هل يُقبّل باتمان سوبرمان في الفيلم القادم؟.. نخبرك كل ما نعرفه عن صفقة “نتفلكس”

أعلنت شركتا نتفلكس، ووارنر براذرز ديسكفري (WBD) عن إبرامهما اتفاقية نهائية تستحوذ بموجبها نتفلكس على الأخرى، وذلك في بيان رسمي على موقع الشركة، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة في سوق الإنتاج وصناعة الأفلام، وينذر بتغيرات كبيرة في سوق الترفيه العالمي.

ما اللافت في الأمر؟

هنالك مخاوف كبيرة على صناعة السينما، كون نتفلكس تطرح أفلامها الخاصة على منصتها، وتصدر بعضها في دور العرض لفترة بسيطة قبل إتاحتها للمشتركين على المنصة، إلى جانب التخوفات بشأن ثقافة “اليقظة” والترويج لـ”المثلية الجنسية” التي تعتمدها الشبكة.

ماذا تشمل الصفقة؟

تشمل الصفقة استوديوهات السينما، والتلفزيون التابعة لشبكة ووارنر براذرز ديسكفري (WBD) إلى جانب منصات، HBO Max وHBO.

ولا تشكل الصفقة شبكة “سي أن أن” الإخبارية وقنوات “الكابل” التي سيتم فصلها لاحقا في شركة تحت اسم “ديسكفري غلوبال” لتكون خارج الصفقة.

وعليه تحصل نتفلكس على حقوق سلاسل عملاقة كانت تنقصها، مثل هاري بوتر، وعالم دي سي (DC Comics) وتشمل شخصيات “باتمان”، و”سوبرمان”، ومسلسلات أيقونية مثل “صراع العروش” (Game of Thrones) و”الأصدقاء” (Friends).

كما أن الاستحواذ على شبكة HBO، سيضيف إنتاجات “نخبوية” إلى مكتبة الشركة.

كم تبلغ قيمة الصفقة؟

تبلغ قيمة الصفقة النقدية والأسهم 27.75 دولارًا أمريكيًا للسهم الواحد في WBD، بقيمة إجمالية للمشروع تبلغ حوالي 82.7 مليار دولار أمريكي، وتبلغ قيمة الأسهم لوحدها 72.0 مليار دولار أمريكي. 

ماذا قالوا؟

◼ قالت نتفلكس إنها تتوقع خفض التكاليف السنوية بما يتراوح بين ملياري دولار وثلاثة مليارات دولار على الأقل بحلول السنة الثالثة بعد إتمام الصفقة.

◼ أضافت نتفلكس أنها ستحافظ على طرح أفلام وارنر براذرز في دور السينما وستدعم محترفي الإبداع في هوليوود وتعزز إنتاجها في الولايات المتحدة.

◼ قال الرئيس التنفيذي المشارك لنتفلكس تيد ساراندوس: لطالما كانت مهمتنا ترفيه العالم ومن خلال الجمع بين مكتبة وارنر براذرز الرائعة من المسلسلات والأفلام مع مكتبة نتفلكس، يمكننا أن نمنح الجماهير المزيد مما يحبونه، ونساهم في رسم ملامح القرن القادم من سرد القصص.

◼ قالت نقابة الكتاب الأمريكيين في بيان “يجب منع هذا الاندماج… قيام أكبر شركة بث في العالم بابتلاع أحد أكبر منافسيها هو ما صُممت قوانين مكافحة الاحتكار لمنعه”.

◼ قالت منظمة “سينما يونايتد” العملاقة التي تدير آلاف شاشات العرض عالميا: الصفقة قد تقضي على 25 بالمئة من أعمال دور العرض محليا.

◼ قالت نقابة المخرجين الأمريكيين: سنجتمع مع نتفلكس لتوضيح مخاوفنا وفهم رؤيتهم لمستقبل الشركة بشكل أفضل.

صفقات مشابهة

◼ استحواذ ديزني على “توينتي فرست سينتشري فوكس” (21st Century Fox) عام 2019.

القيمة: حوالي 71 مليار دولار.

اشترت “ديزني” استوديو “توينتي فرست سينتشري فوكس” وحصلت على مكتبة كبيرة فيها إنتاجات ضخمة مثل , Avatar, The Simpsons، وشخصيات من عالم مارفل (إكس مين، وفانتاستك فور) وضمتها إلى منصتها “ديزني بلس”.

◼ استحواذ أمازون على “إم جي إم” (Amazon & MGM) – عام 2022

القيمة: 8.5 مليار دولار.

اعتبرت الصفقة أول إشارة قوية على أن “شركات التكنولوجيا” مثل أمازون يمكنها أن تلتهم “استوديوهات هوليوود القديمة”، وحصلت منصة أمازون برايم بالصفة على حقوق سلسلة أفلام أبرزها “جيمس بوند” (James Bond).

مخاوف بشأن الهوية الجنسية 

كما هناك تخوفات بأن تتجه نتفلكس في نسخ مقبلة من السلاسل الشهيرة إلى إدخال المزيد من الشخصيات المثلية حيث تقول الشركة صراحة إنها ملتزمة في إنتاجاتها بـ”الشمولية” لا سيما بخصوص التوجهات الجنسية.

وتظهر بيانات نتفلكس خلال الفترة بين 2018 و2023 ما نسبته 5.5 في المئة من الشخصيات الرئيسية او المشاركة في الأفلام من مجتمع الميم، و4.9 في المئة من طاقم التمثيل العام، فيما بلغت نسبة الشخصيات الناطقة 2.2 في المئة خلال المدة نفسها.

وسجلت مسلسلات نتفلكس خلال الفترة ذاتها تمثيلا أعلى، حيث بلغ حضور الشخصيات الرئيسية والمشاركة من مجتمع الميم 33.4 في المئة، وبلغت النسبة ضمن طاقم التمثيل العام 7.6 في المئة، فيما وصلت الشخصيات الناطقة الى 3.9 في المئة من إجمالي الشخصيات.

ومن أبرز منتقدي الإنتاجات التي تركز على “المثلية الجنسية” الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمقربون منه على رأسهم إيلون ماسك الذي ألغى اشتراكه في المنصة بسبب “أجندة اليقظة” والمتحولين جنسيا، التي تتبناها الشبكة.

وبحسب صحيفة “نيويورك بوست” فقد ناقش كبار مسؤولي البيت الأبيض مؤخرا مخاوف مكافحة الاحتكار المتعلقة بصفقة نتفلكس واستوديو وارنر براذرز بدعوى أنها ستمنح نتفلكس سلطة كبيرة على هوليوود.

ونقلت عن مسؤول حكومي قوله: “ستكون رحلة طويلة وستثير تحقيقا على غرار تحقيق غوغل وأمازون.”

ونقل موقع “فاندوم واير” عن مسؤول في “البنتاغون” أن الوزارة لن تخضع لمعايير أيدولوجية، وذلك ردا على فيلم عسكري من إنتاج نتفلكس يركز على “المثلية الجنسية”.

“طنجرة وجدت غطاءها”

تحتوي إنتاجات “وارنر براذر” ومن ضمنها عالم “دي سي” بالأساس على قائمة طويلة من الشخصيات المثلية جنسيا، أو المتحولة جنسيا، بدأت بالظهور في الثمانينيات لا سيما في القصص المصورة “الكوميكس”، وحتى الآن.

لكن صورة الأبطال مثل باتمان وسوبرمان بقيت في الأفلام الرئيسية دون مساس بهويتها الجنسية – حتى الآن على الأقل – وكانت إنتاجات القصص المصورة أكثر إبرازا لمجتمع الميم من الشاشة، لكن ربما يكون لنتفلكس لاحقا رأي آخر.

ودون المساس بالأب البطل، صورت “قصص دي سي” في أحد قصصها المصورة عام 2021، ابنه جون كينت، على أنه مثلي الجنس بصورة له يقبل الصحافي جاي ناكامورا، واعتبرت أن من شأن ذلك أن يعزز “التنوع”.

ماذا ننتظر؟

من المتوقع إتمام الصفقة بعد فصل قسم الشبكات العالمية التابع لشركة WBD، ديسكفري غلوبال، إلى شركة جديدة مدرجة في البورصة، والذي من المتوقع اكتماله في الربع الثالث من عام 2026.

العراق يخطط لمتحف حضاري جديد لإحياء مهد الحضارات

بغداد – أعلن وزير الثقافة والسياحة والآثار العراقي أحمد فكاك البدراني السبت، أن العراق بصدد الشروع في إنشاء متحف حضاري جديد على مساحة واسعة لعرض آثار متنوعة تمتد لآلاف السنين من تاريخ حضارة وادي الرافدين. وجاء هذا الإعلان خلال كلمة ألقاها الوزير في مؤتمر “شمولية المقاصد السياحية المعاصرة” المنعقد في بغداد بالتعاون مع جامعة الدول العربية والمنظمة العربية للسياحة، وبحضور ممثلين رسميين وشخصيات ثقافية وأكاديمية.

وقال البدراني في كلمته إن العراق يمتلك من المقومات الحضارية ما يجعله واحداً من أهم البلدان السياحية والثقافية في العالم، لكنه يحتاج إلى خطاب جديد وسياقات حديثة توظف تلك المقومات ضمن سياحة مستدامة، عربية ودولية. وأوضح أن الآثار ليست مجرد مقتنيات حجرية أو شواهد تاريخية، بل تمثل جذور الأمم ورمز أصالتها، وأن قدرتها على استقطاب الزوار مرتبطة بمدى نجاح المؤسسات الثقافية في تحويل الإرث التاريخي إلى تجربة سياحية حية وفاعلة.

وكشف عن اختيار موقع كبير سيُخصص لبناء المتحف الجديد، مؤكداً أن ما يملكه العراق في مخازنه من آثار يفوق بكثير ما هو معروض حالياً للجمهور، مشيرا إلى أن بلده يستعيد تدريجياً آلاف القطع الأثرية التي نُهبت في مراحل الاضطراب السياسي والأمني، وأن المتحف المرتقب سيكون منصة لعرض جزء مهم من هذه الكنوز، بما يعيد إلى الواجهة صورة العراق بوصفه مهد الحضارات البشرية الأولى.

ويأتي هذا الإعلان في سياق رغبة حكومية واضحة لإعادة الاعتبار للقطاع الثقافي والسياحي بعد سنوات طويلة من الإهمال والتحديات الأمنية والاقتصادية. فالعراق، على الرغم من كثافة الإرث الحضاري الممتد من سومر وأكد وبابل وآشور حتى العصور الإسلامية، ما يزال يفتقر إلى بنية متحفية متكاملة قادرة على استيعاب الكم الهائل من القطع الأثرية المحفوظة في المستودعات الرسمية.

وفي حديثه أمام المشاركين في المؤتمر، شدد البدراني على أن تعزيز السياحة الثقافية يتطلب رؤية شاملة تتجاوز فكرة العرض المتحفي التقليدي. فبعض مدن العالم – كما قال – تحولت بأكملها إلى متاحف مفتوحة، مما يجعل السياحة عنصرًا فاعلاً في الاقتصاد الوطني، مؤكدا أن صيانة المواقع الأثرية وترميمها ليست أعمالاً تقنية فحسب، بل تشكل مقصداً سياحياً بحد ذاته، وتسهم في بناء صورة حضارية متماسكة للدولة.

ولم يكتف الوزير بالحديث عن الجانب اللوجستي، بل تطرق إلى بُعدٍ آخر في حماية الآثار، موضحاً أن حماية المواقع الأثرية لا تقتصر على الدور الأمني أو انتشار قوات الشرطة، بل تشمل قبل كل شيء تعزيز وعي المواطن بقيمة الإرث التاريخي الذي يمتلكه. فالمواطن – بحسب تعبيره – يجب أن يكون أول من يحمي الآثار ويدافع عنها باعتبارها جزءاً من هويته الوطنية.

وأشار البدراني إلى أن العراق تمكن خلال السنوات الأخيرة من استعادة آلاف القطع الأثرية التي نُهبت خلال مراحل الانفلات الأمني، خصوصاً بعد عام 2003 وما تلاه من فترات عصفت فيها أحداث جسيمة بالبلاد. واعتبر أن جهود الاستعادة لم تكن مجرد عمليات تقنية أو دبلوماسية، بل تمثل استرداداً لجزء من ذاكرة العراق وعمقه التاريخي الذي حاولت الحروب والاضطرابات محوه أو تشويهه.

ومن هذا المنظور، يبدو المتحف الجديد امتدادا عملياً لتلك الجهود، فهو ليس مجرد مبنى حديث يضم قطعاً أثرية، بل تجسيد لمشروع وطني يرمي إلى ترميم الذاكرة العراقية وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة وللعالم.

ويمثل إعلان وزير الثقافة خطوة لافتة في مسار التحول الذي تحاول الحكومة العراقية رسمه في المشهد الثقافي والسياحي. فالعراق، الذي لطالما كان معبراً لتاريخ البشرية، يحتاج اليوم إلى مقاربة جديدة تستثمر إرثه الهائل في تطوير صناعة سياحية تدر دخلاً مستداماً وتُسهم في تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد شبه الكامل على النفط.

ثمة إدراك متزايد بأن الثقافة ليست ترفاً أو مجرد قطاع رمزي، بل رافعة تنموية حقيقية إذا ما أُديرت على نحو حديث ومتقن. ويشير إعلان المتحف إلى توجه نحو بناء مؤسسات ثقافية متقدمة تواكب المعايير العالمية وتستجيب لتطلعات الجمهور المحلي والزائرين الأجانب على حد سواء.

كما يبدو الإعلان منسجماً مع مساعٍ رسمية لترسيخ صورة العراق كمنصة حضارية عربية وإقليمية، خصوصاً مع تزايد اهتمام المنظمات الدولية والجامعات الأجنبية بالآثار العراقية ومواقعها المنتشرة في مختلف المحافظات. ومن شأن متحف جديد أن يشكل واجهة دبلوماسية ثقافية، ويعزز حضور العراق في الفضاء العالمي عبر “قوة ناعمة” تعتمد على التاريخ والثقافة والهوية.

غير أن الطريق أمام هذه الرؤية ليس سهلاً، فإقامة متحف حديث نِدّاً للمتاحف العالمية يحتاج إلى منظومة متكاملة من الكفاءات، والبنية التحتية، والقوانين الرادعة لحماية الآثار، إلى جانب بيئة أمنية مستقرة. كما يتطلب تطويراً في خدمات السياحة، من النقل والإيواء إلى الإعلام والتوعية المجتمعية.

لكن في المقابل، يملك العراق فرصة نادرة لإطلاق مشروع ثقافي نوعي قد يساهم في إعادة تشكيل نظرة العالم إلى البلاد، بعيداً عن صور الحرب والنزاعات. فالمتحف الجديد، إذا ما اكتمل وفق رؤية متقدمة، يمكن أن يصبح مركزاً للبحث والتعليم والسياحة، ومقصداً يعيد للعراق مكانته كحاضنة للحضارة الإنسانية.

التسامح وبلوى التفسّخ

شهدت مقولة التسامح جملة من التطورات، منذ تداول المفهوم في الأوساط الدينية والسياسية والمعرفية في أوروبا، مع مستهلّ الحقبة الحديثة. وبدا ترسيخ المفهوم حينها، في أوضاع مشحونة بالنزاعات والانقسامات، سبيلًا للخروج من دوّامة الفوضى التي ألمّت بالقارة مع بروز الانشقاقات البنيوية الكبرى في التفكير والتصورات، جرّاء الموقف من الحداثة والعلمنة، وجرّاء ما طرأ على مفهوم الدولة من تبدّل، وما صاحبه من هجران لمفهوم الرعية وانفتاح على مفهوم المواطَنة.

بدا التسامح المنطوي على دلالات مغرية، مثل العفو، والتساهل، والاحترام، والكرامة، والقبول بالمغايرة وغيرها، سفينة النجاة للخروج من أوضاع الضيق والانغلاق والمركزية. وتجلى ذلك “في مديح التسامح” وفي رسائل “الحثّ على التسامح” التي دبجها كثير من الرواد في المجال، أمثال جون لوك، وباروخ سبينوزا، وفولتار وآخرون، ولكنّ ذلك الطور التأسيسي المثقل بالمخاوف والوعود، كان في واقع الأمر التمهيدَ الرخو الذي سار باتجاه التوليد النظري للمفهوم ثانية.

فمع الطور الثاني لمفهوم التسامح وقد خرج فيه من الحيز الغربي، والأوروبي تحديدا، إلى مجال عانقَ فيه العالمية والكونية، هو ما طبع صلة مفهوم التسامح بعالمنا مع القرن الفائت، وما خلّفه من تشبّث جملة من المعنيين بشؤون الأديان والحضارات باستعادة وعود المفهوم المغرية. بدا التسامح لغة جديدة، وسبيلا للتواصل بين علماء ورجال دين في تقاليد إيمانية عدّة، في زمن تقارب فيه أتباع الأديان، وتسارعت فيه المطالب بصياغة لغة جديدة، تتقلّص منها عبارات الهيمنة والأفضلية لمعتقد بعينه، ليعلوَ بدلها التطلّع إلى نحت “إيتيقا” مغايرة تهدف إلى إرساء التأسيسات اللازمة لإشاعة وئام جامع. تميّزَ الحديث عن التسامح، في هذا الطور الثاني، بالتعويل على تجديد الخطاب، من خلال البحث عن حيز للآخر في رحابة اللاهوت الذاتي، وفي التمثلات الثقافية بعيدا عن الانغلاق. صيغت مراجعات مهمّة في تشريعات الأديان الكبرى، لاحت آثارها في انفتاح القائمين على الأديان الإبراهيمية، على بعضهم البعض، بشكل لم نعهده. بدا ذلك جليا في مقرّرات مجمع الفاتيكان الثاني (1962/1965) في الكنيسة الكاثوليكية، وما تمخّض عنه من طروحات مستجدّة كان لها وقع على الأديان الأخرى.

والواقع أن رجال الدين والفقهاء والعلماء في شتى التقاليد الدينية، لم يدّخروا جهدا في هذا السياق. خاضوا في مسائل على صلة باستيعاب الآخر، مواكَبةً للتحولات في العالم، مع شيوع مبادئ حقوق الإنسان، وترسّخ فكرة المواطَنة، وتداخل الجغرافيات الدينية. وبالمثل اشتغل كثير من المفكرين على مراجَعات وانتقادات لطروحات الانغلاق المتراكمة عبر قرون، بغرض التأسيس لوئام جماعي ووفاق إيماني، يخرج بمقتضاه التصوّر الديني من ضيق المركزية العقدية إلى رحابة التشاركية الإيمانية، بما يفسح المجال للآخر بالحضور والإسهام في النسيج المجتمعي. الأمر تطلّبَ مراجَعات فقهية ولاهوتية هائلة: برز في المسيحية الاشتغال على “لاهوت الأديان” وعلى مفهوم “الحرية الدينية” من الأمور اللازمة لمواكبة العصر، ولإيجاد لغة تقطع مع الانغلاق الذي تلخّص في المقولة القروسطية “لا خلاص خارج الكنيسة”. وفي الجانب الإسلامي بدا الاشتغال على البحث عن “كلمة سواء”، عبر مراجعات طالت مفاهيم مترسّخة مثل أهل الذمّة وأهل الكتاب وضوابط فقهية متقادمة. ولاح الاشتغال هدفا منشودا للحفاظ على سلامة المجتمعات، ولإيجاد لغة تخاطُب وتواصُل مع العالم. لم تكن اليهودية بعيدة عن هذا التمشي، وجرت مراجعات مهمّة لمفهوم اليهودي، ومفهوم الغويم، ترافقا بالبحث عن نصب خيمة إبراهيم مجددا في مفترق الطرقات لاحتضان الجميع. وقد تطلّب الأمر جرأة عالية من العقل الديني: اللاهوتي/ الفقهي/ الحبري، الذي عانى من تراكمات هائلة، بحثًا عن تعامل سويّ في عالم ديني جديد. والملاحظ بشأن خطاب التسامح في هذا الطور، في الأديان الثلاثة، أنّ التراث الصوفي، قد مثّل عنصرا لافتا في إبراز قدرة الأديان على التسامح، وعلى الخروج من البراديغمات المنغلقة، أعاد للذات المؤمنة رحابتها وثقتها واحتفاءها برأسمالها القيَمي.

والمتابع لجينيالوجيا التسامح يلحظ أنّ المفهوم متحوّل وغير مستقرّ على حال، وهو بصدد ولوج طور جديد يضعنا فيه مسار التحول أمام مطلب جوهري يتمثّل في الإجابة عن سؤال: كيف نسكن العالم؟ فاللافت أن مفهوم التسامح قد اشتكى مع أواخر الألفية الثانية من بلوى التفسّخ، وهو داء متربّص يصيب المفاهيم بالابتذال والخواء، أو ما يشبه الشيخوخة، والأمر عائد بالأساس إلى حالة الجمود وغياب تطوير الدلالات، وعدم الانتقال بالمفاهيم من طور خُلقي إلى طور عملي، ومن مستوى عاطفي إلى مستوى مؤسّساتي. فحين يجتاز المفهوم اختبار الولادة الثانية، يثبت حينها جدارته وديمومته، وهو المصير نفسه الذي عرفته مفاهيم كبرى رافقت البشرية في رحلتها، مثل الديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان. وما كان لتلك المفاهيم وغيرها أن يُكتب لها الاستمرار لولا تلك التحولات والمراجعات والقطائع التي شهدتها.

وفي مسيرة تحول مفهوم التسامح، جرى البحث عن بدائل طورًا في التفاهم، وتارة في التضايف، وأخرى في التعايش، وهو بحث قلق ومشروع، ولكن الملاحظ أن التسامح ظلّ البؤرة الدلالية الأم التي يستند إليها السلم والأمن والأخوّة والحوار. والطور الحالي الذي نعيشه يُلزم بالخروج من “مديح التسامح” إلى “تمكين التسامح”، والبحث عن تنزيل مضامينه ضمن سياقات معرفية وإجراءات عملية. فأمام التقارب الهائل بين البشر، من شتى المعتقدات والثقافات، باتت جملة من التساؤلات ذات الصبغة العاطفية، في السابق، مدعوة للتحول نحو صبغة إجرائية. ولذلك أضحى طورُنا الحالي في فهم التسامح معنيا أكثر بالتحول من التسامح الخُلقي إلى التسامح العملي.

فمع التغيرات التي شهدها عالمنا منذ مطلع الألفية الثالثة، من ثورة الاتصالات الخارقة إلى موجات الهجرة العارمة، بدا موضوع التعدّدية محفّزا للأديان للتشبّث بمقولة التسامح وترسيخ أبعادها في المعيش اليومي وفي السلوك العملي. واللافت أنّ زمن التعدّدية الذي نعيشه يُلزم بإعطاء دلالات حقيقية لمفاهيم كانت في ما مضى نظرية أو ضبابية، أو مشحونة بدلالات خُلقية مفتقرة إلى بُعد عملي.

لماذا باتت الحاجة ملحّة إلى التسامح العملي في الزمن المعولم؟ نلحظ في غياب التسامح المؤثّر في نسيج المجتمعات أن جموعا واسعة تجد نفسها أمام وحش التشدّد، ودوّامة العنف، وانخرام القِيم، وهي مهالك تتربّص بمنجزات قيّمة تحقّقت في مجال التقارب بين البشر. لذا يلوح التسامح العملي بمثابة القدرة التنفيذية لتفادي مغبة التراجع عمّا تحقق للبشرية من إنجازات على مستوى كوني. والمتمعّن في تطوّر مفهوم التسامح يلحظ أن تشبّث البشرية بالتسامح وإصرارها عليه يأتي كلاهما جراء إدراك تلك الحاجة عقليا. فكما يقول كانط في ذلك المقطع الشهير في رسالة “السلام الدائم” حتى الشياطين، أو الأفراد الأنانيين للغاية، يحتاجون إلى الدولة، بشرط أن يكونوا عقلانيين، وعلى المستوى الدولي يحتاجون إلى جمهورية عالمية. يحتاجون إلى الدولة، بمعنى تقبل الجموع بنظام يرعى سير العلاقة بينهم، وهو أمر نابع من حاجة اضطرارية لأداة تنظّم سير العلاقة بين الجميع، لأن في انتفاء تلك الأداة يتهدّد كيان الجميع، وبالتالي ضرورة تقليص الجميع من رصيد الأنانية والتفكير بمنظور جمعي.

من هذا الاضطرار العقلي أو الحاجة العقلية، كما يبيّن كانط، يلوح التسامح في ظرفنا التاريخي الحالي مقبلا على تبدلات بحجم التحديات الكبرى، تسير صوب التمكين العملي.

إعلان الحرب ضد التفاهة لتصحيح صورتنا الاجتماعية

لم تعد التفاهة في المغرب مجرّد محتوى عابر يُستهلك وينسى في اليوم ذاته، بل أصبحت أشبه بطبقة كثيفة من السحاب الرقمي تحجب ملامح مجتمعنا المغربي الأصيل، وتشوه صورته أمام العالم، وتخلق واقعًا موازياً لا يمتّ بصلة إلى حقيقة المغاربة ولا إلى عمق حضارتهم التليدة . وحين تتحول السوشيال ميديا إلى ماكينة ضخمة تعيد تدوير السطحية، وتدفعها إلى واجهة الترند، يصبح خوض “الحرب على التفاهة” ضرورة اجتماعية وأخلاقية وثقافية، لا مجرد خيار نقدي عابر.

لقد عرف المغرب، خلال العقد الأخير، صعودًا لافتا ومربكًا لفئة من “المؤثرين” الذين اقتحموا المشهد الافتراضي من بوابة الإثارة الرخيصة، والمتاجرة في الأجساد، واستثمار الدين، وتدوير الخرافات، وتضخيم الفضائح، وتقديم صورة نمطية ومشوّهة عن وطن مترامي التاريخ ومتعدد الأصوات. فبدل أن تكون المنصات الرقمية امتدادًا لنبض المجتمع، أصبحت في كثير من الأحيان مرآة كاذبة ومصقولة بيد من يبحث عن الربح السريع، ولو على حساب القيم والذوق العام والأمن الرمزي للوطن.

أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لم تعد محصورة في دائرة الفرجة القصيرة العمر والرخيصة، بل تحولت إلى آلية تصنع إدراكًا جماعيًا جديدًا. فالجيل الذي يفتح عينيه كل صباح على فيديوهات تُروّج للجنس المبطّن والعلني والابتزاز العاطفي، والفضائح المفتعلة، وتقدّم نماذج سريعة للغنى والشهرة، سيتشرّب، بوعي أو من دون وعي، قيمًا جديدة تستبدل الاجتهاد بالاستعراض، والمعرفة بالصراخ، والمهارة بالفضيحة. وبذلك يصبح المؤثر التافه أكثر تأثيرًا من المعلم، وأكثر حضورًا من الكاتب، وأكثر سلطةً من الصحافي.

ولم تقف موجة التفاهة عند هذا الحد، بل ظهرت فئة أخرى عميقة الضرر: تجار الدين. أولئك الذين يمزجون الفتوى بالتسلية، ويحوّلون الخطاب الديني إلى عرض مباشر، يبيعون فيه الطمأنينة بسرعة “اللايك” ويخلطون بين الموعظة والتسويق. وبموازاة ذلك انتشرت موجة من المشعوذين الرقميين، من قارئي الطالع إلى مفسري الأحلام ومدّعي العلاج بطاقة الرقية الشرعية، الذين يكرّسون العقلية القدرية ويقوّضون أسس التفكير العلمي ويستغلون هشاشة الناس من أجل المزيد من الأرباح.

وفي الجانب الأكثر قتامة، يقف المؤثرون الذين يتاجرون بسمعة المغرب نفسه. منهم من يختلق مأساة اجتماعية، ومن يضخّم واقعة بسيطة ويحوّلها إلى “فضيحة دولة”، ومن يعرض حياته الخاصة وخصوصيات الآخرين للبيع العام، غير مدركً أنّ العالم يراقب وأن الصورة التي سينقلها قد تتحول إلى عنوان إعلامي في الخارج. هؤلاء لا يقدمون محتوى، بل يقدمون “تشويهًا” ممنهجًا للبلد وللإنسان المغربي، في لحظة تحتاج فيها المملكة إلى تعزيز صورتها الدولية الصافية، لا إلى تدميرها من داخل فضاء افتراضي منفلت.

وهكذا يصبح المشهد المغربي محاصرًا بجيش من التافهين الذين يمارسون تأثيرًا معكوسًا: تأثيرًا يهدم ولا يبني، يخدر ولا يحرر، يجرّ إلى الخلف بينما يتقدم العالم نحو اقتصاد المعرفة والابتكار. ومن هنا تنبع الحاجة إلى «الحرب على التفاهة» بوصفها حركة تصحيحية شمولية: حماية للذوق العام، وصيانة للقيم، وترميمًا للصورة العالمية للمغرب، وتحصينًا للأجيال الجديدة من اقتصاد الوهم.

الحرب على التفاهة لا تعني الرقابة القمعية، ولا خنق حرية التعبير، بل تعني بناء جدار من الوعي، وتعزيز التربية الإعلامية في المدارس، وإحياء دور القراءة والفنون والفكر النقدي، وتشجيع المحتوى الهادف الذي يكرّم الإنسان بدل استغلاله، ويعكس المغرب بعمقه وتنوعه بدل اختزاله في مشهد مثير للشفقة. وتعني أيضًا أن تتحمل الدولة مسؤوليتها في ردع خطاب الكراهية والعنف والإساءة للقاصرين، وتحيين المنظومة القانونية المرتبطة بالمنصات الرقمية، ومراقبة الأموال المجهولة التي تتحكم في “ترندات” موجهة ومشبوهة.

كما أن للمجتمع المدني دور جوهري في هذه الحرب، من خلال إطلاق مبادرات للنقد الثقافي، ودعم صناع المحتوى الجاد، وفضح الممارسات التي تستغل هشاشة الجمهور. كما أن للصحافة المهنية مسؤولية مضاعفة في تقديم أطروحة مضادة للسطحية، وفي تعويض الفراغ الذي سمح للتفاهة بأن تتمدد وتبتلع الفضاء العمومي.

إن “الحرب على التفاهة” ليست صراعًا ضد أفراد بقدر ما هي مواجهة مع بنية ثقافية بدأت تتمدد على حساب المعرفة الهادفة. وهي معركة دفاع عن صورة المغرب في الخارج، وعن كرامة المواطن في الداخل، وعن مستقبل الأجيال التي تستحق فضاءً رقميا يمنحها الأمل لا العطب، والمعرفة لا الخرافة، والقدرة على صنع المستقبل لا الهروب منه.

وحين يتم ترسيخ هذه الرؤية، لن يكون هدفنا فقط محو التفاهة، بل إعادة بناء المعنى، وإعادة الاعتبار للمبدعين والمثقفين والباحثين والمربين، حتى يصبح التأثير قيمة تُنتج معرفة، لا سوقًا تُساوم ويتاجر فيها الفضائح.

تراجع اللغة العربية لدى أطفال السوريين في المهجر وأزمة الهوية

  • اللغة العربية بين الغياب والهوية: تحدّي الأجيال السورية في المهجر

حين نرى أطفالنا يتحدثون الألمانية بطلاقة، ونكتشف أن العربية أصبحت لغة غريبة عنهم، يدقّ جرس الخطر في قلوبنا. فهذه ليست مجرد مسألة لغوية، بل قضية وجودية ترتبط بالهوية والانتماء. اللغة الأم هي وعاء الذاكرة، وجسر الحضارة، وأساس التواصل بين الأجيال، ومع فقدانها قد نفقد جيلا كاملا من أبنائنا لا يعرف جذوره ولا تاريخ وطنه.

الطفل الذي يفقد لغته الأم يفقد جزءا من ذاته، ويصبح أقل ارتباطا بموروثه الثقافي. وعلى المدى الطويل، قد ينشأ جيل يشعر بالغربة عن جذوره، حتى داخل أسرته.

الظاهرة المؤلمة

من خلال زياراتي لعدد من العائلات السورية في أوروبا، لاحظت مشهدا مقلقا: أطفالا يجيبون عن أسئلة آبائهم بالألمانية، ويطلبون ترجمة الكلمات العربية، ولا يستطيعون تسمية أبسط الأشياء بلغتهم الأم. الآباء، أحيانا بدافع الراحة أو حسن النيّة، يستخدمون الألمانية مع أبنائهم، ظانّين أن ذلك يسهّل التواصل، لكنهم في الحقيقة يضيفون حجرا جديدا في طريق فقدان اللغة.

أسباب التحدّي
  • البيئة الأوروبية المهيمنة باللغة الألمانية: المدرسة، الإعلام، الأصدقاء.. كل شيء يفرض لغة غير العربية.
  • غياب برامج تعليمية عربية موجّهة للأطفال: فلا مدرسة ولا ناديَ ثقافيا يساند لغتهم ويعزّز حضورها.
  • تراجع الأهل عن استخدام العربية في البيت: الاعتماد على الألمانية يجعل اللغة الأم ضعيفة وغير حية في أذهان الأطفال.
الأثر على الهوية

اللغة ليست مجرد كلمات، بل هي حضارة وتاريخ وقيم وعادات. الطفل الذي يفقد لغته الأم يفقد جزءا من ذاته، ويصبح أقل ارتباطا بموروثه الثقافي. وعلى المدى الطويل، قد ينشأ جيل يشعر بالغربة عن جذوره، حتى داخل أسرته.

اللغة العربية ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي الوطن الذي يحمله الأطفال في قلوبهم أينما كانوا. فلنكن، نحن الأهل، حراسها، ولنعمل جميعا على أن تبقى حيّة في حياة أبنائنا، بدءا من البيت، ومن كل كلمة ننطقها بالعربية

الحلول العملية والإجراءات
  • تعليم اللغة العربية يوميا في البيت والمدرسة: عبر القراءة والكتابة والمحادثة، وجعل العربية جزءا من الحياة اليومية.
  • استخدام أفلام الكرتون العربية بدلا من الأجنبية: ليكتسب الأطفال مفردات جديدة وينغمسوا في العربية الفصحى بأسلوب ممتع.
  • تعليم القرآن الكريم: من خلال مادة الرشيدي ثم تعلم التجويد، بما يعزّز اللغة ويفتح باب فهم النصوص العربية الأصيلة.
  • إحياء الموروث الشعبي ورواية القصص والملاحم: لتعميق ارتباط الأطفال بجذورهم وهويتهم الثقافية.
  • تحفيظ الشعر العربي: لزيادة المخزون اللغوي، وتقوية النطق، وجعل العربية جزءا حيا من الحياة اليومية.
  • البيت أول معقل لمواجهة الظاهرة: عبر التزام الآباء بالحديث بالعربية مع أبنائهم، وتشجيع الأطفال على استخدامها في مختلف مواقفهم اليومية.

إن فقدان اللغة العربية يعني فقدان الهوية، وفقدان الهوية يعني ضياع الجيل. نحن أمام مسؤولية أخلاقية وتربوية عظيمة: حماية اللغة، والحفاظ على الجذور، وتمكين أطفالنا من انتماء ثقافي حقيقي لوطنهم وأمتهم.

فاللغة العربية ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي الوطن الذي يحمله الأطفال في قلوبهم أينما كانوا. فلنكن، نحن الأهل، حراسها، ولنعمل جميعا على أن تبقى حيّة في حياة أبنائنا، بدءا من البيت، ومن كل كلمة ننطقها بالعربية، حتى لا نسمح لأي ظرف بأن يجعل جيلنا السوري غريبا عن أصله.

خليل البطران

كاتب وباحث في الشؤون السياسية والشؤون السورية

خدعوك فقالوا: الهوس بالعمل طريقك الوحيد إلى النجاح

وصفة للنجاح، طريقك لريادة الأعمال، نصائح للثراء السريع.. لو لم تصادف مثل هذا المحتوى الجذاب الذي يطارد الناس طوال الوقت في منصات التواصل الاجتماعي، فربما تكون من القلة سعيدة الحظ التي لم تفتهم كثيرا، بل وأفلتت من ضغوط نفسية تشكل أزمة جديدة تضاف إلى أزمات ما بات يُعرف بـ”إنسان السوشيال ميديا”.

من أبرز خصائص هذا المحتوى -الذي يداعب عواطف البشر وأحلامهم- هو تقديم الإرهاق على أنه وسام شرف، والإنهاك على أنه دليل على الطموح، وأن النجاح يمر بالضرورة من بوابة غير إنسانية.

لكن الحقائق والأرقام -بل والفطرة الإنسانية- تكشف أن هذه الخريطة لم تفسد فقط معاني نبيلة مثل الجد والمسؤولية والالتزام، بل إنها تقود في الغالب إلى الفشل والاحتراق، لا إلى الإنجاز وبلوغ المجد.

وحتى لا تختلط المعاني، نحتاج إلى إجابة عن سؤال مهم: ما الخط الفاصل بين الاجتهاد سعيا نحو الطموح الضروري، والتدمير الذاتي اللاهث وراء سراب النجاح المتخيل؟

الانغماس في العمل يرتبط بمشاعر إيجابية وهو مؤشر على العافية، أما إدمان العمل فيرتبط بالقهر والشعور بالذنب، وهو مؤشر على سوء التكيف.

بواسطة سيسيلي شو أندرياسين، دكتورة في علم النفس وباحثة رائدة في إدمان العمل، جامعة بيرغن.

بين الهوس المفروض والطموح الصحي

قبل الغوص في قلب الأزمة، يجب فصل أربعة مفاهيم يُخلط بينها:

  • ثقافة الكدح (Hustle Culture): ظاهرة اجتماعية خارجية تمجِّد ساعات العمل الطويلة والإنتاجية التي لا هوادة فيها كشعار شرف والمسار الأساسي للنجاح، يتم تطبيعها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وروايات ريادة الأعمال.
  • الهوس بالعمل (Workaholism): إدمان سلوكي قهري داخلي المنشأ، يُعرَّف أكاديميًا بأنه “دافع داخلي قهري لا يمكن مقاومته للعمل باستمرار، مصحوب بمشاعر سلبية مثل القلق والشعور بالذنب عند عدم العمل”.
  • الاحتراق الوظيفي (Burnout): النتيجة الحتمية لثقافة الكدح والهوس بالعمل، وهي متلازمة مهنية معترف بها من منظمة الصحة العالمية، تتميز بالإنهاك الجسدي والنفسي، وزيادة المشاعر السلبية تجاه العمل، وتراجع الشعور بالإنجاز.
  • الانغماس الوظيفي (Work Engagement): وهو ما نعتبره النظير الصحي للمفاهيم الثلاثة السابقة، وهو يتميز بالطاقة العالية والمشاركة الفاعلة والاستمتاع بالعمل، ويفتقر إلى الدافع القهري الذي يميز الهوس بالعمل.

نحن نعيش في ظل وهم جماعي مفاده أن الاحتراق الوظيفي هو الثمن الذي لا بد منه للنجاح.

الفخ: تحول الاستثناء إلى ثقافة مدمرة

من غير الموضوعي إنكار أن العمل المكثف يلعب دورا حاسما في مراحل معينة، مثل المراحل التأسيسية للمشاريع الريادية، وقتها يكون العمل ساعات كثيرة ضرورة إستراتيجية للبناء وبناء الزخم الأولي لجذب الاستثمار والعملاء. هذه المرحلة مثل مسابقات المسافات القصيرة، حيث يكون بذل أقصى طاقة لفترة محدودة أمرا منطقيا لتحقيق الإقلاع.

المشكلة لا تكمن في السباق الأولي، لكن الأزمة هي تحويل الاستثناء إلى قاعدة، والفشل في الانتقال إلى وتيرة صحية مستدامة، هنا تتحول “ثقافة الكدح” إلى فخ، حيث يصبح الجهد الظاهري بذاته غاية، بغض النظر عن النتائج أو الكفاءة.

مع الوقت تتجذر “ثقافة الكدح” كمنظومة اجتماعية خارجية تمجد الساعات الكثيرة كمعيار للنجاح. وتتغذى هذه الثقافة على “إدمان العمل” والذي تعترف به دوائر علم النفس كإدمان سلوكي.

وللأسف فإن النتيجة الحتمية هي “الاحتراق الوظيفي”، وهي متلازمة مدرجة في التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11) من منظمة الصحة العالمية، وتُعرّفها بأنها “ظاهرة مهنية” ناتجة عن إجهاد مزمن في مكان العمل لم يُدر بنجاح.

المرونة في العمل ليست مجرد ميزة للموظفين، بل هي ميزة استراتيجية حقيقية للشركات. إنها محرك رئيسي لجذب المواهب، والإنتاجية، ونمو الأعمال بشكل عام في اقتصاد اليوم.

إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى

الفكرة الجوهرية هي أن “ثقافة الكدح” تتجاهل قانونا أساسيا في الطبيعة والإنتاج، وهو قانون “العائد المتناقص”. الأمر يشبه الأرض الزراعية: إذا زُرعت بلا توقف، فإنها تُستنزَف وتفقد خصوبتها ليكون حصادها هزيلا. كذلك الإنسان، يحتاج إلى فترات راحة لا يمكن اعتبارها ترفا، بل هي  في حقيقة الأمر شرط لتجديد الطاقة والإبداع والإنتاجية.

وهذا المبدأ ينطبق حتى على الأشخاص الأكثر شغفا بعملهم. فقد يعتقد بعضهم أن الشغف وقود لا ينضب، لكنه أشبه بمحرك سيارة سباق فائق القوة، حيث يمكن لهذا المحرك أن يحقق أداء هائلا، ولكنه يولّد حرارة شديدة. إذا لم يحصل على فترات تبريد وصيانة، فإنه سيعطب وينهار.

نعم قد يمنحك الشغف قوة الانطلاق، لكن الراحة هي ما تضمن القدرة على إكمال السباق. الهدف ليس إطفاء المحرك، بل الحفاظ عليه ليعمل بأقصى كفاءة على الأمد الطويل.

وربما يمكننا أن نجد تلخيصا لهذا المعنى في الحديث النبوي الشريف “إِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى”؛ فمن يركض بلا توقّف يخسر الوسيلة والغاية معا.

هناك أزمة صامتة من المعاناة تؤثر على العمل في كل مكان، وإذا لم يتم التعامل معها، فستكون لها عواقب وخيمة على الاقتصادات والمجتمعات.

الفاتورة المُحققة: التكلفة البشرية والاقتصادية بالأرقام

بعيدا عن الجوانب الإنسانية -والتي لا يمكن تجاهلها- فإن التحليل الاقتصادي يكشف أن هذه الثقافة هي المحرك الأساسي لانهيار الإنتاجية ما يكلف العالم خسائر فادحة.

فالنزْف الحقيقي للخسائر يتسرب من مكاتب الموظفين “المحترقين” أو على الأقل “غير المندمجين”. والأدلة على التكلفة السلبية لهذه الثقافة ليست مجرد افتراضات.

على الصعيد البشري:

  • وفقا لتقرير عن الاحتراق الوظيفي الصادر عن مؤسسة “Mental Health UK”، عانى 91% من البالغين في المملكة المتحدة من ضغط مرتفع أو شديد في العام الماضي.
  • تشير بيانات منصة “Spill” -المتخصصة في تقديم دعم الصحة النفسية للموظفين في الشركات- لعام 2025 إلى أن 81% من موظفي الجيل Z تركوا وظائفهم لأسباب عن صحتهم العقلية.
  • جون كليفتون، الرئيس التنفيذي لمؤسسة غالوب (Gallup)، علق على تقرير لمؤسسته: “إن ضعف الانغماس الوظيفي ليس مجرد قضية تخص سعادة الموظفين، بل هو قضية تؤثر على النمو الاقتصادي العالمي”.

على الصعيد الاقتصادي:

  • يقدر تقرير عن أوضاع أماكن العمل عالميا “State of the Global Workplace” الصادر عن غالوب (Gallup)، أن ضعف ارتباط الموظفين بالعمل يكلف الاقتصاد العالمي 8.9 تريليونات دولار سنويا.
  • في تحليل مشترك بين منصة تقدير الموظفين Workhuman وغالوب Gallup، قُدرت تكلفة الإنتاجية المفقودة بسبب الاحتراق الوظيفي وحده بنحو 322 مليار دولار سنويا على مستوى العالم.
  • وفقًا لدراسة مشتركة بين كلية هارفارد للأعمال (Harvard Business School) وجامعة ستانفورد (Stanford University)، تتكبد الشركات ما بين 125 إلى 190 مليار دولار إضافية سنويًا في الولايات المتحدة وحدها كتكاليف رعاية صحية مرتبطة بالإجهاد في مكان العمل.

رد الفعل: إعادة تعريف النجاح

ويبدو أن هذا ما أنتج تحولات في أولويات القوى العاملة، فوفقا لاستطلاع رأي أجرته شركة “راندستاد” (Randstad) لاختيار عدد من الأولويات، وضع 83% من العمال “التوازن بين العمل والحياة” كأولوية قصوى، بينما جاء “الراتب” في المرتبة الثانية بنسبة 82%.

هذا التحول تقوده الأجيال الشابة التي ترفض مقايضة صحتها بالنجاح المهني التقليدي، وهو ما وصفه محللون بأنه “ليس ضعفا، بل استجابة منطقية لتوقعات غير منطقية في بيئة عمل متصلة دائمًا”.

في هذا السياق، يشير خبراء في بيئة العمل -استنادًا إلى أبحاث مؤسسة غالوب- إلى أن الهدف ليس رفض العمل الجاد، بل التحول إلى مفهوم “الاندماج الإيجابي”، حيث يعمل الموظف بطاقة وحماس دون أن يستنزف نفسه حتى الاحتراق.

الشركات تتطور باستمرار، وهي بحاجة إلى أفكار جديدة طوال الوقت. الموظفون المندمجون هم الأقرب كثيرًا إلى أفضل الأفكار. إنهم يفكرون في الشركة ككل وكيف يتناسبون معها، وأفكارهم تؤدي إلى قرارات أفضل.

الخريطة الجديدة: نماذج عمل مستدامة ومُثبتة بالأرقام

الخروج من هذه الأزمة لا يتطلب التخلي عن الطموح، بل تبني نماذج عمل أكثر ذكاء، مثل:

  • الكسل الذكي: هنا يظهر المفهوم الذي يبدو متناقضًا، حتى كتب بعضهم مقالا بعنوان “انسوا ثقافة الكدح، الكسالى هم من يفوزون في 2025”. بالطبع فإن “الكسل” في هذا السياق ليس خمولا، بل هو كراهية فطرية للجهد الضائع. “العامل الكسول الذكي” ينجح لأنه يتبع مبادئ فطرية للإنتاجية: يبحث عن أقصر الطرق، يرفض القيام بمهام متكررة ويفضل بناء نظام لأتمتتها، يركز على الأهم، يقدّر الراحة كأداة للتركيز والإبداع في ساعات العمل الفعلية، يطبق طبيعيا مبدأ باريتو (80/20)، مركزا طاقته على الـ20% من المهام التي تحقق 80% من النتائج.
  • أسبوع العمل القصير: في أكبر تجربة عالمية للعمل أربعة أيام في الأسبوع -نسقتها “4 Day Week Global”–  سجلت الشركات المشاركة انخفاضا في معدلات الاحتراق الوظيفي بنسبة 71%، وتراجعًا في مستويات الإجهاد بنسبة 39%، وفي المقابل، حققت نموا في الإيرادات بنسبة 1.4%.
  • الاستثمار في العافية: يؤكد تقرير لمعهد ماكنزي الصحي (McKinsey Health Institute) أن كل دولار يستثمر في برامج تحسين صحة الموظفين يمكن أن يحقق عائدًا اقتصاديًا يتراوح بين دولارين وأربعة دولارات.

درج الإنهاك أم مصعد الإنجاز؟

النجاح الحقيقي، كما تثبته الأرقام والتجارب، لا يكمن في مدى قدرتنا على التحمل، بل في مدى قدرتنا على الاستدامة. إنه الانتقال إلى ثقافة تقدر جودة النتائج، وصحة الإنسان الذي يحققها.

وفي ظننا أن التحدي اليوم ليس في دفع الناس إلى العمل لوقت أطول، بل في خلق بيئة عمل إنسانية تساعد على العمل بذكاء أكثر، وللمفارقة ستكون الإنتاجية أكبر.

الخلاصة ببساطة ربما تكون في الإجابة عن هذا السؤال: هل تفضل الصعود بالدرج أم بالمصعد؟

المصدر: الجزيرة + وكالات + مواقع إلكترونية + مواقع التواصل الاجتماعي

الكسكس المغربي.. طبق تقليدي يتحول إلى رمز ثقافي عالمي

يعد الكسكس المغربي واحدا من أكثر الأطباق التي تجاوزت مجرد كونها وجبة تقليدية لتتحول إلى رمز ثقافي واجتماعي يختصر تاريخ المغرب وتنوعه الجغرافي والبشري. فبين حبات السميد الدقيقة وروائح الخضار المتبلة، تكمن ذاكرة ممتدة لقرون، تحمل معها قصص الأهالي، وعادات الضيافة، وتقاليد الاحتفاء بالمناسبات.

يعرف الكسكس بأنه طبق متجذر في شمال إفريقيا، إلا أن المغرب تحديدا استطاع أن يمنحه طابعا خاصا، سواء على مستوى طرق التحضير أو اختيار المكونات أو الرموز الاجتماعية التي يحملها. ويبدأ إعداد الكسكس عادة باستخدام حبوب السميد التي تفرك بعناية وتبخر داخل وعاء تقليدي يسمى “الكسكاس”، الأمر الذي يمنحه قوامه الهش والمميز.

طبق للمناسبات والجمعة


لا يكاد يخلو بيت مغربي من عادة تناول الكسكس يوم الجمعة، وهي عادة تعود لقرون طويلة، إذ يجتمع أفراد العائلة بعد صلاة الجمعة حول طبق كبير تتوسطه الخضار واللحم أو الدجاج. ويُنظر لهذه العادة باعتبارها لحظة تواصل ودفء اجتماعي تعزز الروابط بين أفراد الأسرة والجيران.

كما يحضر الكسكس في المناسبات الكبرى، مثل الأفراح والولائم والاحتفالات الدينية، ما يمنحه بعدا احتفاليا يجعله عنصرا أساسيا في الثقافة المغربية.

تنوع أطباق الكسكس


رغم أنّ المكون الأساسي للكسكس هو السميد، فإن طرق التحضير تختلف من مدينة لأخرى، بل ومن قرية لأخرى داخل المغرب. ففي المناطق الساحلية، يميل الناس إلى تحضير كسكس بالسمك، بينما تشتهر المناطق الجبلية بأنواع تعتمد على الخضار الجبلية واللحم الأحمر. أما في الجنوب المغربي، فيحضر الكسكس بالقديد، وهو لحم مجفف يستخدم خصوصا خلال المواسم الباردة.

أشهر أنواع الكسكس المنتشرة:

– الكسكس بالسبع خضار

– الكسكس باللحم أو الدجاج

– الكسكس بالتمر والحمص (نوع يحضر في بعض المناسبات)

– الكسكس بالبيصارة أو الدلاح في مناطق محدودة ذات طابع محلي مميز

هذا التنوع يعكس ثراء المطبخ المغربي وقدرته على التكيف مع الموارد المحلية والتقاليد الخاصة بكل منطقة.

رمزية الطبق في الهوية المغربية


لا يقتصر دور الكسكس على الجانب الغذائي، بل يتعداه ليصبح عنصرا رمزيا في الهوية المغربية. وقد اعترف به رسميا من قِبل منظمة “اليونسكو” عام 2020 كتراث ثقافي غير مادي، بعد طلب مشترك من دول المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا، في خطوة أكدت مكانة هذا الطبق كتراث مشترك لشعوب المنطقة.

ويعتبر الكسكس أيضا أحد عناصر القوة الناعمة المغربية، إذ تنتشر شهرته عالميا، ويقدم في مطاعم عديدة في أوروبا وأميركا والخليج، ما جعله سفيرا غير رسمي للمطبخ المغربي في الخارج.

ورغم التطور الكبير في أساليب الطهي واعتماد الكثيرين على طرق أسرع للتحضير، لا يزال الكسكس يحافظ على مكانته، إذ يفضل المغاربة إعداده بطرق تقليدية تبرز نكهاته الأصيلة. ومع ذلك، ظهرت ابتكارات عصرية تدمج بين الكسكس ومكونات عالمية، مما جعله طبقا مواكبا للذوق الحديث دون أن يفقد أصالته.

مذكرة الفتى شامبليون لوالي مصر

بعد افتتاح المتحف المصري الكبير في أول نوفمبر/تشرين الاول 2025، علينا أن نستعيد بعض الجهود المبذولة في سبيل اكتشاف الآثار المصرية القديمة وسبل المحافظة عليها. وقد كان فك رموز اللغات المكتوبة على حجر رشيد عام 1822 – بواسطة العالم الفرنسي الشاب جان فرانسوا شامبليون (1790 – 1832) يُعد انطلاقة قوية لاكتشاف الكثير والكثير من أسرار تلك الحضارة المصرية القديمة، وإنارة بعض غموضها وظلامها، وإزالة الكثير من التراب من على بعض معالمها وآثارها.

جاء عالم الآثار الفرنسي جان فرانسوا شامبليون إلى مصر عام 1828 بعد أن نجح في فك رموز حجر رشيد قبلها، وكان حلم حياته إلى يزور مصر ويقرأ المكتوب على معابدها ومسلاتها ومقابرها وقصورها وأحجارها وأهراماتها.

وقد تحقق حلم الفتى عندما جاء على رأس بعثة علمية إلى مصر، حيث استقبله الوالي محمد علي باشا، واستطاع العالِم الشاب الحصول منه على فرمان وعلى حراسة وتسهيلات متنوعة، يمكّن للبعثة أن تبدأ عملها. وقد كتب إليه شامبليون – في نوفمبر 1829 – مذكرة حول حفظ وصيانة الآثار المصرية القديمة جاء فيها: “يصبح من الأهمية بمكان أن تُعنى حكومة سمو الملك بحفظ وصيانة الأبنية والآثار القديمة التي تمثل الهدف الرئيسي من وراء قدوم أفواج الأوروبيين الذين ينتمون إلى أرفع وأغنى الطبقات الاجتماعية”.

وأوضح الفتى في مذكرته “أن الرحالة يشعرون بالأسف والحسرة، وكذلك كل أوروبا المتحضرة التي تدين بشدة تدمير عدد كبير من الآثار العتيقة تدميرًا شاملا منذ بضعة سنوات دون أن يبقى منها أدنى أثر”.

وأضاف أنه “من المعلوم جيدًا أن تلك العمليات التخريبية الهمجية تتنافى مع نوايا سمو الملك وآرائه المستنيرة التي لا تخفى على أحد. كما تم ذلك على أيدي أفراد لا يستطيعون تقدير مغبة الأضرار التي يلحقونها بالبلد عن جهالة، إلا أن ذلك لا يغير من فداحة ما يجري، كما أن فقدان تلك الآثار يثير مخاوف كل طبقات المثقفين وقلقهم بشأن المصير الذي ينتظر الآثار الأخرى التي لا تزال قائمة حتى الآن”.

وشدَّد الفتى في مذكرته على الأمر “بعدم اقتلاع أية أحجار أو قوالب طوب منقوشة أو غير منقوشة – بأي حال من الأحوال – من الأبنية والآثار القديمة التي لا تزال قائمة في المواقع سواء في مصر أو النوبة”.

ولفت الفتى – في مذكرته – إلى أن “الآثار العتيقة المنحوتة في الجبال تضارع من حيث أهمية المحافظة عليها الآثار المشيدة من الأحجار التي تم اقتلاعها من نفس تلك الجبال، لذلك فإن الحاجة ماسة إلى الأمر بعدم إحداث أية أضرار أو تلفيات داخل تلك المقابر التي يقوم الفلاحون بتدمير نقوشها، إما لإعادة استخدامها في بناء أماكن تأويهم هم وحيواناتهم، وإما لبيع أجزاء صغيرة من نقوشها إلى الرحالة، حتى وإن اقتضى ذلك تشويه حجرات بأكملها”.

وأنهى الفتى مذكرته للوالي محمد علي باشا بقوله: “لقد آن الأوان لوضع حد لتلك العمليات التخريبية البربرية التي تحرم العلم في كل لحظة من آثار غاية في الأهمية، وتصيب الرحالة بالحسرة وخيبة الأمل لاندثار النقوش الفريدة التي تكبدوا مشاق كثيرة في سبيل القدوم لرؤيتها”.

لقد كتب الفتى مذكرته للوالي بعد أن جاب أرض مصر شِبرًا شِبرًا، وحلَّ بكل المواقع التي لا تزال تحتفظ ببعض أنقاض تشهد بعظمة الماضي، وكان كل أثر موضع دراسة خاصة، كما قام بنسخ جميع النقوش البارزة (التي وصلت إلى حوالي ألف وخمسمائة) والنصوص التي من شأنها إلقاء مزيد من الضوء على الماضي السحيق لأمة يمتزج اسمها العريق بأقدم تراث دونته البشرية.

ووقع في روع شامبليون أن علماء الحملة الفرنسية والإنجليز يستحقون عقوبة الجَلْد في ميدان عام لتجاسرهم على نشر رسوم ناقصة ومشوهة للتكوينات المصرية الكبيرة والرائعة.