تحلّ ذكرى المولد النبوي الشريف فتتجه قلوب ملايين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، مستحضرين سيرة سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ، خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي جاء برسالة الإسلام رحمةً وهدايةً للناس، فغيّرت دعوته مجرى التاريخ وأقامت حضارة امتدت آثارها عبر القرون والقارات.
ولد المصطفى ﷺ في مكة المكرمة في عام الفيل، والمشهور عند جمهور المسلمين الاحتفاء بمولده في الثاني عشر من ربيع الأول، مع وجود اختلاف تاريخي بين العلماء في تحديد اليوم الدقيق لميلاده. وكان مولده بداية حياة عظيمة حمل صاحبها، بعد بعثته، رسالة التوحيد والأخلاق والعدل والرحمة.
قال الله تعالى في وصف رسالته: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. وهي آية تختصر جانباً عظيماً من الرسالة المحمدية؛ فالرحمة لم تكن شعاراً، بل كانت سلوكاً في التعامل مع الأسرة والجار والفقير واليتيم والمحتاج، وفي الدعوة والقضاء والسلم والحرب.

نشأ النبي ﷺ يتيماً، وعرف بين قومه قبل البعثة بالصدق والأمانة. وعندما بلغ الأربعين نزل عليه الوحي، فبدأت رحلة الدعوة إلى عبادة الله وحده وإلى مجتمع يقوم على العدل والكرامة ومكارم الأخلاق. واجه المسلمون الأوائل سنوات من الأذى والاضطهاد، ثم جاءت الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة لتفتح مرحلة جديدة. وفي المدينة تأسس مجتمع ضم جماعات وقبائل مختلفة، وأصبحت الأخوة والتكافل والحقوق والواجبات ركائز أساسية في بناء الدولة والمجتمع.
وعندما عاد النبي ﷺ إلى مكة فاتحاً، برزت قيمة العفو عند المقدرة، في درس بقي حاضراً في الذاكرة الإسلامية: أن القوة الحقيقية لا تنفصل عن الرحمة، وأن الانتصار لا ينبغي أن يتحول إلى انتقام.
وفي ذكرى المولد، تشهد بلدان إسلامية عديدة مظاهر مختلفة للاحتفاء؛ فتضاء المساجد، وتعقد مجالس السيرة والذكر والصلاة على النبي ﷺ، وتقام المحاضرات والندوات، وتقدم الصدقات والطعام، بينما تحافظ مجتمعات كثيرة على عادات اجتماعية توارثتها الأجيال.
وتختلف صور إحياء المناسبة من بلد إلى آخر، كما توجد بين علماء المسلمين آراء فقهية مختلفة حول تخصيص يوم المولد باحتفالات بعينها. لكن محبة الرسول ﷺ واتباع سنته والصلاة والسلام عليه ودراسة سيرته والاقتداء بأخلاقه معانٍ راسخة في وجدان المسلمين.
وللمولد النبوي حضور اجتماعي وثقافي واسع في عدد من المجتمعات العربية والإسلامية. ففي سوريا ومصر والأردن والمغرب والعراق ودول أخرى تقام مجالس دينية وفعاليات اجتماعية تختلف تقاليدها المحلية، بينما تحتفظ بعض المدن القديمة بطقوس شعبية ارتبطت بالمناسبة عبر أجيال طويلة.
وفي المدينة المنورة تبقى المشاعر مختلفة؛ فهناك مسجد رسول الله ﷺ وروضته الشريفة، ويتوافد المسلمون من مختلف أنحاء العالم للصلاة في المسجد النبوي والسلام على رسول الله ﷺ وصاحبيه أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

أما في الولايات المتحدة وأوروبا وبلدان الاغتراب، فتقيم مساجد ومراكز إسلامية فعاليات تتناول السيرة النبوية، ويشارك فيها مسلمون من جنسيات وثقافات متعددة. وهنا تتجاوز المناسبة حدود اللغة والوطن، إذ يجتمع العربي والآسيوي والأفريقي والأوروبي والأميركي على محبة نبي واحد ورسالة واحدة.
وإذا كان المسلمون يستذكرون المولد في مناسبة سنوية، فإن القيمة الأعمق للمناسبة لا تكتمل بالاحتفال وحده، وإنما بالسؤال: ماذا بقي من أخلاق المصطفى ﷺ في حياتنا اليومية؟ فالاقتداء به يعني الصدق حين يصبح الكذب أسهل، والأمانة حين تتعارض مع المصلحة، والرحمة بالضعيف، والإحسان إلى الجار، وبر الوالدين، وصلة الرحم، وإطعام المحتاج، والعفو عند المقدرة، والعدل حتى مع من نختلف معه.
وفي عالم يعيش الحروب والانقسامات والكراهية والعنف، تبدو الإنسانية أحوج ما تكون إلى قيم الرحمة والعدل والتسامح التي حملتها الرسالة المحمدية. إن الاحتفال الحقيقي بمولد المصطفى ﷺ هو أن تتحول محبته من كلمات إلى أخلاق، ومن أناشيد ومجالس إلى عمل، ومن ذكرى عابرة إلى منهج حياة.
وفي هذه الذكرى المباركة، نتقدم إلى المسلمين في الولايات المتحدة والعالم العربي والإسلامي وإلى المسلمين في كل مكان بأصدق التهاني، سائلين الله سبحانه وتعالى أن يعيدها على الأمة بالأمن والسلام والخير، وأن يجمع القلوب، ويفرج عن المظلومين والمنكوبين، وأن يجعلنا ممن يقتدون بسيرة نبيه الكريم.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وكل عام والأمة الإسلامية بألف خير بمناسبة ذكرى مولد سيد الخلق محمد ﷺ.
الإعلامي ياسين نجار – جريدة المدار نيوز – نيويورك الولايات المتحدة الأمريكية