بين الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية وبناء الدولة الحديثة: قراءة في منجزات الثورة وإرثها بعد أربعة وسبعين عاماً
23 يوليو 2026 – نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية
يحتفل المصريون اليوم بالذكرى الرابعة والسبعين لثورة 23 يوليو 1952، وهي الثورة التي قادها تنظيم الضباط الأحرار وأسقطت حكم الملك فاروق، ثم مهّدت لإلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية في 18 يونيو 1953. وقد ارتبط اسم الثورة في الذاكرة الوطنية المصرية بالرئيس محمد نجيب، أول رئيس للجمهورية، وبجمال عبد الناصر الذي أصبح لاحقاً أبرز قادتها وصاحب المشروع السياسي والاجتماعي الذي طبع مرحلة كاملة من تاريخ مصر والعالم العربي.

جاءت الثورة في ظروف اتسمت بتزايد الغضب الشعبي من استمرار النفوذ البريطاني، واتساع الفوارق الاجتماعية، وهيمنة كبار الملاك على الأراضي الزراعية، وضعف الحياة الحزبية، إضافة إلى آثار حرب فلسطين عام 1948 وما كشفته من خلل سياسي وعسكري. ومنذ أيامها الأولى أعلنت الثورة ستة أهداف رئيسية: القضاء على الاستعمار وأعوانه، والقضاء على الإقطاع، والقضاء على سيطرة رأس المال على الحكم، وإقامة جيش وطني قوي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة.
كان الإصلاح الزراعي من أبرز الخطوات المبكرة، إذ حُددت الملكية الزراعية وأعيد توزيع مساحات من الأرض على صغار الفلاحين، ما ساهم في تقليص نفوذ طبقة كبار الملاك ومنح شرائح واسعة شعوراً بالمشاركة والكرامة الاجتماعية. كما توسعت الدولة في مجانية التعليم، وفتحت الجامعات والمدارس أمام أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة، ووسعت التوظيف في مؤسسات الدولة والقطاع العام.

وعلى المستوى السياسي والوطني، نجحت مصر في التوصل إلى اتفاق جلاء القوات البريطانية، ثم اتخذ جمال عبد الناصر قرار تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956، وهو القرار الذي أدى إلى العدوان الثلاثي من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. ورغم الخسائر العسكرية، خرجت مصر من الأزمة بانتصار سياسي كبير وبسيادة كاملة على القناة، وأصبح عبد الناصر رمزاً للتحرر الوطني في العالم العربي وإفريقيا وآسيا.
كما ارتبطت الثورة بمشروعات كبرى، وفي مقدمتها بناء السد العالي الذي ساهم في تنظيم مياه النيل، وتوليد الكهرباء، وتوسيع الرقعة الزراعية، وحماية البلاد من أخطار الفيضان والجفاف. وشهدت تلك المرحلة توسعاً في الصناعة الثقيلة، وإنشاء المصانع وشركات القطاع العام، وبناء قاعدة إنتاجية وطنية، إلى جانب دعم حركات التحرر في الجزائر واليمن وعدد من الدول الإفريقية.

لكن قراءة تاريخ الثورة بموضوعية تقتضي أيضاً الإشارة إلى الجوانب التي أثارت انتقادات واسعة. فقد أدى حل الأحزاب وإلغاء التعددية السياسية إلى تركيز السلطة في يد الدولة، وتراجعت مساحة الحريات العامة وحرية الصحافة، واتسع دور الأجهزة الأمنية. كما واجه الاقتصاد الموجه مشكلات البيروقراطية وضعف الكفاءة، وتعرضت التجربة لصدمة قاسية بعد هزيمة يونيو 1967، التي كشفت أخطاء في الإدارة السياسية والعسكرية.
ومع ذلك، يصعب إنكار أن ثورة يوليو أحدثت تحولاً جذرياً في بنية المجتمع المصري، وأنهت حقبة الملكية والنفوذ الأجنبي، ورسخت مفهوم الاستقلال الوطني، ووسعت فرص التعليم والعمل، ورفعت مكانة مصر في محيطها العربي والإفريقي والدولي. لذلك يبقى تقييمها متعدد الأبعاد: فهي لدى أنصارها ثورة تحرير وعدالة وبناء، ولدى منتقديها بداية لنظام شديد المركزية دفع ثمناً سياسياً واقتصادياً باهظاً.

وفي ذكراها الرابعة والسبعين، لا ينبغي أن تكون المناسبة مجرد احتفال بالماضي، بل فرصة لقراءة التجربة بما لها وما عليها. فالدرس الأهم هو أن الاستقلال الحقيقي يحتاج إلى دولة قوية ومؤسسات فعالة، وأن العدالة الاجتماعية لا تكتمل من دون حرية ومساءلة، وأن الإنجازات الكبرى تترسخ حين يشارك المواطنون في صنعها وحمايتها. لقد غيّرت ثورة 23 يوليو وجه مصر وامتد تأثيرها إلى العالم العربي، وما زالت آثارها حاضرة في النقاش حول الهوية الوطنية، ودور الدولة، والعدالة، والسيادة.
إعداد:
الإعلامي ياسين نجار
رئيس تحرير جريدة المدار نيوز
نيويورك – الولايات المتحدة الأمريكية