هو الذي أخضع المدينة، وأن الرومان كانوا يعتبرون الصراع المدني عدوا أقوى بكثير من أسوار المدينة”.

2- تشجيع العدو: يربط شتراوس صراحة هذا الضعف التاريخي بالتحليل المعاصر: “إن الافتقار إلى التماسك في إسرائيل هو أحد الأسباب التي شجعت الجانب الآخر على الهجوم في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول”.

وهكذا، تعمل رواية اليهود ضد روما كتحذير خطير ضد التفتت السياسي والاجتماعي في الأوقات العصيبة. بالنسبة لزعيم يشتبك مع صراع طويل الأمد، فإن السجل التاريخي للتدمير الذاتي يعمل كحجة مقنعة لإعطاء الأولوية للتماسك الوطني فوق النزاعات الفصائلية، خشية أن تتم دعوة العدو للضرب.

حدود القوة الرومانية

لا يُتصوّر أن يقتصر اهتمام نتنياهو على الجانب اليهودي فحسب، بل يتعدّاه إلى فهم إستراتيجية “الإمبراطورية العظمى في العالم”.

يسلط الكتاب الضوء على الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها روما، ويقدّم قصصا تحذيرية لأي دولة قوية تدير شعبا معاديا.

لقد أساءت روما إدارة الصراع في كثير من الأحيان، وفشلت في تحقيق السلام الدائم على الرغم من قوتها العسكرية الساحقة.

الأخطاء الرومانية الرئيسية تشمل:

1- سياسات “الفائز يأخذ كل شيء”: بدلا من الانخراط في تسوية وتوازن القوى، غالبا ما اتبعت روما “سياسة الفائز يأخذ كل شيء”.

كان القادة -مثل الملك هيرودس الكبير، الذي حاول إيجاد توازن بين الهوية اليهودية والمطالب الرومانية- ذوي قيمة إستراتيجية، لكن روما غالبا ما كانت تفتقر إلى “الحنكة السياسية” اللازمة للحفاظ على هذا الاستقرار طويل الأمد.

2- حماقة الإذلال: بعد سحق الثورة الكبرى، فرضت روما ضريبة fiscus Judaicus سيئة السمعة؛ وهي ضريبة مهينة تبلغ دِراخْمتين تُفرض على كل يهودي في الإمبراطورية، بغض النظر عما إذا كانوا قد دعموا الثورة أم لا، وتُدفع إلى خزانة جوبيتر أوبتيموس ماكسيموس، الإله الوثني الرئيسي في روما.

إن هذا العمل من الإذلال اللاهوتي والسياسي، الذي صُمم لإجبار اليهود على الولاء لروما ومحو ذكرى الهيكل، لم يؤدِ إلا إلى تأجيج الاستياء والتمردات المستقبلية، وتعزيز “الروح الثورية المستمرة” للشعب اليهودي.

3- الفشل في التفكير على المدى الطويل: غالبا ما فشل الإداريون الرومانيون في التفكير على المدى الطويل، أو تحقيق التوازن الصحيح في التعامل مع المقاطعات، مما أدى إلى خلق ظروف ضمنت “الثورة التالية”.

اعتبر اليهود قرار هادريان بإعادة بناء القدس كمدينة وثنية، مع المعابد التي تكرّم جوبيتر والإمبراطور، بمثابة إهانة عميقة، وكان بمثابة وقود حارق لثورة بار كوخبا.

الدرس المستفاد للقادة المعاصرين هو أن النصر العسكري والقمع الشديد وحدهما لا يكفيان لضمان السلام. إن إستراتيجيات السيطرة القائمة على الإذلال ومحو الهوية الوطنية قد لا تضمن سوى المقاومة المستقبلية وتتطلب نشرا مستمرا ومكلفا للقوات العسكرية. نشأ فشل روما من عدم إيجاد “المزيج المناسب من الحوافز لمنح الشعب المهزوم ضمانا بعدم تكرار ذلك”.

المحارب في مواجهة الحاخام

يتحدى الكتاب ضمنا القادة المعاصرين للتمييز بين البطولة التكتيكية والجدوى الإستراتيجية. الشخصيات التي أُعجب بها لبراعتها العسكرية – مثل سمعان بن جيورا، وإليعازر بن يائير، وبار كوخبا – قادوا ثورات كانت “إخفاقات مجيدة”. قاد هؤلاء أمتهم في النهاية إلى الكارثة والاستعباد الجماعي والنفي.

يرى شتراوس أنه، وعلى النقيض من ذلك تماما، كانت الإستراتيجية الناجحة طويلة الأمد رائدة من قبل الحكماء، ولا سيما يوهانان بن زكاي (الذي هرب من القدس لتأسيس أكاديمية للتعاليم الدينية)، والحاخام يهوذا الأمير.

لقد أدرك هؤلاء الرجال أن “المقاومة المسلحة ضد الإمبراطورية الرومانية كانت عقيمة”. لقد طوروا منهجية للمقاومة الروحية، مع التركيز على الحفاظ على التوراة والهوية اليهودية، وضمان البقاء كأمة بلا دولة.

تفرض البيانات التاريخية التي تتبعها المؤلف إجراء تقييم إستراتيجي دقيق: فالحاخام يهوذا الأمير، الذي شغل فيما بعد منصب (البطريرك) اليهودي بموافقة الرومان، كان قدوة في التواضع تجاه السلطة الحاكمة، بينما كان يعتقد في داخله أن الحكم الروماني كان مؤقتا ومقدرا له الفشل.

لقد ضمن الحاخامات، الذين أطلق عليهم شتراوس مجازيا اسم “أوديسيوس” لدهائهم وحكمتهم، أنه على الرغم من الحفاظ على الروح اليهودية، إلا أن الروح العسكرية قد تم إخمادها إلى حد كبير لعدة قرون.

إن هذه الجدلية التاريخية تطرح على القيادة الحديثة سؤالا حاسما: أتسعى إلى مقاومة قصيرة الأجل وبطولية ولكنها قد تكون مدمرة، أم تتبنى إستراتيجية طويلة الأمد وصبورة للحفاظ على روح المقاومة حتى في ظل الانكسارات العسكرية؟ أم تَرمِي بنفسها في أحضان التعامل البراغماتي مع القوى العالمية المهيمنة؟ أم تجمع بين إستراتيجيات متعددة تضمن بها تحولات إستراتيجية في الصراع التاريخي الممتد؟

تأكيد الشرعية التاريخية

وأخيرا، ينحاز كتاب اليهود ضد روما ويدعم الخطاب الإستراتيجي الحديث من خلال تناول الحجج التي تشكك في شرعية إسرائيل الأساسية بقوة.

عمل شتراوس، الذي يُفصّل قرنين من النضال اليهودي من أجل الاستقلال في الأرض، بما في ذلك دولة بار كوخبا التي أصدرت عملاتها الخاصة التي تؤكد هوية “إسرائيل” و”استرداد القدس”، بمثابة رواية مضادة قوية لفكرة أن إسرائيل مجرد “دولة استعمارية استيطانية”.

يحاول السجل التاريخي الذي يقدمه شتراوس أن يثبت أن المنطقة كانت، على مدى آلاف السنين، الموطن التاريخي لليهود، وهي مليئة بالأدلة الأثرية على الوجود اليهودي المستمر والتمرد والحياة الثقافية، ولكنه يفترض ضمنا- وقد ثبت خطأ ذلك علميا- أن يهود اليوم في فلسطين هم امتداد تاريخي لمن أقام منهم فيها قبل آلاف السنين.

في جوهره، بالنسبة لرئيس الوزراء نتنياهو، لا تُعدّ استشارة اليهود ضد روما مجرد تمرين أكاديمي، بل ضرورة إستراتيجية.

يُقدّم الكتاب منظورا تاريخيا قويا يُمكن من خلاله تحليل الصراع الحالي من خلال تسليط الضوء على: المزايا الإستراتيجية المذهلة للعلاقة التاريخية مع إيران؛ وضرورة الوحدة الداخلية لحرمان الخصوم من فرصة؛ ومخاطر الاعتماد المفرط على القوة وإذلال القوى المهيمنة؛ وفي نهاية المطاف، انتصار المرونة والإستراتيجية طويلة المدى على الحماسة العسكرية التكتيكية.

وتبقى الرسالة المحورية تحذيرية: الوحدة والإستراتيجية المدروسة ضروريتان للبقاء، لأنه كما يُشير شتراوس، إذا كان الشعب اليهودي متحدا، فإنه “يكاد يكون لا يُقهر”.

ويبقى التساؤل مطروحا: ما الذي يمكن أن يستخلصه زعيم عربي لو قرأ كتابا مثل هذا؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

لماذا يصرّ المستشار الألماني على إهانة ملايين العرب والمسلمين؟

زلّة لسان أم كلام محسوب لمستشار ألمانيا “العنيد” على رأي كاتب سيرته دانييل غوفارت؟ ألمانيا تتساءل وتناقش بحدة غير مألوفة أسباب لجوء رئيس حكومة أكبر دولة أوروبية ورئيس كتلة حزبه النيابية في البرلمان (البوندستاغ) لتصريحات “استفزازية” و”عنصرية” خلطا فيها عن قصد أو غير قصد بين أعراض إشكالية الهجرة وأسبابها وشملا ملايين البشر: عربا ومسلمين وغيرهم ولكنهما خصا مهاجرين لا ينطبق عليهم تعريف اليمين الألماني المحافظ “للمواطن المثالي”.

ولأن ألمانيا متنوعة -سواء أعجب ذلك رئيس حكومتها أو لم يعجبه- فإنها لم تهدأ منذ اليوم الأول للإدلاء بهذه التصريحات: مظاهرات عفوية في عشرات المدن، مبادرات ورسائل مفتوحة، وانتقادات حتى على ألسنة قياديين في الاتحاد المسيحي الديمقراطي، ومقالات رأي في كبرى الصحف الألمانية تتهم ميرتس بالعنصرية وشق المجتمع ووضع أكثر من ربع سكانه في خانة الاتهام.

ولكن لماذا يحرق ميرتس أصابعه بأمور أصغر من مهام مستشار ألمانيا وهو الذي قضى ثلثي حياته في عالم السياسة ويعرف تماما دهاليز البزنس السياسي في عاصمة ألمانيا؟

هل يريد مجرد استفزاز ملايين البشر والاصطياد في المياه العكرة؟ أم تحريك مياه راكدة؟

أم -كما يرى البعض- تحقيق مآرب سياسية واستمالة ناخبي الحزب اليميني المتطرف (البديل) وفي الوقت ذاته وقف نزيف التحاق الناخبين المحافظين وناخبي أحزاب أخرى بهذا الحزب الذي لا يشغله سوى التحريض على ملايين المهاجرين وتحديدا المسلمين منهم؟

الثابت هو أن حزب البديل يتقدم في استطلاعات الرأي وأصبح منذ الانتخابات البرلمانية الأخيرة في بداية العام ينافس على المركز الأول ويستعد في بقية هذا العام وفي العام المقبل لخوض خمس دورات انتخابية في خمس ولايات.

فوفقا لآخر استطلاع للرأي أشرفت عليه القناة التلفزيونية الأولى (ARD) تشتد المنافسة على المركز الأول بين حزب ميرتس المسيحي الديمقراطي (27 بالمئة) والبديل (26 بالمئة) بينما لا يعطي هذا الاستطلاع أقدم حزب في ألمانيا -وهو الاشتراكي الديمقراطي- أكثر من 14 بالمئة.

ما القصة؟

في 14 أكتوبر/تشرين الأول، ذكّر أحد الصحفيين مستشار ألمانيا بوعد قطعه على نفسه عام 2018 وهو خفض شعبية الحزب اليميني المتطرف (البديل) إلى النصف: ما هو برنامجك وكيف تريد حل هذه المشكلة (تفوّق حزب البديل)، سأل الصحفي؟

ميرتس لم يفكر طويلا وأشاد مباشرة بقدرة وزير داخليته على خفض أعداد اللاجئين بنسبة 60 بالمئة. ولكن المستشار الألماني يرى أن العمل لم يكتمل وإكماله مرتبط بحل مشكلة تتعلق بأن بعض اللاجئين -دون ذكر جنسياتهم-يشوهون مظهر المدن الألمانية، الأمر الذي يتطلب تكثيف عمليات ترحيلهم.

FILES-GERMANY-POLITICS-FARRIGHT-AFD-DEMOCRACY
أليس فايدل، الزعيمة المشاركة لحزب البديل لأجل ألمانيا تُخاطب مندوبي مؤتمر الحزب في 11 يناير  2025 في ريزا، شرق ألمانيا (الفرنسية)

ولكن لماذا يربط مستشار ألمانيا بين ارتفاع شعبية اليمين المتطرف وأعداد اللاجئين؟ ألا تشير أرقام السلطات الألمانية إلى أن أعدادهم بدأت تتراجع قبل تسلم حكومته مهامها في بداية مايو/أيار الماضي؟

بلى، لأن أرقام المكتب الاتحادي للهجرة واللجوء (BAMF) تؤكد بدء أعداد اللاجئين في التراجع بشكل كبير منذ عام 2023. هذا العام سجل انخفاضا بنسبة 54,7 بالمئة في أعداد القادمين الجدد وهذا يعني أن “الفضل” في ذلك يعود لجهود الحكومة السابقة بقيادة الاشتراكي الديمقراطي أولاف شولتس وليس لسياسة حكومة ميرتس.

مهمة تحديد جنسية هؤلاء اللاجئين تركها المستشار الألماني لرئيس كتلة حزبه النيابية ينس شْبان الذي فصل بالقول إن مظهر المدن سيكون أفضل بدون مهاجرين من دول عربية ومسلمة وأوروبية شرقية.

ففي اليوم التالي، سلم ميرتس الدفة لشْبان الذي لمع نجمه قبل أقل من عقد ووصل في تصريحاته المعادية للمسلمين حتى إلى مرحلة المطالبة بابتكار قوانين خاصة بهم لدرجة أنه طالبهم بالاستحمام عراة في استوديوهات اللياقة البدنية.

“في استوديو اللياقة البدنية الذي أرتاده، تم تعليق يافطات تسمح بالاستحمام بمايوه السباحة. عرب كثيرون من ذوي العضلات المفتولة كانوا يخجلون من الاستحمام عراة. هذا يشير إلى تحول في المجتمع لا أريده”.

ينس شْبان في مقابلة مع صحيفة “دي فيلت” المحافظة. 30 يوليو/تموز 2016

قصَد شْبان أو لم يقصد، لا يختلف اثنان على أن مطالبته بسنّ قوانين خاصة بالمسلمين (5,5 ملايين مسلم يعيشون في ألمانيا) تغذي أخطر الخزعبلات عن الإسلام: الإسلام ليس دينا بل أيديولوجية.

Germany's former Health Minister Jens Spahn speaks during a session of the lower house of parliament, the Bundestag, in Berlin, Germany February 1, 2024. REUTERS/Liesa Johannssen
سبان يطالب المسلمين بالتعري في المسابح(رويترز)

صحيح أنه لم يجهر بذلك ولكنه يعرف أن الذهاب بعيدا في التجني على الإسلام هو مهمة آخرين وتحديدا الحزب اليميني المتطرف (البديل) الذي اتهم الإسلام على لسان القياديين فيه ألكسندر غاولاند وبياترِكس فون شتورخ بأنه مجرد أيديولوجية. هذا كله شجع أكبر صحيفة في ألمانيا (بيلد) على التجرؤ على إهانة الإسلام بالقول في مقال: “ليس حزب البديل من اعتبر الإسلام أيديولوجية كما يُنقل. لأن الإسلام في الواقع مجرد أيديولوجية.

بعد كلام ميرتس وتأكيد رئيس كتلة حزبه النيابية، رد المستشار الألماني على استفسار لأحد الصحفيين عما إذا كان سيعتذر عن تصريحه بالقول: “أكرر. من يراقب الحياة اليومية يعرف أن تصريحاتي في الأسبوع الماضي كانت محقة (…) مرة أخرى: اسأل أطفالك، اسأل بناتك، اسأل في محيط أصدقائك ومعارفك. الكل يؤكد أن هناك مشكلة على الأقل عند حلول الظلام”، مشيرا إلى الربط بين “مشكلة مظهر المدن” الألمانية وسياسة حكومته الرامية إلى التسريع في عمليات ترحيل اللاجئين.

في عودة إلى أحد أهم أسئلة هذا التحقيق وهو هل نتحدث هنا عن زلّة لسان أم عن كلام محسوب بدقة؟ الإجابة عن هذا السؤال تتطلب الرجوع إلى الوراء قليلا وتحديدا إلى تصريحات سابقة لميرتس.

2023: “في الغالب نتحدث عن شباب من المنطقة العربية. هؤلاء غير مستعدين لاحترام القوانين ويستمتعون بتحدي الدولة (…) أتحدث عن مهاجرين عرب يتصرفون كالباشوات”. (معنى كلمة Pascha في الألمانية دائما سلبي ويشير في الغالب إلى رجل كسول يطلب من الآخرين خدمته).   

2024: “نتحدث عن موضوع معقد. ولكن يجب علينا أن نسأل لماذا هذا المركز الإسلامي في هامبورغ ما زال مفتوحا؟ ماذا يحدث في مدارس القرآن؟ ماذا يحدث في المساجد بألمانيا؟ لدينا أكثر من 1000 مسجد منها.يجب على الدولة تفحص الأمر”.

2023: “… يكتظون (اللاجئون) في عيادات أطباء الأسنان ويستبدلون أسنانهم في حين لا يستطيع الألمان الحصول على مواعيد”.

جميع هذه الاقتباسات التي أطلقها ميرتس عندما كان في المعارضة أثارت حينها نقمة الشارع، ولكن -لأنه لم يكن في موقع اتخاذ القرار- لم يكن وقعها بالحدة التي عقبت تصريح “تشويه مظهر المدن”. إعادة إنتاج صورة المهاجر

مديرة مركز التوثيق والمعلومات لمناهضة العنصرية، كريمة بن إبراهيم اعتبرت اختيار المستشار لألفاظه من منظور سياسي أمرا “بالغ الإشكالية”. فـ”حين ربط ميرتس بين ما وصفه بـ”مشكلة مظهر المدن” والهجرة، تبنّى عن وعي أو غير وعي سرديات يمينية وعنصرية تجاه المهاجرين (…) مثل هذه الصياغات تضع فئات متباينة للغاية لاجئين وأشخاصا من أصول مهاجرة وأقليات دينية أو إثنية في بوتقة واحدة وتعيد إنتاج صورة المهاجر بوصفه عامل اضطراب اجتماعي. (…) هذا نهج خطير، لأنه يقدم صورة نمطية قائمة على التصنيف العرقي بدلا من تحليل الأسباب البنيوية الفعلية للمشاكل القائمة، تضيف بن إبراهيم في حديث مع الجزيرة نت.

الخبير في شؤون اليمين المتطرف من جامعة غيزن، د. يوهانس كيس بدأ كغيره في الأوساط الأكاديمية فور إطلاق هذه التصريحات، التكهن بشأن دوافع المستشار الحقيقية.

“من ناحية -يقول كيس للجزيرة- تتماهى التصريحات الأولى للمستشار مع السرديات اليمينية المتطرفة لحزب البديل ومن ناحية أخرى، جاءت الموجة الثانية من تصريحاته “متعجرفة” و”عنيدة” وتهدف على ما يبدو إلى تعزيز البورفايل اليميني عند اتحاده المسيحي الديمقراطي الذي يشهد توترا كبيرا بشأن قضية الهجرة”.

Johannes Kiess
كيس: المحافظون عاجزون عن وقف مد اليمين المتطرف(الأوروبية)

ولكن هل ستساعد مثل هذه التصريحات على وقف حزب البديل عند حده وعلى استعادة حزب ميرتس ناخبين عزفوا عن انتخابه في الأشهر الماضية؟

كيس يؤكد هنا أن ذلك لن يمكن المحافظين الألمان من وقف المد اليميني المتطرف، بل على العكس تماما. فالدراسات تظهر أن النقاشات التي تعقب هذه التصريحات “تُعزز في العادة مواقف حزب البديل لأنه احتكر جميع القضايا المتعلقة بالهجرة ويدعي ملكيتها بغض النظر عن نبرة الأحزاب الأخرى”، في إشارة من الخبير إلى أن الناخب في هذه الحال سينتخب الأصل وليس النسخة المقلدة.

ولكن الأخطر من ذلك -كما يقول كيس- هو أن هذه النقاشات “لا تنتج في المقام الأول إلا خاسرين” وتسبب “الخوف والنفور” من الديمقراطية وتجرد النقاش من طابعه السياسي ولا تساهم في توجيهه نحو البحث عن حلول”.

25 مليون مهاجر

تؤكد أرقام مكتب الإحصاءات الألماني الاتحادي أن عدد المواطنين الألمان بالمواطنة وليس بالدم يبلغ 24,9 مليون شخص من بين 83,5 مليون نسمة العدد الإجمالي للسكان في ألمانيا.

ووفق المكتب ذاته، فإن عدد اللاجئين الملزمين رسميا بمغادرة ألمانيا لأسباب مختلفة يبلغ 41 ألف شخص. ولنفرض أن جميع هؤلاء الأشخاص يتحملون مسؤولية “تشويه” مراكز المدن ومظهر محطات قطاراتها الرئيسية، فإنهم لا يشكلون أكثر من 0,07 بالمئة من سكان المدن الألمانية الكبيرة والمتوسطة.

فكيف تلقى المهاجرون والمجتمع الألماني هذه التصريحات؟

عندما اكتفى ميرتس بالإشارة إلى ما وصفه بـ”مظهر المدن المشوه”، لاحظنا أن الاستهجان اقتصر على وسائل الإعلام وبعض النخب، ولكن بعد تحديد جنسيات المهاجرين المستهدفين وعناد المستشار وقوله إنه لن يعتذر عن هذه الإهانات وإذا لم يعجبكم ذلك “اسألوا بناتكم”، قامت الدنيا ولم تقعد: مظاهرات تحت شعار “نحن مظهر المدينة” و”نحن البنات” ومبادرات ورسائل مفتوحة وغيرها من النشاطات التي أظهرت بالفعل تنوع هذا المجتمع.

كريمة بن إبراهيم تقول حول الصدمة التي أحدثها خطاب ميرتس إن الغضب لم يأت فقط من مواطنين من أصول مهاجرة: “مهاجرون كثيرون اعتبروها عن حق عنصرية فقد ترافقت مع ردود فعل من مختلف أطياف المجتمع سواء من صفوف المعارضة أو من داخل الائتلاف الحاكم نفسه ومن منظمات المجتمع المدني وكذلك من شخصيات سياسية”.

تضيف بن إبراهيم أن ما يجمع بين هذه المواقف قاسم مشترك واحد هو القلق من أن هذا النمط من الخطاب يساهم في توسيع الهوة بين سياسات الأمن والنظام من جهة والواقع الاجتماعي من جهة أخرى. فالمسألة ليست في إنكار وجود المشاكل، بل في كيفية تناولها لغويا وإعلاميا أي هل يتم ذلك بطريقة دقيقة ومتفحصة، أم من خلال تعميمات تؤدي إلى وصم الجميع بالتهمة ذاتها.

“أهاننا جميعا”

هذا التعميم أحالنا إلى الاستفسار عن وقع هذه الإهانات على مهاجر غير عادي. فبمجرد وضع اسم نادر خليل في محرك غوغل للبحث وقراءة مقالات المديح لأنشطته في مجال التعايش بين سكان الحي المتنوع (نويكولن) بجنوب برلين، يتولد لديك انطباع بأنه أفنى حياته في مجال خدمة هذا المجتمع وفي اندماج العرب والمسلمين فيه، الأمر الذي دفع حكومة ولاية برلين إلى منحه عدة أوسمة أهمها وسام الاندماج لعام 2007.

يقول نادر خليل -في حديث مع الجزيرة نت- إن الحكم على كلام المستشار الألماني في الحياة اليومية يقود إلى الاعتقاد بأن كل شخص أصوله ليست ألمانية متهم وبأن كلام ميرتس موجه له علما بأن ألمانيا بأكملها تقر بمساهمة المهاجرين في إعادة بناء هذا البلد بعد الحرب وبدورهم المحوري في جميع المجالات الاقتصادية.

الأرقام الأخيرة التي قدمها مكتب الإحصاءات الألماني الاتحادي تؤكد ما يقوله خليل وتشير إلى أن بعض القطاعات الاقتصادية في ألمانيا كانت في الأعوام الماضية قادرة على البقاء بفضل المهاجرين فقط، إذا تبلغ نسبتهم في بعضها 60 بالمئة بينما تبلغ نسبتهم الإجمالية في سوق العمل الألماني الأكبر في الاتحاد الأوروبي 26 بالمئة.

نادر خليل- سليم سليم- الجزيرة
نادر خليل اتهم ميرتس بالتناقض(الجزيرة)

كما اتهم خليل الذي ترشح عام 2009 للبرلمان الألماني باسم الحزب المسيحي الديمقراطي، اتهم ميرتس بالتناقض، قائلا: من ناحية يؤكد المستشار ضرورة الحفاظ على تماسك المجتمع ومن ناحية أخرى يدق أسفين الفرقة بين مكوناته.

ولكن كيف استقبل الناس في حي نويكولن حيث يعيش ويعمل ابن الـ57 عاما هذه التصريحات؟

“بتهكم وسخرية” يرد خليل، ويضيف أن صديقا له من أصول تركية مازحه عندما سمع كلام ميرتس قائلا “ما رأي المستشار في أن نصبغ شعرنا بالأشقر حتى نناسب تصوره لمظهر المدن الألمانية”؟ وقال آخر إنه لم يستغرب هذه التصريحات لأن صاحبها يعيش في عالم موازٍ ولا يعرف ماذا تعني الحياة في مدينة متنوعة مثل برلين أو ميونيخ أو هامبورغ.

ولكن الأخطر في تصريحات ميرتس -بحسب خليل- هو أنها تعزز حضور اليمين المتطرف وتعتبر الخطوة الأولى على طريق تنفيذ هذا اليمين سياسته الداعية إلى الترحيل إذا وصل إلى موقع صنع القرار، وخاصة أن هذه التصريحات تأتي من رأس هرم السلطة.الآثار والأخطار

بخصوص آثار هذا الخطاب على المجتمع تقول بن إبراهيم إن القراءة التحليلية للخطاب المذكور تُبيّن أن له ثلاثة آثار مباشرة على التعايش بين المهاجرين والمسلمين والألمان، أولها عند الحديث عن “مظهر المدن” تتشكّل فورا صور نمطية لمحطات القطارات ومراكز المدن ومجموعات الشباب ذوي الملامح غير الأوروبية. وبذلك تتحوّل قضايا معقدة مثل الفقر والبطالة وضعف البنى التحتية إلى نقاش بصري سطحيّ يغذي الأحكام المسبقة ويهمّش التحليل الموضوعي.

وتضيف أن ذلك ينتج مشاعر التهميش والريبة ويؤدي إلى شعور كثير من المواطنين ذوي الخلفية المهاجرة والمسلمين بأن انتماءهم موضع تساؤل دائم، مما يضعف ثقتهم في المؤسسات الحكومية والمحلية. هذه الثقة ضرورية لنجاح سياسات الاندماج والتعاون المجتمعي.

وثالثا تؤدي هذه الخطابات إلى إزاحة النقاش عن قضايا العدالة الاجتماعية إلى قضايا رمزية ولغوية، ويتضح من ذلك أن المشكلة لا تكمن في طرح القضايا ذاتها بل في اللغة المستخدمة.  عندما تتحول اللغة إلى أداة للوصم بدلا من وسيلة للتحليل الدقيق فإنها تنتج فقدانا للثقة وشرخا في تماسك المجتمع. اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير

وتنصح بن إبراهيم -التي تدير مركزا يعتبر من أهم المرجعيات للحكومة الألمانية بخصوص مناهضة العنصرية- المستشار ببناء الخطاب الرسمي حول الهجرة على أساس معرفي وبياني وتجنب التعميمات وتعزيز الاندماج عبر العمل الأمر الذي يمنح المقيمين الجدد حق الالتحاق الفوري ببرامج اللغة والتأهيل المهني خلال ثلاثين يوما مع تسريع الاعتراف الرقمي بالمؤهلات المهنية وفتح أسواق العمل.

كما تؤكد المختصة ضرورة تكريس مبدأ دولة القانون العادلة للجميع وإبرام اتفاقات شراكة بين الجمعيات الإسلامية ومنظمات المهاجرين والمدارس والتجار وقطاع الإسكان وتحديد أهداف قابلة للقياس مثل زيادة فرص التدريب المهني وتحسين مشاركة النساء في برامج اللغة والعمل وإعادة توجيه سياسات الإسكان والرعاية الاجتماعية وغيرها من الاقتراحات التي تعد أمرا لا غنى عنه إذا أرادت حكومة ميرتس بالفعل الحفاظ على تماسك المجتمع بدلا من إطلاق تصريحات عنصرية تخدم بالدرجة الأولى اليمين المتطرف.

ووفق لبن إبراهيم فإن تحليل الخطاب السياسي الراهن يبين أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير بل فاعل سياسي في حد ذاته، مضيفة أن اللغة قادرة على بناء الانتماء أو تفكيكه وعلى دعم التماسك أو تهديده لأن الانتقال من خطاب رمزي قائم على التبسيط إلى سياسة شاملة وفاعلة يمثل خطوة جوهرية وأولى نحو مجتمع متماسك ومتعدد في آن واحد.

فهل يدرك رئيس الحكومة الألمانية أنه فقط من خلال الاعتراف بالتنوع بوصفه قيمة بنيوية واعتماد سياسات تشاركية قائمة على الحقائق يمكن ضمان استدامة التعايش السلمي والعدالة الاجتماعية في المدن الألمانية؟

المصدر: الجزيرة

طلاق غيّر التاريخ: كيف انفصلت كنيسة إنجلترا عن الفاتيكان؟

في حدث غير مسبوق منذ نحو خمسة قرون، شارك الملك تشارلز الثالث والبابا لاون في صلاة مشتركة داخل كنيسة سيستينا في الفاتيكان، في لحظة وُصفت بأنها تاريخية وتجسّد تقارباً لافتاً بين الكنيستين الإنجليزية والكاثوليكية بعد قرون من الانقسام.

بدأت المراسم بتلاوة الصلاة باللغة الإنجليزية داخل أروقة الكنيسة البابوية الكبرى، في مشهد رمزي يذكّر بتاريخ طويل من الخلاف الديني الذي يعود إلى القرن السادس عشر، حين قرّر الملك هنري الثامن فصل كنيسة إنجلترا عن الكنيسة الكاثوليكية، ليصبح اسمه لاحقاً رمزاً لأحد أكثر التحولات الدينية والسياسية إثارة في تاريخ أوروبا.قصة انشقاق الكنيسة الأنغليكانية عن روما هي في الواقع قصة هنري الثامن، فمن كان هذا الملك؟ وما العوامل التي أدت إلى ذلك الانقسام؟

البدايات والعرش

ولد الملك هنري الثامن في 28 يونيو/ حزيران عام 1491 في غرينتش قرب لندن، وتوفي في 28 يناير/ كانون الثاني عام 1547 في العاصمة البريطانية، بحسب دائرة المعارف البريطانية.

حكم إنجلترا بين عامي 1509 و1547، وكان من أبرز ملوك أسرة تيودور، إذ أشرف على بدايات عصر النهضة الإنجليزية وحركة الإصلاح الديني التي غيّرت وجه أوروبا.

تزوّج ست مرات، وكانت زوجاته على التوالي كاثرين الآراغونية (والدة الملكة المستقبلية ماري الأولى)، وآن بولين (والدة الملكة المستقبلية إليزابيث الأولى)، وجين سيمور (والدة وريثه الملك إدوارد السادس)، وآن كليفز، وكاثرين هوارد، وكاثرين بار.

وكان هنري الابن الثاني للملك هنري السابع، أول ملوك أسرة تيودور، ولإليزابيث ابنة الملك إدوارد الرابع، أول ملوك أسرة يورك القصيرة العمر، وعندما توفي شقيقه الأكبر آرثر عام 1502، أصبح هنري الوريث للعرش.

ومن بين جميع ملوك تيودور، كان الوحيد الذي أمضى طفولته في هدوء وهو ينتظر التتويج، وهو ما أكسبه ثقة ملكية امتزجت بطبيعته المندفعة المفعمة بالحيوية، وتميّز في التحصيل العلمي كما تفوّق في التمارين البدنية التي كانت تميز مجتمع النبلاء.

عندما اعتلى هنري الثامن العرش عام 1509، كانت التوقعات كبيرة بشأن ما سيحققه. كان شاباً في الثامنة عشرة من عمره، يبلغ طوله نحو 183 سنتيمتراً، قوي البنية، لا يملّ من الرياضة والصيد والرقص. بدت شخصيته النشطة وعداً بـ”ربيع جديد” بعد “الشتاء الطويل” الذي ميّز عهد والده هنري السابع.

استغل هنري ووزراؤه النقمة التي خلّفها والده بسبب حرصه المفرط على توسيع سلطة التاج الملكي، فتخلّصوا من بعض المؤسسات غير المحبوبة ومن رجال الدولة الذين خدموا في العهد السابق. ومع ذلك، فإن أساليب الحكم التي كانت مكروهة عادت سريعاً إلى الظهور لأنها كانت ضرورية لضبط الحكم وتأمين موارده.

بعد فترة وجيزة من اعتلائه العرش، تزوج هنري من كاثرين الآراغونية، أرملة شقيقه آرثر، في زواج دعم التحالف بين إنجلترا وإسبانيا وأكسبه رضا البابا يوليوس الثاني الذي منحه الإذن الخاص بهذا الزواج غير المعتاد. لكن مظاهر الاحتفال الفخمة استهلكت القسم الأكبر من الموارد الملكية المحدودة.

الأخطر من ذلك كان تصميم هنري على خوض مغامرات عسكرية في أوروبا التي كانت آنذاك مشتعلة بالصراعات بين الممالك الفرنسية والإسبانية. وضد نصيحة مستشاريه الكبار، انضم عام 1512 إلى حميه فرديناند الثاني ملك آراغون في حرب ضد فرنسا، متذرعاً بالدفاع عن البابا الذي كان يكنّ له احتراماً عميقاً وشبه مطلق.

هنري والكاردينال

في تلك الفترة برز الكاردينال توماس وولسي، رجل الدولة الطموح الذي تولى تنظيم أول حملة عسكرية لهنري في فرنسا. وبحلول عام 1515، أصبح وولسي رئيس أساقفة يورك، والمستشار الأول لإنجلترا، وكاردينالاً في الكنيسة الكاثوليكية، والأهم من ذلك أنه صار الصديق الأقرب للملك والمسؤول الفعلي عن إدارة شؤون الدولة.

ورغم أن هنري لم يتخل تماماً عن سلطاته، فقد منح وولسي مساحة واسعة من الحرية في اتخاذ القرارات، محتفظاً لنفسه بحق التدخل متى شاء.

وبينما كان العالم يرى في وولسي الحاكم الحقيقي لإنجلترا، كان هنري يدرك جيداً أن السلطة النهائية لا تزال بيده. سعى وولسي لاحقاً إلى منصب البابا، مدعوماً من هنري الذي رأى في وصوله إلى روما فرصة لتعزيز نفوذ إنجلترا في أوروبا، غير أن طموحه اصطدم بالواقع السياسي ولم يتحقق.

أثارت سياسات الكاردينال توماس وولسي موجة من السخط الشعبي، إذ إن محاولاته لإصلاح المظالم لم ترض الفقراء وأغضبت النبلاء، وبلغ التوتر ذروته بين عامي 1523 و1524. ورغم كراهيته لعقد البرلمان، اضطر وولسي إلى استدعائه عام 1523، غير أن الضرائب التي أقرها كانت أقل بكثير مما احتاجه الملك لتمويل مشاريعه.

وفي العام التالي، أدت محاولة فرض ضريبة استثنائية إلى مقاومة شديدة أجبرت هنري على التراجع عنها. وقد نجح الملك في التنصل من الفشل ما دام الكاردينال هو من يتحمل اللوم، لتبدأ مكانة وولسي بالتراجع تدريجياً. وبحلول عام 1527، أصبحت سياسة الدولة التي كانت تنسب إلى وولسي، بينما كانت في حقيقتها إرادة هنري، عاجزة عن تحقيق أي نجاح ملموس في الداخل أو الخارج.

تبددت الآمال المثالية التي أحاطت ببدايات حكم هنري سريعاً أمام تعقيدات الواقع، ومع ذلك ظلّ الأدباء والمفكرون يرون فيه ملكاً منفتحاً على الفكر والعلم. ففي عام 1517، استعان بالمفكر الإنساني توماس مور مستشاراً جديداً، أحد أبرز العقول في عصره، لكن مور أدرك لاحقاً أن هنري يفصل بين حبه للنقاش الفكري وطريقته العملية الصارمة في إدارة الحكم.

ورغم التوترات السياسية، حافظ هنري على صورته كملك مثقف مدافع عن الكنيسة الكاثوليكية، حتى أنه كتب عام 1521 مؤلفاً يردّ فيه على أفكار المصلح الألماني مارتن لوثر، فنال من البابا لقب “المدافع عن الإيمان”.

الصدام مع روما

ما إن دخل هنري الثامن عقده الرابع حتى انقلبت موازين حياته الشخصية والسياسية. فبعد أكثر من عشرين عاماً من الزواج، واجه أزمة حادة مع زوجته كاثرين الآراغونية بسبب عدم إنجاب وريث ذكر للعرش. فقد انتهت معظم محاولاتها للإنجاب بالإجهاض أو وفاة المواليد، ولم يبق لهما سوى ابنة واحدة، الأميرة ماري، التي ولدت عام 1516.

ولم تكن فكرة أن تتولى امرأة العرش تلقى قبولاً في ذلك العصر، خشية ما قد تسببه من اضطرابات سياسية وصراعات على السلطة.

كالعادة، لم ير هنري الخلل في نفسه، بل حمّل المسؤولية لزوجته. وفي خضم هذا التوتر، ازدادت مشاعره تجاه آن بولين، وصيفة من حاشية الملكة وشقيقة لإحدى عشيقاته السابقات.

كان هنري رجلاً ميالاً للتقوى، لكنه وجد في آن متنفساً عاطفياً من زواج فاتر. أما آن نفسها، فكانت أكثر من مجرد امرأة فاتنة؛ كانت شابة ذكية وطموحة تعرف دهاليز البلاط، وأصرت على أن تكون زوجة شرعية لا عشيقة في الظل.

استغرق هنري الثامن نحو ست سنوات لتحقيق هدفه بالزواج من آن، وفي سعيه لذلك أشعل ثورة دينية غير مقصودة غيّرت مسار التاريخ. فمنذ عام 1527، بدأ ما عرف لاحقاً بـ”القضية الكبرى للملك”، أي محاولته الحصول على الطلاق من كاثرين.

أقنع نفسه بأن زواجه الأول باطل شرعاً، مستنداً إلى نص من سفر اللاويين في الكتاب المقدس الذي يحرّم الزواج من أرملة الأخ.

واعتبر أن وفاة أبنائه الذكور علامة على غضب إلهي، فحوّل قناعته الشخصية إلى قضية دينية، مقتنعاً بأنه يعيش في خطيئة لا يمكن التكفير عنها إلا بإنهاء الزواج.

توجّه هنري إلى روما طالباً من البابا كليمنت السابع إبطال زواجه، وكان من المعتاد أن يستجيب البابا لطلبات الملوك في مثل هذه القضايا، إلا أن هنري اختار توقيتاً بالغ السوء.

فقد كانت كاثرين عمة الإمبراطور شارل الخامس، حاكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكان البابا حينها أسيراً للإمبراطور بين عامي 1527 و1528، ما جعله عاجزاً عن اتخاذ قرار يغضب حليفه الأقوى في أوروبا.

كما أن كليمنت السابع لم يرغب في إعلان بطلان الترخيص البابوي الذي سمح أصلاً بزواج هنري من كاثرين، وهو ترخيص جلب لعاصمة الكنيسة عوائد مالية معتبرة.

أمام هذا المأزق، اختار البابا الحفاظ على هيبة الكرسي البابوي بدلاً من إرضاء ملك إنجلترا. ومن هنا بدأت الأزمة التي ستنتهي بانفصال إنجلترا عن الفاتيكان وولادة كنيسة إنجلترا المستقلة.

رأس الكنيسة

انتهت محاولات هنري الثامن لحل أزمته عبر القنوات القانونية إلى طريق مسدود منذ بدايتها، لتضع الكاردينال توماس وولسي في موقف حرج. فقد كان نجاحه في هذه القضية المستحيلة شرطاً لبقائه في السلطة، فسعى إلى إيجاد مخرج داخل إنجلترا نفسها، واستصدر إذناً لمحاكمة القضية هناك.

لكن القاضي الموفد من روما، الكاردينال لورنزو كامبيجيو، أوقف الإجراءات بأمر بابوي عام 1529، ما أحبط آمال هنري وأظهر عجز وولسي.

وبعد أسابيع قليلة، جرّد وولسي من مناصبه ونفي من البلاط، منهياً بذلك مسيرته السياسية الطويلة. غير أن سقوطه لم يقدّم حلاً للأزمة، إذ ظل هنري محاطاً بمستشارين لا يملكون القدرة على تلبية رغبته، في وقت كان يعرف فيه تماماً ما يريد، من دون أن يعرف بعد كيف يحققه.

تولى توماس مور منصب المستشارية خلفاً لوولسي، رغم معارضته العلنية لفكرة طلاق الملك، مفضلاً تركيز جهوده على محاربة ما كان يراه بدعاً لوثرية. وساد الارتباك في سياسة إنجلترا نحو ثلاث سنوات، ظل خلالها هنري الثامن متأرجحاً بين أمل في أن تسمح له روما بالنظر في قضيته داخل البلاد، وميول متزايدة نحو القطيعة مع الكرسي البابوي. ومع أنه تحدث في أوقات مختلفة عن الانفصال، فإنه لم يكن هو ولا مستشاروه يدركون كيف يمكن تحويل هذا الحديث إلى سياسة واقعية.

لكن “القضية الكبرى للملك” تطلّبت ثورة حقيقية، وكان الرجل الذي صاغ ملامحها ونفذها هو توماس كرومويل، الذي تولى في أبريل/ نيسان 1532 السيطرة على مجلس الملك، وظل مهيمناً عليه لنحو ثماني سنوات. في عهده، اتخذ القرار المصيري بفصل الكنيسة الإنجليزية عن روما، لتصبح مؤسسة دينية وطنية تخضع مباشرة لسلطة الملك بوصفه نائب الرب على الأرض.وفي يناير/ كانون الثاني 1533، تزوج هنري من آن بولين، ثم أشرف رئيس الأساقفة الجديد توماس كرانمر في مايو/ أيار على محكمة قضت ببطلان زواجه الأول من كاثرين. وفي سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، وُلدت الأميرة إليزابيث. وردّ البابا كليمنت السابع بحرمان الملك كنسياً، لكن ذلك لم يلقِ أي صدى في إنجلترا التي كانت قد حسمت أمرها. وبعد عام واحد، صادق هنري على “قانون السيادة” عام 1534، الذي نص على أن ملك إنجلترا هو “الرئيس الأعلى للكنيسة الإنجليزية”، معلناً بذلك تأسيس كنيسة إنجلترا المستقلة عن الفاتيكان.

لم يكن الانفصال مجرد خطوة دينية، بل ثورة سياسية قلبت توازن القوى في البلاد. فقد صادر هنري ممتلكات الأديرة الكاثوليكية وضَمّ ثرواتها إلى التاج، ليصبح واحداً من أثرى ملوك أوروبا، كما نصّب نفسه المرجع الأعلى في تفسير العقيدة، مطلقاً بذلك سلسلة من الإصلاحات الدينية والإدارية التي مهدت لاحقاً لظهور البروتستانتية في إنجلترا.

لكن المفارقة أن الملك نفسه كان قد ألّف في عام 1521 كتاباً ضد أفكار المصلح الألماني مارتن لوثر، ونال بسببه من البابا لقب “المدافع عن الإيمان”. أما الآن، فكان موقفه الجديد يعادل تأييداً ضمنياً للإصلاح البروتستانتي، وهو ما رحّب به كرانمر وكرومويل وربما آن بولين، لكنه ظل مرفوضاً عند هنري الذي ظلّ يكن عداءً فكرياً عميقاً للوثر.

ومع استبعاده السلطة البابوية، لم يتخل هنري عن جوهر العقيدة الكاثوليكية التي نشأ عليها، بل أعاد صياغتها وفق رؤيته الخاصة. فاحتفظ بمفهوم “تحوّل الخبز والنبيذ إلى جسد ودم المسيح” وبفكرة العزوبة الكهنوتية، لكنه تبنّى في المقابل مواقف أكثر تحرراً من سلطة الكنيسة في الشؤون الدنيوية، ورأى أن الإنسان يستطيع طلب الخلاص دون وساطة الكهنة. وبقي حتى وفاته يفاخر بثقافته اللاهوتية، منشغلاً بالتأمل في طبيعة الدين الحق، بحسب ما تذكر دائرة المعارف البريطانية.

رجل دموي

خلال عقد الثلاثينيات من القرن السادس عشر، اتسعت سلطة هنري الثامن إلى حد غير مسبوق بفضل إصلاحات توماس كرومويل، ولا سيما بعد مصادرة ممتلكات الأديرة الكاثوليكية وتحويل ثرواتها إلى خزينة التاج بين عامي 1536 و1540. لكن توسع النفوذ ترافق مع موجة من القمع طالت حتى المقربين من الملك، فتم إعدام المستشار السابق توماس مور، إلى جانب نحو خمسين شخصاً آخرين أُدينوا بتهم الخيانة بين عامي 1535 و1541. ومع سقوط الرؤوس، تلاشت صورة هنري كملك مثقف ومدافع عن المعرفة، لتحلّ محلها سمعته كحاكم دموي لا يرحم.

تزامن ذلك مع سلسلة من الزيجات المثيرة التي عمّقت الجدل حول شخصيته. فزواجه من آن بولين لم يجلب له لا السعادة ولا الوريث الذكر الذي انتظره طويلاً، إذ أنجبت له ابنة واحدة هي إليزابيث، التي ستصبح لاحقاً الملكة إليزابيث الأولى. وبعد ثلاث سنوات من الزواج، اتهمها بالخيانة والزنا، وأمر بإعدامها عام 1536، في مشهد هزّ البلاط الملكي وأكد قسوته.

بعد أشهر فقط من إعدام آن بولين، تزوج هنري من جين سيمور، التي أنجبت له أخيراً ابنه المنتظر، الأمير إدوارد، لكنها توفيت بعد أيام من الولادة بسبب الحمى. كانت وفاتها ضربة قاسية له، فوصفها بأنها “الزوجة الوحيدة التي أحبها حقاً”.

لاحقاً، سعى هنري إلى تحالف سياسي عبر زواجه من آن كليفز، شقيقة دوق كليفز، في خطوة دبّرها توماس كرومويل لبناء جبهة شمال أوروبية في مواجهة فرنسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة. لكن الملك كره زوجته الجديدة منذ اللقاء الأول، وطلب الطلاق فوراً، وهو ما تحقق بسرعة. أودى فشل هذا الزواج بكرومويل نفسه، إذ استغل خصومه الموقف لتحريض الملك عليه، فأُعدم في يوليو/ تموز 1540.

مع مرور الوقت، تحول هنري إلى حاكم خطير سريع الغضب، تهيمن عليه الشكوك وجنون العظمة. وبالرغم من أنه كان يعتقد أنه يمسك بكل خيوط السلطة، فقد كان في الواقع عرضة للتلاعب من المحيطين به الذين استغلوا اضطرابه النفسي وغروره.

تدهورت حالته الصحية بسبب السمنة المفرطة، فأصبح بطيئاً في الحركة، متقلب المزاج، سريع الانفعال، يميل إلى الحزن والكآبة. وبين عامي 1540 و1542، تزوج من كاثرين هوارد، ابنة العشرين عاماً، لكن استمرارها في علاقات غير مشروعة حتى بعد أن أصبحت ملكة أدى إلى إعدامها بالمقصلة. كانت تلك الحادثة ضربة نفسية قاضية لهنري، الذي دخل بعدها مرحلة الشيخوخة المليئة بالوحدة والمرارة.

وفي سنواته الأخيرة، تزوج من كاثرين بار، امرأة هادئة ومتعقلة استطاعت بحكمتها أن تضمن سلامتها وترافقه حتى وفاته، شاهدة على انحدار صحته الجسدية وتدهور حالته النفسية، فيما كان عهد هنري يقترب من نهايته بعد أن غيّر وجه إنجلترا سياسياً ودينياً إلى الأبد.

الوفاة والإرث

توفي الملك هنري الثامن في 28 يناير/ كانون الثاني عام 1547 في قصر وايتهول عن عمر ناهز السادسة والخمسين، ودفن إلى جوار زوجته جين سيمور، التي أنجبت له وريثه الوحيد.

خلفه ابنه إدوارد السادس، الذي واصل نهج الإصلاح الديني، ثم أعادت ابنته ماري الكاثوليكية بعض نفوذ روما، قبل أن تأتي إليزابيث الأولى لتكرّس الاستقلال الديني والسياسي لإنجلترا نهائياً.

يبقى إرث هنري الثامن مرتبطاً بالتحول التاريخي الذي قاد إلى انقسام الكنيسة وولادة كنيسة إنجلترا المستقلة. فقد أنهى تبعية البلاد للفاتيكان، وجعل الملك رأساً للسلطتين الزمنية والروحية، فاتحاً الباب أمام الإصلاح الديني البروتستانتي وترسيخ الهوية الدينية الجديدة لإنجلترا.

وبعد ما يقرب من خمسة قرون على ذلك الانقسام، صلى الملك تشارلز الثالث والبابا لاوُن الرابع عشر معاً في الفاتيكان، في لحظة رمزية أعادت الدفء بين الكنيستين اللتين فرقتهما قرارات هنري الثامن قبل خمسمئة عام.