في كلمة حملت رسائل سياسية واضحة حول مستقبل سوريا وعلاقاتها بالمجتمع الدولي، أكد السفير إبراهيم علبي، المندوب الدائم للجمهورية العربية السورية لدى الأمم المتحدة، أن سوريا دخلت مرحلة جديدة تقوم على الانفتاح والشراكة والتعاون مع المنظمة الدولية والمجتمع الدولي، بعد سنوات طويلة من الحرب والعزلة والتوتر.
وجاءت كلمة علبي خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي خُصصت لمناقشة التطورات السياسية والإنسانية في سوريا، حيث توقف مطولاً عند زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق، معتبراً أن الزيارة شكلت محطة سياسية مهمة كرست انتقال العلاقة بين سوريا والأمم المتحدة إلى مرحلة جديدة. وأوضح أن الزيارة أنهت عملياً مرحلة التوتر السابقة وفتحت صفحة تقوم على الحوار والتعاون والشراكة.
وأشار علبي إلى أن الأمين العام والوفد الأممي اطلعا خلال وجودهما في دمشق على واقع سوريا الجديدة، بما في ذلك الحضور المتزايد للمجتمع المدني ودوره في الحياة العامة. وأكد أن صوت المجتمع المدني السوري بات أكثر حضوراً داخل البلاد وفي المحافل الدولية، بما فيها مجلس الأمن.
كما تناول المندوب السوري ملف اللاجئين والنازحين، مشيراً إلى أن التطورات الأخيرة وزيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى سوريا تعبّران عن انتقال النقاش الدولي تدريجياً من إدارة أزمة اللجوء والنزوح إلى مرحلة العودة والتعافي وإعادة بناء الاستقرار.
الاعتداءات الإسرائيلية والجولان
واحتل ملف الاعتداءات الإسرائيلية مساحة بارزة من كلمة علبي. فقد أكد أن الجولان أرض سورية محتلة، وأن موقف دمشق من سيادتها عليه ثابت ولا يتغير، مشدداً على أنه سيعود إلى أهله مهما طال الزمن.

وأشار إلى استمرار الغارات والتوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، ومن بينها الهجمات الأخيرة على مطار أبو الظهور في ريف إدلب، الذي قالت دمشق إنه تعرض لثماني غارات، إضافة إلى استمرار التوغلات الإسرائيلية في مناطق سورية أخرى.
وكانت سوريا قد بعثت برسالتين متطابقتين إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئاسة مجلس الأمن أدانت فيهما الهجوم الإسرائيلي على مطار أبو الظهور، واعتبرته انتهاكاً للسيادة السورية وتصعيداً يهدد أمن المنطقة واستقرارها.
وأكد علبي أمام أعضاء مجلس الأمن أن هذه الاعتداءات لن تدفع سوريا إلى التخلي عن خيار الاستقرار والدبلوماسية، موضحاً أن دمشق ملتزمة بأعلى درجات ضبط النفس وبالعمل من خلال القنوات السياسية والدبلوماسية لخفض التصعيد وحماية وحدة البلاد وسيادتها.
سوريا والمجتمع الدولي
وقدم علبي في كلمته صورة لسوريا باعتبارها دولة تعمل على إعادة بناء علاقاتها الدولية ومؤسساتها بعد سنوات الصراع، مؤكداً أن التعاون مع الأمم المتحدة لم يعد ينظر إليه باعتباره علاقة مواجهة أو خلاف، بل شراكة يفترض أن تساعد السوريين في مرحلة إعادة الإعمار وعودة المهجرين وتحقيق الاستقرار.
وتأتي هذه المواقف في سياق سلسلة من اللقاءات والاتصالات بين الحكومة السورية ووكالات الأمم المتحدة، إلى جانب التحركات الدبلوماسية التي تسعى دمشق من خلالها إلى استعادة حضورها الطبيعي في المجتمع الدولي، وتوسيع علاقاتها مع الشرق والغرب، وإغلاق الملفات الثقيلة التي خلفتها سنوات النظام السابق.
وفي هذا السياق، برزت خلال الفترة الماضية ملفات إعادة اللاجئين، وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، واستعادة الدولة سيطرتها على كامل أراضيها، إضافة إلى الانفتاح على المؤسسات الدولية والتعاون في الملفات الحساسة، باعتبارها عناصر أساسية في رسم صورة سوريا الجديدة.
وتختصر إحدى الأفكار المركزية في الخطاب رؤية دمشق للمرحلة المقبلة: أن تمسك الدولة بيدها سيفها الدمشقي الحاد دفاعاً عن سيادتها ووحدة أراضيها، وفي اليد الأخرى حريرها ودمشقها الناعمة في الدبلوماسية والحوار والانفتاح. وبين الحزم والمرونة، تحاول الدبلوماسية السورية أن ترسم مساراً جديداً لعلاقات البلاد الخارجية.
والرسالة الأبرز التي حملتها كلمة المندوب السوري في مجلس الأمن يمكن تلخيصها بأن سوريا تريد الانتقال من سنوات الحرب والانقسام إلى مرحلة الدولة والاستقرار، ومن العزلة إلى الشراكة، لكنها في الوقت نفسه تتمسك بسيادتها ووحدة أراضيها وحقها في الجولان السوري المحتل.
وفي ظل استمرار التحديات الأمنية والإنسانية والاقتصادية، تبدو المرحلة القادمة اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الحكومة السورية والمجتمع الدولي على تحويل لغة الشراكة الجديدة إلى خطوات عملية، خصوصاً في ملفات عودة اللاجئين وإعادة الإعمار ورفع مستوى الدعم الدولي، بالتوازي مع وقف الاعتداءات الخارجية واحترام سيادة الأراضي السورية.
الإعلامي ياسين نجار – جريدة المدار نيوز – نيويورك الولايات المتحدة الأمريكية