لماذا يعتنق البريطانيون الإسلام؟ دراسة تكشف مفاجآت غير متوقعة

كشف تقرير بريطاني جديد عن ارتفاع ملحوظ في عدد المواطنين الذين يعتنقون الإسلام، مدفوعين بتصاعد الحروب والصراعات العالمية، ولا سيما الحرب بين إسرائيل وغزة.

وبحسب ما نشرته صحيفة التلغراف، فإن باحثين في معهد تأثير الإيمان على الحياة (IIFL) وجدوا أن الصراع العالمي هو الدافع الأكثر شيوعًا لاعتناق الإسلام بين البريطانيين.ووفقًا لنتائج الاستطلاع الذي شمل 2,774 شخصًا غيّروا معتقداتهم الدينية خلال الفترة الماضية، فإن 20٪ ممن تحولوا إلى الإسلام قالوا إن الصراعات الدولية كانت العامل الأبرز وراء قرارهم، بينما أشار 18٪ إلى تأثير مشكلات الصحة النفسية. وأوضح التقرير أن معظم المتحولين، ولا سيما الشباب، يشعرون بأن العالم أصبح “أكثر ظلمًا” ويبدون شكًا متزايدًا تجاه وسائل الإعلام، ما يدفعهم نحو الإسلام باعتباره — بحسب تعبيرهم — دينًا يقوم على الأخلاق والعدالة.

وأظهرت البيانات أن المسيحية سجلت أعلى نسبة تراجع، إذ تخلّى عنها 44٪ من المشاركين في الاستطلاع، بينما كان الحزن والفقدان (31٪) والصحة النفسية (23٪) من بين أبرز الدوافع وراء التحول إليها. كما أن من اعتنقوا ديانات شرقية مثل الهندوسية والبوذية والسيخية، أشاروا إلى أن الأسباب الرئيسية كانت الصحة النفسية والصراعات.

ويأتي التقرير في وقت تشهد فيه الكنيسة الأنغليكانية صعوبة متزايدة في جذب الشباب، مع استمرار انخفاض عدد المسيحيين إلى أقل من نصف سكان إنجلترا وويلز وفق إحصاءات 2021. كما كشف المعهد عن تزايد كبير في نسبة الذين يبتعدون عن الدين المؤسسي ويتجهون نحو الإلحاد، الذي بات يشكل 39٪ من العينة.

وخلص التقرير إلى أن بريطانيا تمر بمرحلة “إعادة تشكيل دينية”، تتراجع فيها الأديان التقليدية لصالح توجهات فردية أكثر ارتباطًا بالصحة النفسية والشعور بالعدالة الاجتماعية.

هل تسمح أميركا للصين بالتفوق عليها اقتصاديا؟

تسود المشهد العالمي حالة من الترقب عما سيفضي إليه الصراع الاقتصادي الأميركي مع الصين، إذ تحتل الأخيرة المرتبة الثانية عالميًا بعد الولايات المتحدة من حيث قيمة الناتج المحلي الإجمالي، ويرى البعض أنها مسألة وقت لتتجاوز الصين أميركا اقتصاديًا لا سيما مع المشكلات الداخلية لأكبر اقتصاد بالعالم حاليا.

وقد أعطى قيادة الصين لتجمع بريكس، وبروز دور هذا التجمع خلال السنوات الماضية، الأمل لدى البعض بأن ثمة قوة اقتصادية من شأنها أن تنافس أميركا، بل يذهب البعض إلى أن معادلة القوى الاقتصادية الحالية في طريقها للزوال، ليحل نظام اقتصادي عالمي متعدد الأقطاب، كبديل للنظام الحالي الذي تسيطر عليه أميركا منفردة.

وشهدت السنوات القليلة الماضية حالة من الصراع المكشوف بين أميركا والصين بالمجال الاقتصادي في أمرين هما التبادل التجاري، وقطاع التكنولوجيا.

ومن الضروري أن نقف على بعض المؤشرات الاقتصادية المنشورة التي تظهر أيا من الطرفين يميل ميزان القوة الاقتصادية لصالحه، لتكون الرؤية بعيدة عن العاطفة.قيمة الناتج المحلي

تظهر أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي عدة أمور منها:

  • تقلص الفجوة بين الناتج المحلي الصيني ونظيره الأميركي عام 2021 إلى 5.4 تريليونات دولار.
  • بداية من عام 2022 وحتى 2024، زادت الفجوة بشكل ملحوظ إلى 7.6 تريليونات دولار ثم 9.4 تريليونات، ثم 10.4 تريليونات مما يشير إلى تفوق للاقتصاد الأميركي على الصيني في هذه السنوات، وأن هذا التقدم يأتي بناء على مقومات اقتصادية أفضل، مكنت أميركا من تصدر اقتصادات العالم.
  • في الوقت الذي ارتفع فيه الناتج الأميركي من 23.6 تريليون دولار عام 2021 إلى 29.1 تريليونا عام 2024، نجد أن الناتج الصيني ظل حبيس نطاق بين 18.2 تريليون دولار و18.7 تريليونا.

وإذا كانت الصين متأثرة بالتداعيات السلبية لأزمة كورونا منذ عام 2020، وأزمة الديون الداخلية، وتعثر في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة. فإن أميركا عانت هي الأخرى من أزمات التضخم وارتفاع البطالة وتراجع قيمة الدولار، وتفاقم أزمة الدين العام. ولوحظ أن تباطؤ معدلات النمو العالمي، ومرور الاقتصاد العالمي بالعديد من الأزمات، مثل التضخم وحرب روسيا مع أوكرانيا وصراعات الشرق الأوسط وغيرها، كان لها تأثير واضح على اقتصاد كل من أميركا والصين، وباقي دول العالم.

السباق التكنولوجي

التكنولوجيا إحدى أهم أدوات الصراع بين أميركا والصين، ويترجم هذا في مجالات كثيرة على رأسها السلاح والأدوية ووسائل الاتصال والمواصلات.

وما هو متعارف عليه في قياس هذا السباق والاهتمام به: مؤشر الإنفاق على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي.

وباستعراض الأرقام الخاصة لهذا المؤشر خلال آخر 5 سنوات، أتيحت عنها بيانات 2018-2022، اتضح الآتي:

  • من حيث النظر للإنفاق على البحث والتطوير في كل من أميركا والصين، نجد تقدما أميركيا على الصين في هذا المجال، سواء من حيث نسبة الإنفاق للناتج المحلي، أو قيمة الإنفاق بالمليار دولار.
  • من حيث قيمة الإنفاق، نجد أن أميركا على مدار الفترة من 2018-2022، تنفق ضعف ما تنفقه الصين على البحوث والتطوير، ومن هنا نجد الفجوة التكنولوجية لصالح أميركا، وهو ما ظهر في الاتفاق الأخير بين البلدين بشأن تسوية الرسوم الجمركية، حيث قبلت الصين رفع الرسوم الجمركية على صادراتها لأميركا بنحو 30%، مما كانت عليه قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض، مقابل أن ترفع أميركا القيود المفروضة على صادرات التكنولوجيا المتقدمة.
  • نسبة الإنفاق على البحث والتطوير من الناتج المحلي في أميركا أفضل منها في الصين، ففي عام 2018 كانت النسبة في أميركا 2.99% نسبة إلى الناتج المحلي، بينما في الصين كانت النسبة 2.14%، وظل الفرق على مدار الفترة في صالح أميركا. ففي عام 2022 كانت النسبة بأميركا 3.59% وفي الصين 2.5%، مع ملاحظة الزيادة في قيمة الناتج المحلي لأميركا مقارنة بالصين.

وقد تكون القيم الخاصة بالإنفاق على البحث والتطوير مرتفعة في أميركا بسبب ارتفاع مستوى المعيشة والدخول بشكل عام، ولكن علينا أن نأخذ في الاعتبار أن أميركا ما زالت تمسك بزمام التكنولوجيا في مجال السلاح والدواء ووسائل الاتصال والمواصلات، وهو ما ظهر بشكل واضح على مدار السنوات الماضية، في أزمة شركة هواوي الصينية، وكذلك التهديد الأميركي الذي أعلنته بإمكانية منع دراسة الطلاب الصينيين بالجامعات الأميركية.

وتجتهد الصين في سد الفجوة التكنولوجية، وتحاول أن تجعل ميزة الولايات المتحدة عليها نسبية وليست تنافسية، إلا أن الأخيرة -بسبب انفتاحها الكبير على جميع دول العالم لاستقطاب الكفاءات العلمية والعقول المتميزة منذ سنوات- ميزتها وقوت موقفها، مقارنة بالصين التي بدأت متأخرة جدًا في فتح المجال لاستقدام الأجانب في منح دراسية.

نصيب الفرد من الدخل القومي

استخدام هذا المؤشر يتطلب أن نأخذ في الاعتبار أن عدد السكان مختلف تمامًا بين البلدين، فالصين يصل عدد سكانها إلى 1.4 مليار نسمة، مقابل عدد سكان لأميركا البالغ 340 مليون نسمة، أي أن عدد سكان الصين أكثر من 3 أضعاف سكان أميركا، ومع ذلك فالأخيرة بشكل عام دخلها القومي يفوق الدخل القومي للصين.

ولو افترضنا أن عدد السكان متساو في كل من أميركا والصين، فإن نصيب الفرد في أميركا سيكون أفضل من الصين بسبب زيادة الدخل القومي في أميركا مقارنة بالصين.

وقد يتبادر إلى الذهن، سبب استخدام هذا المؤشر، والحقيقة أن المقارنة هنا عادلة، لكون الدولتين تعتمدان في تحقيق الدخل القومي على الإنتاج والتكنولوجيا، وليس على مصادر ريعية، ومن هنا فالمقارنة لها اعتباراتها ودلالاتها العلمية.

وثمة فارق كبير بين متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي في كل من أميركا والصين، ويصل الفارق لصالح أميركا بنحو 6 أضعاف، مع مراعاة أن الصين لم تبلغ المتوسط العالمي -وفق هذا المؤشر- إلا عام 2022.وختامًا، فإن المال والسلطة مجال للتنافس بين الدول على مر العصور، ولا يتصور أن تقبل أميركا بتقدم الصين اقتصاديًا أو أن يكون لها سلطان سياسي وعسكري ينافسها، ولعل المتابع لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يلاحظ هذا بشكل واضح.

فكلتا الدولتين تسعيان لتحقيق المزيد من التقدم، وتصدر المشهد العالمي بمقومات اقتصادية وسياسية وعسكرية، وأميركا سوف تسعى خلال الفترة القادمة للحفاظ على تقدمها من جانب، وعرقلة التقدم الصيني، وكذلك سيكون هدف بكين.

المصدر: الجزيرة

لماذا يقرأ نتنياهو كتاب “اليهود ضد روما”؟

غالبا ما تؤدي دراسة العصور القديمة إلى رؤى عميقة في الجغرافيا السياسية المعاصرة، وهي الظاهرة التي أكد عليها الاهتمام الذي حظيت به أعمال المؤرخ العسكري باري شتراوس، وخاصة كتابه “اليهود ضد روما: قرنان من التمرد ضد أقوى إمبراطورية في العالم”، الذي نُشر في أغسطس/آب 2025.

صدر الكتاب في حقبة اتسمت بالصراع الشديد في الشرق الأوسط، وهو يقدم سردا تاريخيا مفصلا لنضال الشعب اليهودي المطول ضد الإمبراطورية الرومانية بين عامي 63 قبل الميلاد و136 ميلاديا، ويغطي ثلاث انتفاضات رئيسية: الثورة الكبرى، وثورة الشتات، وثورة بار كوخبا الكارثية.

الرنين المعاصر لعمل شتراوس، الذي يقدم “سردا آسرا يربط الماضي بالحاضر”، يبرز بشكل خاص من خلال الاعتراف بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يقرأ الكتاب، وكان دافعه المُعلن إستراتيجيا للغاية: “لقد خسرنا تلك المباراة، وأعتقد أن علينا أن نفوز في المباراة التالية”.

يُحوّل هذا البيان قراءة التاريخ القديم إلى فعل تشاور إستراتيجي فوري، مما يجعل الكتاب بمثابة “دليل في الوقت المناسب لليوم”. وتعكس هذه التطورات الدروس الإستراتيجية العميقة التي يدركها القادة الحاليون في سرديات المرونة والانقسام وإدارة المنافسين الإمبرياليين الإقليميين.

بصفته زميلا بارزا في مؤسسة هوفر في جامعة ستانفورد العريقة، وباحثا مخضرما في التاريخ اليوناني والروماني القديم، وشغل منصب أستاذ زائر متميز في قسم تحليل الدفاع بكلية الدراسات العليا البحرية الأميركية، وله تأثير على صناع القرار، فقد صاغ شتراوس روايته بوعي لرسم أوجه التشابه بين الصراعات القديمة والنضالات الحديثة، مشيرا إلى أن “الماضي هو صورة طبق الأصل من الصراعات الحالية”.

وبالنسبة للقيادة الإسرائيلية المعاصرة التي تواجه اليوم تحديات أمنية وجودية، فإن الكتاب بمثابة مختبر تاريخي لاختبار الفرضيات المتعلقة بالبقاء الوطني، وعواقب الاحتكاك الداخلي، وحساب المخاطر في مواجهة القوة الساحقة.

من هنا تأتي أهمية تحليل الدروس الإستراتيجية المحددة المستمدة من رواية شتراوس الشاملة ومزاعمه حول التمردات اليهودية التي تتردد أصداؤها بقوة مع الوضع الجيوسياسي الحالي لإسرائيل، ويشرح القيمة الإستراتيجية لهذا النص التاريخي لقيادتها.

رغبة نتنياهو المُعلنة في الاستمرار في منصبه، تتعامل بشكل مباشر مع الموضوع الرئيسي للكتاب، وهو المرونة اليهودية، والتي حددها شتراوس باعتبارها واحدة من أعظم حالات البقاء على قيد الحياة في التاريخ

السياق الجيوسياسي: إعادة تقييم التنافس الإيراني

أحد الدوافع الفكرية الأساسية لشتراوس في تأليف كتابه، والذي بدأ حوالي عام 2020، كان العداء الحديث المذهل بين إسرائيل والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

يتناقض هذا العداء الحديث بشكل صارخ مع الديناميكية التاريخية التي يستكشفها الكتاب، والتي تكشف عن علاقة معقدة ومفيدة في كثير من الأحيان بين الدولة اليهودية القديمة، والإمبراطوريات الإيرانية، وخاصة الإمبراطورية البارثية.

امتدت الإمبراطورية البارثية، التي استمرت من حوالي عام 247 قبل الميلاد إلى عام 224 ميلاديا، من نهر الفرات إلى جبال الهيمالايا، وسيطرت على طريق الحرير.

بالنسبة للشعب اليهودي، الواقع على حافة الإمبراطورية الرومانية، كانت بارثيا بمثابة موازنة جيوسياسية ثابتة: إمبراطورية شرقية متمركزة ضد القوة الغربية لروما. هذا الموقع الإستراتيجي، الذي يقع بين عملاقين، يعني أن يهودا كانت تتفاوض بين حلفاء وأعداء متغيرين باستمرار.

يسلط شتراوس الضوء على الإمبراطوريات الإيرانية القديمة – كورش الكبير الذي سمح لليهود بالعودة من المنفى البابلي، والبارثيين – باعتبارها إمبراطوريات صديقة لليهود تاريخيا.

خلال قرنين من الثورة، وفرت الجالية اليهودية الكبيرة في الإمبراطورية البارثية ملاذا ومصدرا ثابتا ودائما للأمل في الحصول على المساعدة ضد روما.

إن هذا الأمل في التدخل يشبه إلى حد كبير المساعدة الحاسمة التي قدمتها فرنسا في الثورة الأميركية عام 1765، وهو تشبيه يطرحه شتراوس صراحة. كان هذا الأمر محوريا في الحسابات الإستراتيجية للمتمردين، على الرغم من أن اليهود لم ينجحوا في النهاية في إقناع بارثيا بالتدخل بالقوة.

يدعي شتراوس بشكل مقنع أن العداء المميت الحالي الذي تظهره الجمهورية الإسلامية الإيرانية تجاه إسرائيل هو “انحراف” عن العلاقة التاريخية النموذجية بين الإيرانيين واليهود، والتي تضمنت عموما علاقات جيدة نسبيا على مدى آلاف السنين.

بالنسبة لزعيم حديث يحلل تعقيدات توازن القوى الإقليمي، يشير هذا السياق التاريخي إلى أن السياسة الإيرانية الحالية ليست حتمية متجذرة في عداوة تاريخية عميقة، بل هي موقف سياسي يمكن، من الناحية النظرية، أن يكون عرضة للتغيير. وبالتالي، فإن التحليل التاريخي يوجه التفكير الإستراتيجي بشأن التحالفات الإقليمية طويلة الأمد، مقابل الصراع الفوري الذي تحركه الأيديولوجيات.

الضرورة الدائمة للمرونة

رغبة نتنياهو المُعلنة في الاستمرار في منصبه، تتعامل بشكل مباشر مع الموضوع الرئيسي للكتاب، وهو المرونة اليهودية، والتي حددها شتراوس باعتبارها واحدة من أعظم حالات البقاء على قيد الحياة في التاريخ. الكتاب بمثابة زعم في شكل “شهادة” على “القوة الروحية الدائمة” للشعب اليهودي، ويشرح بقاءهم.

على حد قول المؤلف، فإن الطبيعة المستمرة للصراع مذهلة: كان اليهود “المتمردين الأكثر تصميما” على روما، حيث صمدوا لفترة أطول من الغال، أو الألمان، أو البريطانيين، أو حتى القرطاجيين. هذا الإصرار، الذي تغذيه العزيمة الوطنية والمرونة، يتجلى جسديا وروحيا في:

1- المقاومة الجسدية رغم الكارثة: انخرط اليهود في ثلاث ثورات كبرى خلال قرنين من الزمان، على الرغم من خسارتهم الكارثية للثورة الكبرى بتدمير القدس والمعبد في عام 70 ميلاديا.

تجلى هذا الصمود في تطوير تكتيكات عسكرية متطورة. على سبيل المثال، في ثورة بار كوخبا (132-136 ميلاديا)، استخدم المتمردون تكتيكات حرب العصابات، فبنوا ملاجئ تحت الأرض وأنفاقا وكهوفا لشن هجمات مباغتة على الفيالق الرومانية، مما فاجأهم تماما.

أجبر هذا الابتكار التكتيكي والمثابرة روما على نشر موارد هائلة، بما في ذلك نقل حاكم بريطانيا، يوليوس سيفيروس، إلى يهودا – وهو مقياس واضح للتهديد.

2- البقاء الروحي: حتى عندما يتم سحقك جسديا، فإن الروح لم تنكسر. فبعد تدمير الهيكل، قام القادة اليهود – الحكماء والعلماء الذين أصبحوا الحاخامات – بهندسة مقاومة روحية قائمة على التوراة، وتأسيس خدمات وممارسات دينية يومية استمرت في الدين دون الهيكل.

حافظت هذه الإستراتيجية الناجحة طويلة الأمد للمقاومة الروحية على الهوية الوطنية، وأثبتت في النهاية أنها “أقوى من روما”.

الدرس المعاصر الرئيسي هنا، والذي استخلصه شتراوس صراحة، هو أن أعداء إسرائيل المعاصرين (مثل حماس وإيران) ربما ارتكبوا “خطأ فادحا في الحسابات” من خلال التقليل من شأن هذه القوة والتصميم التاريخيين، ولكن أليست هذه القوة الروحية هي التي ضمنت استمرار حماس والمقاومة لأكثر من عامين أيضا؟

كدليل إستراتيجي، يُعزز كتاب اليهود ضد روما نبع الخبرة التاريخية الغني، والموارد الدينية المتاحة للشعب الإسرائيلي، مؤكدا أن “إسرائيل لن تزول”.

التحذير من الشقاق الداخلي

ولعل الدرس الإستراتيجي الأكثر قوة وإلحاحا للقيادة الحالية للكيان الصهيوني، وخاصة في سياق الصراعات السياسية الداخلية الأخيرة، يتعلق بالدور المدمر الذي لعبه الانقسام في التمردات القديمة.

كانت الثورات القديمة تعاني باستمرار من الصراعات الداخلية والقتال الفصائلي، والذي يُشار إليه غالبا في التقاليد اليهودية باسم “الكراهية بلا سبب” (سينات هينام).

على سبيل المثال، خلال الثورة الكبرى، فضلت الفصائل المتمردة المختلفة – بمن في ذلك المتعصبون والسيكاريون (رجال الخناجر) – اللجوء إلى العنف ضد مواطنيهم بدلا من التركيز فقط على العدو الروماني.

لقد كانت لهذه الحرب الداخلية عواقب كارثية مباشرة:

1- التخريب الذاتي: قام المتمردون في القدس بتدمير إمدادات الحبوب الخاصة بهم، وحرق مخازن الغذاء الخاصة ببعضهم البعض، وتجويع السكان، مما أدى إلى تقصير الحصار بشكل كبير، وتسهيل انتصار روما.

خلص يوسيفوس، المؤرخ الشهير الذي عاين ذلك، إلى أن “الصراع المدني هو الذي أخضع المدينة، وأن الرومان كانوا يعتبرون الصراع المدني عدوا أقوى بكثير من أسوار المدينة”.

2- تشجيع العدو: يربط شتراوس صراحة هذا الضعف التاريخي بالتحليل المعاصر: “إن الافتقار إلى التماسك في إسرائيل هو أحد الأسباب التي شجعت الجانب الآخر على الهجوم في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول”.

وهكذا، تعمل رواية اليهود ضد روما كتحذير خطير ضد التفتت السياسي والاجتماعي في الأوقات العصيبة. بالنسبة لزعيم يشتبك مع صراع طويل الأمد، فإن السجل التاريخي للتدمير الذاتي يعمل كحجة مقنعة لإعطاء الأولوية للتماسك الوطني فوق النزاعات الفصائلية، خشية أن تتم دعوة العدو للضرب.

حدود القوة الرومانية

لا يُتصوّر أن يقتصر اهتمام نتنياهو على الجانب اليهودي فحسب، بل يتعدّاه إلى فهم إستراتيجية “الإمبراطورية العظمى في العالم”.

يسلط الكتاب الضوء على الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها روما، ويقدّم قصصا تحذيرية لأي دولة قوية تدير شعبا معاديا.

لقد أساءت روما إدارة الصراع في كثير من الأحيان، وفشلت في تحقيق السلام الدائم على الرغم من قوتها العسكرية الساحقة.

الأخطاء الرومانية الرئيسية تشمل:

1- سياسات “الفائز يأخذ كل شيء”: بدلا من الانخراط في تسوية وتوازن القوى، غالبا ما اتبعت روما “سياسة الفائز يأخذ كل شيء”.

كان القادة -مثل الملك هيرودس الكبير، الذي حاول إيجاد توازن بين الهوية اليهودية والمطالب الرومانية- ذوي قيمة إستراتيجية، لكن روما غالبا ما كانت تفتقر إلى “الحنكة السياسية” اللازمة للحفاظ على هذا الاستقرار طويل الأمد.

2- حماقة الإذلال: بعد سحق الثورة الكبرى، فرضت روما ضريبة fiscus Judaicus سيئة السمعة؛ وهي ضريبة مهينة تبلغ دِراخْمتين تُفرض على كل يهودي في الإمبراطورية، بغض النظر عما إذا كانوا قد دعموا الثورة أم لا، وتُدفع إلى خزانة جوبيتر أوبتيموس ماكسيموس، الإله الوثني الرئيسي في روما.

إن هذا العمل من الإذلال اللاهوتي والسياسي، الذي صُمم لإجبار اليهود على الولاء لروما ومحو ذكرى الهيكل، لم يؤدِ إلا إلى تأجيج الاستياء والتمردات المستقبلية، وتعزيز “الروح الثورية المستمرة” للشعب اليهودي.

3- الفشل في التفكير على المدى الطويل: غالبا ما فشل الإداريون الرومانيون في التفكير على المدى الطويل، أو تحقيق التوازن الصحيح في التعامل مع المقاطعات، مما أدى إلى خلق ظروف ضمنت “الثورة التالية”.

اعتبر اليهود قرار هادريان بإعادة بناء القدس كمدينة وثنية، مع المعابد التي تكرّم جوبيتر والإمبراطور، بمثابة إهانة عميقة، وكان بمثابة وقود حارق لثورة بار كوخبا.

الدرس المستفاد للقادة المعاصرين هو أن النصر العسكري والقمع الشديد وحدهما لا يكفيان لضمان السلام. إن إستراتيجيات السيطرة القائمة على الإذلال ومحو الهوية الوطنية قد لا تضمن سوى المقاومة المستقبلية وتتطلب نشرا مستمرا ومكلفا للقوات العسكرية. نشأ فشل روما من عدم إيجاد “المزيج المناسب من الحوافز لمنح الشعب المهزوم ضمانا بعدم تكرار ذلك”.

المحارب في مواجهة الحاخام

يتحدى الكتاب ضمنا القادة المعاصرين للتمييز بين البطولة التكتيكية والجدوى الإستراتيجية. الشخصيات التي أُعجب بها لبراعتها العسكرية – مثل سمعان بن جيورا، وإليعازر بن يائير، وبار كوخبا – قادوا ثورات كانت “إخفاقات مجيدة”. قاد هؤلاء أمتهم في النهاية إلى الكارثة والاستعباد الجماعي والنفي.

يرى شتراوس أنه، وعلى النقيض من ذلك تماما، كانت الإستراتيجية الناجحة طويلة الأمد رائدة من قبل الحكماء، ولا سيما يوهانان بن زكاي (الذي هرب من القدس لتأسيس أكاديمية للتعاليم الدينية)، والحاخام يهوذا الأمير.

لقد أدرك هؤلاء الرجال أن “المقاومة المسلحة ضد الإمبراطورية الرومانية كانت عقيمة”. لقد طوروا منهجية للمقاومة الروحية، مع التركيز على الحفاظ على التوراة والهوية اليهودية، وضمان البقاء كأمة بلا دولة.

تفرض البيانات التاريخية التي تتبعها المؤلف إجراء تقييم إستراتيجي دقيق: فالحاخام يهوذا الأمير، الذي شغل فيما بعد منصب (البطريرك) اليهودي بموافقة الرومان، كان قدوة في التواضع تجاه السلطة الحاكمة، بينما كان يعتقد في داخله أن الحكم الروماني كان مؤقتا ومقدرا له الفشل.

لقد ضمن الحاخامات، الذين أطلق عليهم شتراوس مجازيا اسم “أوديسيوس” لدهائهم وحكمتهم، أنه على الرغم من الحفاظ على الروح اليهودية، إلا أن الروح العسكرية قد تم إخمادها إلى حد كبير لعدة قرون.

إن هذه الجدلية التاريخية تطرح على القيادة الحديثة سؤالا حاسما: أتسعى إلى مقاومة قصيرة الأجل وبطولية ولكنها قد تكون مدمرة، أم تتبنى إستراتيجية طويلة الأمد وصبورة للحفاظ على روح المقاومة حتى في ظل الانكسارات العسكرية؟ أم تَرمِي بنفسها في أحضان التعامل البراغماتي مع القوى العالمية المهيمنة؟ أم تجمع بين إستراتيجيات متعددة تضمن بها تحولات إستراتيجية في الصراع التاريخي الممتد؟

تأكيد الشرعية التاريخية

وأخيرا، ينحاز كتاب اليهود ضد روما ويدعم الخطاب الإستراتيجي الحديث من خلال تناول الحجج التي تشكك في شرعية إسرائيل الأساسية بقوة.

عمل شتراوس، الذي يُفصّل قرنين من النضال اليهودي من أجل الاستقلال في الأرض، بما في ذلك دولة بار كوخبا التي أصدرت عملاتها الخاصة التي تؤكد هوية “إسرائيل” و”استرداد القدس”، بمثابة رواية مضادة قوية لفكرة أن إسرائيل مجرد “دولة استعمارية استيطانية”.

يحاول السجل التاريخي الذي يقدمه شتراوس أن يثبت أن المنطقة كانت، على مدى آلاف السنين، الموطن التاريخي لليهود، وهي مليئة بالأدلة الأثرية على الوجود اليهودي المستمر والتمرد والحياة الثقافية، ولكنه يفترض ضمنا- وقد ثبت خطأ ذلك علميا- أن يهود اليوم في فلسطين هم امتداد تاريخي لمن أقام منهم فيها قبل آلاف السنين.

في جوهره، بالنسبة لرئيس الوزراء نتنياهو، لا تُعدّ استشارة اليهود ضد روما مجرد تمرين أكاديمي، بل ضرورة إستراتيجية.

يُقدّم الكتاب منظورا تاريخيا قويا يُمكن من خلاله تحليل الصراع الحالي من خلال تسليط الضوء على: المزايا الإستراتيجية المذهلة للعلاقة التاريخية مع إيران؛ وضرورة الوحدة الداخلية لحرمان الخصوم من فرصة؛ ومخاطر الاعتماد المفرط على القوة وإذلال القوى المهيمنة؛ وفي نهاية المطاف، انتصار المرونة والإستراتيجية طويلة المدى على الحماسة العسكرية التكتيكية.

وتبقى الرسالة المحورية تحذيرية: الوحدة والإستراتيجية المدروسة ضروريتان للبقاء، لأنه كما يُشير شتراوس، إذا كان الشعب اليهودي متحدا، فإنه “يكاد يكون لا يُقهر”.

ويبقى التساؤل مطروحا: ما الذي يمكن أن يستخلصه زعيم عربي لو قرأ كتابا مثل هذا؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

لماذا يصرّ المستشار الألماني على إهانة ملايين العرب والمسلمين؟

زلّة لسان أم كلام محسوب لمستشار ألمانيا “العنيد” على رأي كاتب سيرته دانييل غوفارت؟ ألمانيا تتساءل وتناقش بحدة غير مألوفة أسباب لجوء رئيس حكومة أكبر دولة أوروبية ورئيس كتلة حزبه النيابية في البرلمان (البوندستاغ) لتصريحات “استفزازية” و”عنصرية” خلطا فيها عن قصد أو غير قصد بين أعراض إشكالية الهجرة وأسبابها وشملا ملايين البشر: عربا ومسلمين وغيرهم ولكنهما خصا مهاجرين لا ينطبق عليهم تعريف اليمين الألماني المحافظ “للمواطن المثالي”.

ولأن ألمانيا متنوعة -سواء أعجب ذلك رئيس حكومتها أو لم يعجبه- فإنها لم تهدأ منذ اليوم الأول للإدلاء بهذه التصريحات: مظاهرات عفوية في عشرات المدن، مبادرات ورسائل مفتوحة، وانتقادات حتى على ألسنة قياديين في الاتحاد المسيحي الديمقراطي، ومقالات رأي في كبرى الصحف الألمانية تتهم ميرتس بالعنصرية وشق المجتمع ووضع أكثر من ربع سكانه في خانة الاتهام.

ولكن لماذا يحرق ميرتس أصابعه بأمور أصغر من مهام مستشار ألمانيا وهو الذي قضى ثلثي حياته في عالم السياسة ويعرف تماما دهاليز البزنس السياسي في عاصمة ألمانيا؟

هل يريد مجرد استفزاز ملايين البشر والاصطياد في المياه العكرة؟ أم تحريك مياه راكدة؟

أم -كما يرى البعض- تحقيق مآرب سياسية واستمالة ناخبي الحزب اليميني المتطرف (البديل) وفي الوقت ذاته وقف نزيف التحاق الناخبين المحافظين وناخبي أحزاب أخرى بهذا الحزب الذي لا يشغله سوى التحريض على ملايين المهاجرين وتحديدا المسلمين منهم؟

الثابت هو أن حزب البديل يتقدم في استطلاعات الرأي وأصبح منذ الانتخابات البرلمانية الأخيرة في بداية العام ينافس على المركز الأول ويستعد في بقية هذا العام وفي العام المقبل لخوض خمس دورات انتخابية في خمس ولايات.

فوفقا لآخر استطلاع للرأي أشرفت عليه القناة التلفزيونية الأولى (ARD) تشتد المنافسة على المركز الأول بين حزب ميرتس المسيحي الديمقراطي (27 بالمئة) والبديل (26 بالمئة) بينما لا يعطي هذا الاستطلاع أقدم حزب في ألمانيا -وهو الاشتراكي الديمقراطي- أكثر من 14 بالمئة.

ما القصة؟

في 14 أكتوبر/تشرين الأول، ذكّر أحد الصحفيين مستشار ألمانيا بوعد قطعه على نفسه عام 2018 وهو خفض شعبية الحزب اليميني المتطرف (البديل) إلى النصف: ما هو برنامجك وكيف تريد حل هذه المشكلة (تفوّق حزب البديل)، سأل الصحفي؟

ميرتس لم يفكر طويلا وأشاد مباشرة بقدرة وزير داخليته على خفض أعداد اللاجئين بنسبة 60 بالمئة. ولكن المستشار الألماني يرى أن العمل لم يكتمل وإكماله مرتبط بحل مشكلة تتعلق بأن بعض اللاجئين -دون ذكر جنسياتهم-يشوهون مظهر المدن الألمانية، الأمر الذي يتطلب تكثيف عمليات ترحيلهم.

FILES-GERMANY-POLITICS-FARRIGHT-AFD-DEMOCRACY
أليس فايدل، الزعيمة المشاركة لحزب البديل لأجل ألمانيا تُخاطب مندوبي مؤتمر الحزب في 11 يناير  2025 في ريزا، شرق ألمانيا (الفرنسية)

ولكن لماذا يربط مستشار ألمانيا بين ارتفاع شعبية اليمين المتطرف وأعداد اللاجئين؟ ألا تشير أرقام السلطات الألمانية إلى أن أعدادهم بدأت تتراجع قبل تسلم حكومته مهامها في بداية مايو/أيار الماضي؟

بلى، لأن أرقام المكتب الاتحادي للهجرة واللجوء (BAMF) تؤكد بدء أعداد اللاجئين في التراجع بشكل كبير منذ عام 2023. هذا العام سجل انخفاضا بنسبة 54,7 بالمئة في أعداد القادمين الجدد وهذا يعني أن “الفضل” في ذلك يعود لجهود الحكومة السابقة بقيادة الاشتراكي الديمقراطي أولاف شولتس وليس لسياسة حكومة ميرتس.

مهمة تحديد جنسية هؤلاء اللاجئين تركها المستشار الألماني لرئيس كتلة حزبه النيابية ينس شْبان الذي فصل بالقول إن مظهر المدن سيكون أفضل بدون مهاجرين من دول عربية ومسلمة وأوروبية شرقية.

ففي اليوم التالي، سلم ميرتس الدفة لشْبان الذي لمع نجمه قبل أقل من عقد ووصل في تصريحاته المعادية للمسلمين حتى إلى مرحلة المطالبة بابتكار قوانين خاصة بهم لدرجة أنه طالبهم بالاستحمام عراة في استوديوهات اللياقة البدنية.

“في استوديو اللياقة البدنية الذي أرتاده، تم تعليق يافطات تسمح بالاستحمام بمايوه السباحة. عرب كثيرون من ذوي العضلات المفتولة كانوا يخجلون من الاستحمام عراة. هذا يشير إلى تحول في المجتمع لا أريده”.

ينس شْبان في مقابلة مع صحيفة “دي فيلت” المحافظة. 30 يوليو/تموز 2016

قصَد شْبان أو لم يقصد، لا يختلف اثنان على أن مطالبته بسنّ قوانين خاصة بالمسلمين (5,5 ملايين مسلم يعيشون في ألمانيا) تغذي أخطر الخزعبلات عن الإسلام: الإسلام ليس دينا بل أيديولوجية.

Germany's former Health Minister Jens Spahn speaks during a session of the lower house of parliament, the Bundestag, in Berlin, Germany February 1, 2024. REUTERS/Liesa Johannssen
سبان يطالب المسلمين بالتعري في المسابح(رويترز)

صحيح أنه لم يجهر بذلك ولكنه يعرف أن الذهاب بعيدا في التجني على الإسلام هو مهمة آخرين وتحديدا الحزب اليميني المتطرف (البديل) الذي اتهم الإسلام على لسان القياديين فيه ألكسندر غاولاند وبياترِكس فون شتورخ بأنه مجرد أيديولوجية. هذا كله شجع أكبر صحيفة في ألمانيا (بيلد) على التجرؤ على إهانة الإسلام بالقول في مقال: “ليس حزب البديل من اعتبر الإسلام أيديولوجية كما يُنقل. لأن الإسلام في الواقع مجرد أيديولوجية.

بعد كلام ميرتس وتأكيد رئيس كتلة حزبه النيابية، رد المستشار الألماني على استفسار لأحد الصحفيين عما إذا كان سيعتذر عن تصريحه بالقول: “أكرر. من يراقب الحياة اليومية يعرف أن تصريحاتي في الأسبوع الماضي كانت محقة (…) مرة أخرى: اسأل أطفالك، اسأل بناتك، اسأل في محيط أصدقائك ومعارفك. الكل يؤكد أن هناك مشكلة على الأقل عند حلول الظلام”، مشيرا إلى الربط بين “مشكلة مظهر المدن” الألمانية وسياسة حكومته الرامية إلى التسريع في عمليات ترحيل اللاجئين.

في عودة إلى أحد أهم أسئلة هذا التحقيق وهو هل نتحدث هنا عن زلّة لسان أم عن كلام محسوب بدقة؟ الإجابة عن هذا السؤال تتطلب الرجوع إلى الوراء قليلا وتحديدا إلى تصريحات سابقة لميرتس.

2023: “في الغالب نتحدث عن شباب من المنطقة العربية. هؤلاء غير مستعدين لاحترام القوانين ويستمتعون بتحدي الدولة (…) أتحدث عن مهاجرين عرب يتصرفون كالباشوات”. (معنى كلمة Pascha في الألمانية دائما سلبي ويشير في الغالب إلى رجل كسول يطلب من الآخرين خدمته).   

2024: “نتحدث عن موضوع معقد. ولكن يجب علينا أن نسأل لماذا هذا المركز الإسلامي في هامبورغ ما زال مفتوحا؟ ماذا يحدث في مدارس القرآن؟ ماذا يحدث في المساجد بألمانيا؟ لدينا أكثر من 1000 مسجد منها.يجب على الدولة تفحص الأمر”.

2023: “… يكتظون (اللاجئون) في عيادات أطباء الأسنان ويستبدلون أسنانهم في حين لا يستطيع الألمان الحصول على مواعيد”.

جميع هذه الاقتباسات التي أطلقها ميرتس عندما كان في المعارضة أثارت حينها نقمة الشارع، ولكن -لأنه لم يكن في موقع اتخاذ القرار- لم يكن وقعها بالحدة التي عقبت تصريح “تشويه مظهر المدن”. إعادة إنتاج صورة المهاجر

مديرة مركز التوثيق والمعلومات لمناهضة العنصرية، كريمة بن إبراهيم اعتبرت اختيار المستشار لألفاظه من منظور سياسي أمرا “بالغ الإشكالية”. فـ”حين ربط ميرتس بين ما وصفه بـ”مشكلة مظهر المدن” والهجرة، تبنّى عن وعي أو غير وعي سرديات يمينية وعنصرية تجاه المهاجرين (…) مثل هذه الصياغات تضع فئات متباينة للغاية لاجئين وأشخاصا من أصول مهاجرة وأقليات دينية أو إثنية في بوتقة واحدة وتعيد إنتاج صورة المهاجر بوصفه عامل اضطراب اجتماعي. (…) هذا نهج خطير، لأنه يقدم صورة نمطية قائمة على التصنيف العرقي بدلا من تحليل الأسباب البنيوية الفعلية للمشاكل القائمة، تضيف بن إبراهيم في حديث مع الجزيرة نت.

الخبير في شؤون اليمين المتطرف من جامعة غيزن، د. يوهانس كيس بدأ كغيره في الأوساط الأكاديمية فور إطلاق هذه التصريحات، التكهن بشأن دوافع المستشار الحقيقية.

“من ناحية -يقول كيس للجزيرة- تتماهى التصريحات الأولى للمستشار مع السرديات اليمينية المتطرفة لحزب البديل ومن ناحية أخرى، جاءت الموجة الثانية من تصريحاته “متعجرفة” و”عنيدة” وتهدف على ما يبدو إلى تعزيز البورفايل اليميني عند اتحاده المسيحي الديمقراطي الذي يشهد توترا كبيرا بشأن قضية الهجرة”.

Johannes Kiess
كيس: المحافظون عاجزون عن وقف مد اليمين المتطرف(الأوروبية)

ولكن هل ستساعد مثل هذه التصريحات على وقف حزب البديل عند حده وعلى استعادة حزب ميرتس ناخبين عزفوا عن انتخابه في الأشهر الماضية؟

كيس يؤكد هنا أن ذلك لن يمكن المحافظين الألمان من وقف المد اليميني المتطرف، بل على العكس تماما. فالدراسات تظهر أن النقاشات التي تعقب هذه التصريحات “تُعزز في العادة مواقف حزب البديل لأنه احتكر جميع القضايا المتعلقة بالهجرة ويدعي ملكيتها بغض النظر عن نبرة الأحزاب الأخرى”، في إشارة من الخبير إلى أن الناخب في هذه الحال سينتخب الأصل وليس النسخة المقلدة.

ولكن الأخطر من ذلك -كما يقول كيس- هو أن هذه النقاشات “لا تنتج في المقام الأول إلا خاسرين” وتسبب “الخوف والنفور” من الديمقراطية وتجرد النقاش من طابعه السياسي ولا تساهم في توجيهه نحو البحث عن حلول”.

25 مليون مهاجر

تؤكد أرقام مكتب الإحصاءات الألماني الاتحادي أن عدد المواطنين الألمان بالمواطنة وليس بالدم يبلغ 24,9 مليون شخص من بين 83,5 مليون نسمة العدد الإجمالي للسكان في ألمانيا.

ووفق المكتب ذاته، فإن عدد اللاجئين الملزمين رسميا بمغادرة ألمانيا لأسباب مختلفة يبلغ 41 ألف شخص. ولنفرض أن جميع هؤلاء الأشخاص يتحملون مسؤولية “تشويه” مراكز المدن ومظهر محطات قطاراتها الرئيسية، فإنهم لا يشكلون أكثر من 0,07 بالمئة من سكان المدن الألمانية الكبيرة والمتوسطة.

فكيف تلقى المهاجرون والمجتمع الألماني هذه التصريحات؟

عندما اكتفى ميرتس بالإشارة إلى ما وصفه بـ”مظهر المدن المشوه”، لاحظنا أن الاستهجان اقتصر على وسائل الإعلام وبعض النخب، ولكن بعد تحديد جنسيات المهاجرين المستهدفين وعناد المستشار وقوله إنه لن يعتذر عن هذه الإهانات وإذا لم يعجبكم ذلك “اسألوا بناتكم”، قامت الدنيا ولم تقعد: مظاهرات تحت شعار “نحن مظهر المدينة” و”نحن البنات” ومبادرات ورسائل مفتوحة وغيرها من النشاطات التي أظهرت بالفعل تنوع هذا المجتمع.

كريمة بن إبراهيم تقول حول الصدمة التي أحدثها خطاب ميرتس إن الغضب لم يأت فقط من مواطنين من أصول مهاجرة: “مهاجرون كثيرون اعتبروها عن حق عنصرية فقد ترافقت مع ردود فعل من مختلف أطياف المجتمع سواء من صفوف المعارضة أو من داخل الائتلاف الحاكم نفسه ومن منظمات المجتمع المدني وكذلك من شخصيات سياسية”.

تضيف بن إبراهيم أن ما يجمع بين هذه المواقف قاسم مشترك واحد هو القلق من أن هذا النمط من الخطاب يساهم في توسيع الهوة بين سياسات الأمن والنظام من جهة والواقع الاجتماعي من جهة أخرى. فالمسألة ليست في إنكار وجود المشاكل، بل في كيفية تناولها لغويا وإعلاميا أي هل يتم ذلك بطريقة دقيقة ومتفحصة، أم من خلال تعميمات تؤدي إلى وصم الجميع بالتهمة ذاتها.

“أهاننا جميعا”

هذا التعميم أحالنا إلى الاستفسار عن وقع هذه الإهانات على مهاجر غير عادي. فبمجرد وضع اسم نادر خليل في محرك غوغل للبحث وقراءة مقالات المديح لأنشطته في مجال التعايش بين سكان الحي المتنوع (نويكولن) بجنوب برلين، يتولد لديك انطباع بأنه أفنى حياته في مجال خدمة هذا المجتمع وفي اندماج العرب والمسلمين فيه، الأمر الذي دفع حكومة ولاية برلين إلى منحه عدة أوسمة أهمها وسام الاندماج لعام 2007.

يقول نادر خليل -في حديث مع الجزيرة نت- إن الحكم على كلام المستشار الألماني في الحياة اليومية يقود إلى الاعتقاد بأن كل شخص أصوله ليست ألمانية متهم وبأن كلام ميرتس موجه له علما بأن ألمانيا بأكملها تقر بمساهمة المهاجرين في إعادة بناء هذا البلد بعد الحرب وبدورهم المحوري في جميع المجالات الاقتصادية.

الأرقام الأخيرة التي قدمها مكتب الإحصاءات الألماني الاتحادي تؤكد ما يقوله خليل وتشير إلى أن بعض القطاعات الاقتصادية في ألمانيا كانت في الأعوام الماضية قادرة على البقاء بفضل المهاجرين فقط، إذا تبلغ نسبتهم في بعضها 60 بالمئة بينما تبلغ نسبتهم الإجمالية في سوق العمل الألماني الأكبر في الاتحاد الأوروبي 26 بالمئة.

نادر خليل- سليم سليم- الجزيرة
نادر خليل اتهم ميرتس بالتناقض(الجزيرة)

كما اتهم خليل الذي ترشح عام 2009 للبرلمان الألماني باسم الحزب المسيحي الديمقراطي، اتهم ميرتس بالتناقض، قائلا: من ناحية يؤكد المستشار ضرورة الحفاظ على تماسك المجتمع ومن ناحية أخرى يدق أسفين الفرقة بين مكوناته.

ولكن كيف استقبل الناس في حي نويكولن حيث يعيش ويعمل ابن الـ57 عاما هذه التصريحات؟

“بتهكم وسخرية” يرد خليل، ويضيف أن صديقا له من أصول تركية مازحه عندما سمع كلام ميرتس قائلا “ما رأي المستشار في أن نصبغ شعرنا بالأشقر حتى نناسب تصوره لمظهر المدن الألمانية”؟ وقال آخر إنه لم يستغرب هذه التصريحات لأن صاحبها يعيش في عالم موازٍ ولا يعرف ماذا تعني الحياة في مدينة متنوعة مثل برلين أو ميونيخ أو هامبورغ.

ولكن الأخطر في تصريحات ميرتس -بحسب خليل- هو أنها تعزز حضور اليمين المتطرف وتعتبر الخطوة الأولى على طريق تنفيذ هذا اليمين سياسته الداعية إلى الترحيل إذا وصل إلى موقع صنع القرار، وخاصة أن هذه التصريحات تأتي من رأس هرم السلطة.الآثار والأخطار

بخصوص آثار هذا الخطاب على المجتمع تقول بن إبراهيم إن القراءة التحليلية للخطاب المذكور تُبيّن أن له ثلاثة آثار مباشرة على التعايش بين المهاجرين والمسلمين والألمان، أولها عند الحديث عن “مظهر المدن” تتشكّل فورا صور نمطية لمحطات القطارات ومراكز المدن ومجموعات الشباب ذوي الملامح غير الأوروبية. وبذلك تتحوّل قضايا معقدة مثل الفقر والبطالة وضعف البنى التحتية إلى نقاش بصري سطحيّ يغذي الأحكام المسبقة ويهمّش التحليل الموضوعي.

وتضيف أن ذلك ينتج مشاعر التهميش والريبة ويؤدي إلى شعور كثير من المواطنين ذوي الخلفية المهاجرة والمسلمين بأن انتماءهم موضع تساؤل دائم، مما يضعف ثقتهم في المؤسسات الحكومية والمحلية. هذه الثقة ضرورية لنجاح سياسات الاندماج والتعاون المجتمعي.

وثالثا تؤدي هذه الخطابات إلى إزاحة النقاش عن قضايا العدالة الاجتماعية إلى قضايا رمزية ولغوية، ويتضح من ذلك أن المشكلة لا تكمن في طرح القضايا ذاتها بل في اللغة المستخدمة.  عندما تتحول اللغة إلى أداة للوصم بدلا من وسيلة للتحليل الدقيق فإنها تنتج فقدانا للثقة وشرخا في تماسك المجتمع. اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير

وتنصح بن إبراهيم -التي تدير مركزا يعتبر من أهم المرجعيات للحكومة الألمانية بخصوص مناهضة العنصرية- المستشار ببناء الخطاب الرسمي حول الهجرة على أساس معرفي وبياني وتجنب التعميمات وتعزيز الاندماج عبر العمل الأمر الذي يمنح المقيمين الجدد حق الالتحاق الفوري ببرامج اللغة والتأهيل المهني خلال ثلاثين يوما مع تسريع الاعتراف الرقمي بالمؤهلات المهنية وفتح أسواق العمل.

كما تؤكد المختصة ضرورة تكريس مبدأ دولة القانون العادلة للجميع وإبرام اتفاقات شراكة بين الجمعيات الإسلامية ومنظمات المهاجرين والمدارس والتجار وقطاع الإسكان وتحديد أهداف قابلة للقياس مثل زيادة فرص التدريب المهني وتحسين مشاركة النساء في برامج اللغة والعمل وإعادة توجيه سياسات الإسكان والرعاية الاجتماعية وغيرها من الاقتراحات التي تعد أمرا لا غنى عنه إذا أرادت حكومة ميرتس بالفعل الحفاظ على تماسك المجتمع بدلا من إطلاق تصريحات عنصرية تخدم بالدرجة الأولى اليمين المتطرف.

ووفق لبن إبراهيم فإن تحليل الخطاب السياسي الراهن يبين أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير بل فاعل سياسي في حد ذاته، مضيفة أن اللغة قادرة على بناء الانتماء أو تفكيكه وعلى دعم التماسك أو تهديده لأن الانتقال من خطاب رمزي قائم على التبسيط إلى سياسة شاملة وفاعلة يمثل خطوة جوهرية وأولى نحو مجتمع متماسك ومتعدد في آن واحد.

فهل يدرك رئيس الحكومة الألمانية أنه فقط من خلال الاعتراف بالتنوع بوصفه قيمة بنيوية واعتماد سياسات تشاركية قائمة على الحقائق يمكن ضمان استدامة التعايش السلمي والعدالة الاجتماعية في المدن الألمانية؟

المصدر: الجزيرة

طلاق غيّر التاريخ: كيف انفصلت كنيسة إنجلترا عن الفاتيكان؟

في حدث غير مسبوق منذ نحو خمسة قرون، شارك الملك تشارلز الثالث والبابا لاون في صلاة مشتركة داخل كنيسة سيستينا في الفاتيكان، في لحظة وُصفت بأنها تاريخية وتجسّد تقارباً لافتاً بين الكنيستين الإنجليزية والكاثوليكية بعد قرون من الانقسام.

بدأت المراسم بتلاوة الصلاة باللغة الإنجليزية داخل أروقة الكنيسة البابوية الكبرى، في مشهد رمزي يذكّر بتاريخ طويل من الخلاف الديني الذي يعود إلى القرن السادس عشر، حين قرّر الملك هنري الثامن فصل كنيسة إنجلترا عن الكنيسة الكاثوليكية، ليصبح اسمه لاحقاً رمزاً لأحد أكثر التحولات الدينية والسياسية إثارة في تاريخ أوروبا.قصة انشقاق الكنيسة الأنغليكانية عن روما هي في الواقع قصة هنري الثامن، فمن كان هذا الملك؟ وما العوامل التي أدت إلى ذلك الانقسام؟

البدايات والعرش

ولد الملك هنري الثامن في 28 يونيو/ حزيران عام 1491 في غرينتش قرب لندن، وتوفي في 28 يناير/ كانون الثاني عام 1547 في العاصمة البريطانية، بحسب دائرة المعارف البريطانية.

حكم إنجلترا بين عامي 1509 و1547، وكان من أبرز ملوك أسرة تيودور، إذ أشرف على بدايات عصر النهضة الإنجليزية وحركة الإصلاح الديني التي غيّرت وجه أوروبا.

تزوّج ست مرات، وكانت زوجاته على التوالي كاثرين الآراغونية (والدة الملكة المستقبلية ماري الأولى)، وآن بولين (والدة الملكة المستقبلية إليزابيث الأولى)، وجين سيمور (والدة وريثه الملك إدوارد السادس)، وآن كليفز، وكاثرين هوارد، وكاثرين بار.

وكان هنري الابن الثاني للملك هنري السابع، أول ملوك أسرة تيودور، ولإليزابيث ابنة الملك إدوارد الرابع، أول ملوك أسرة يورك القصيرة العمر، وعندما توفي شقيقه الأكبر آرثر عام 1502، أصبح هنري الوريث للعرش.

ومن بين جميع ملوك تيودور، كان الوحيد الذي أمضى طفولته في هدوء وهو ينتظر التتويج، وهو ما أكسبه ثقة ملكية امتزجت بطبيعته المندفعة المفعمة بالحيوية، وتميّز في التحصيل العلمي كما تفوّق في التمارين البدنية التي كانت تميز مجتمع النبلاء.

عندما اعتلى هنري الثامن العرش عام 1509، كانت التوقعات كبيرة بشأن ما سيحققه. كان شاباً في الثامنة عشرة من عمره، يبلغ طوله نحو 183 سنتيمتراً، قوي البنية، لا يملّ من الرياضة والصيد والرقص. بدت شخصيته النشطة وعداً بـ”ربيع جديد” بعد “الشتاء الطويل” الذي ميّز عهد والده هنري السابع.

استغل هنري ووزراؤه النقمة التي خلّفها والده بسبب حرصه المفرط على توسيع سلطة التاج الملكي، فتخلّصوا من بعض المؤسسات غير المحبوبة ومن رجال الدولة الذين خدموا في العهد السابق. ومع ذلك، فإن أساليب الحكم التي كانت مكروهة عادت سريعاً إلى الظهور لأنها كانت ضرورية لضبط الحكم وتأمين موارده.

بعد فترة وجيزة من اعتلائه العرش، تزوج هنري من كاثرين الآراغونية، أرملة شقيقه آرثر، في زواج دعم التحالف بين إنجلترا وإسبانيا وأكسبه رضا البابا يوليوس الثاني الذي منحه الإذن الخاص بهذا الزواج غير المعتاد. لكن مظاهر الاحتفال الفخمة استهلكت القسم الأكبر من الموارد الملكية المحدودة.

الأخطر من ذلك كان تصميم هنري على خوض مغامرات عسكرية في أوروبا التي كانت آنذاك مشتعلة بالصراعات بين الممالك الفرنسية والإسبانية. وضد نصيحة مستشاريه الكبار، انضم عام 1512 إلى حميه فرديناند الثاني ملك آراغون في حرب ضد فرنسا، متذرعاً بالدفاع عن البابا الذي كان يكنّ له احتراماً عميقاً وشبه مطلق.

هنري والكاردينال

في تلك الفترة برز الكاردينال توماس وولسي، رجل الدولة الطموح الذي تولى تنظيم أول حملة عسكرية لهنري في فرنسا. وبحلول عام 1515، أصبح وولسي رئيس أساقفة يورك، والمستشار الأول لإنجلترا، وكاردينالاً في الكنيسة الكاثوليكية، والأهم من ذلك أنه صار الصديق الأقرب للملك والمسؤول الفعلي عن إدارة شؤون الدولة.

ورغم أن هنري لم يتخل تماماً عن سلطاته، فقد منح وولسي مساحة واسعة من الحرية في اتخاذ القرارات، محتفظاً لنفسه بحق التدخل متى شاء.

وبينما كان العالم يرى في وولسي الحاكم الحقيقي لإنجلترا، كان هنري يدرك جيداً أن السلطة النهائية لا تزال بيده. سعى وولسي لاحقاً إلى منصب البابا، مدعوماً من هنري الذي رأى في وصوله إلى روما فرصة لتعزيز نفوذ إنجلترا في أوروبا، غير أن طموحه اصطدم بالواقع السياسي ولم يتحقق.

أثارت سياسات الكاردينال توماس وولسي موجة من السخط الشعبي، إذ إن محاولاته لإصلاح المظالم لم ترض الفقراء وأغضبت النبلاء، وبلغ التوتر ذروته بين عامي 1523 و1524. ورغم كراهيته لعقد البرلمان، اضطر وولسي إلى استدعائه عام 1523، غير أن الضرائب التي أقرها كانت أقل بكثير مما احتاجه الملك لتمويل مشاريعه.

وفي العام التالي، أدت محاولة فرض ضريبة استثنائية إلى مقاومة شديدة أجبرت هنري على التراجع عنها. وقد نجح الملك في التنصل من الفشل ما دام الكاردينال هو من يتحمل اللوم، لتبدأ مكانة وولسي بالتراجع تدريجياً. وبحلول عام 1527، أصبحت سياسة الدولة التي كانت تنسب إلى وولسي، بينما كانت في حقيقتها إرادة هنري، عاجزة عن تحقيق أي نجاح ملموس في الداخل أو الخارج.

تبددت الآمال المثالية التي أحاطت ببدايات حكم هنري سريعاً أمام تعقيدات الواقع، ومع ذلك ظلّ الأدباء والمفكرون يرون فيه ملكاً منفتحاً على الفكر والعلم. ففي عام 1517، استعان بالمفكر الإنساني توماس مور مستشاراً جديداً، أحد أبرز العقول في عصره، لكن مور أدرك لاحقاً أن هنري يفصل بين حبه للنقاش الفكري وطريقته العملية الصارمة في إدارة الحكم.

ورغم التوترات السياسية، حافظ هنري على صورته كملك مثقف مدافع عن الكنيسة الكاثوليكية، حتى أنه كتب عام 1521 مؤلفاً يردّ فيه على أفكار المصلح الألماني مارتن لوثر، فنال من البابا لقب “المدافع عن الإيمان”.

الصدام مع روما

ما إن دخل هنري الثامن عقده الرابع حتى انقلبت موازين حياته الشخصية والسياسية. فبعد أكثر من عشرين عاماً من الزواج، واجه أزمة حادة مع زوجته كاثرين الآراغونية بسبب عدم إنجاب وريث ذكر للعرش. فقد انتهت معظم محاولاتها للإنجاب بالإجهاض أو وفاة المواليد، ولم يبق لهما سوى ابنة واحدة، الأميرة ماري، التي ولدت عام 1516.

ولم تكن فكرة أن تتولى امرأة العرش تلقى قبولاً في ذلك العصر، خشية ما قد تسببه من اضطرابات سياسية وصراعات على السلطة.

كالعادة، لم ير هنري الخلل في نفسه، بل حمّل المسؤولية لزوجته. وفي خضم هذا التوتر، ازدادت مشاعره تجاه آن بولين، وصيفة من حاشية الملكة وشقيقة لإحدى عشيقاته السابقات.

كان هنري رجلاً ميالاً للتقوى، لكنه وجد في آن متنفساً عاطفياً من زواج فاتر. أما آن نفسها، فكانت أكثر من مجرد امرأة فاتنة؛ كانت شابة ذكية وطموحة تعرف دهاليز البلاط، وأصرت على أن تكون زوجة شرعية لا عشيقة في الظل.

استغرق هنري الثامن نحو ست سنوات لتحقيق هدفه بالزواج من آن، وفي سعيه لذلك أشعل ثورة دينية غير مقصودة غيّرت مسار التاريخ. فمنذ عام 1527، بدأ ما عرف لاحقاً بـ”القضية الكبرى للملك”، أي محاولته الحصول على الطلاق من كاثرين.

أقنع نفسه بأن زواجه الأول باطل شرعاً، مستنداً إلى نص من سفر اللاويين في الكتاب المقدس الذي يحرّم الزواج من أرملة الأخ.

واعتبر أن وفاة أبنائه الذكور علامة على غضب إلهي، فحوّل قناعته الشخصية إلى قضية دينية، مقتنعاً بأنه يعيش في خطيئة لا يمكن التكفير عنها إلا بإنهاء الزواج.

توجّه هنري إلى روما طالباً من البابا كليمنت السابع إبطال زواجه، وكان من المعتاد أن يستجيب البابا لطلبات الملوك في مثل هذه القضايا، إلا أن هنري اختار توقيتاً بالغ السوء.

فقد كانت كاثرين عمة الإمبراطور شارل الخامس، حاكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكان البابا حينها أسيراً للإمبراطور بين عامي 1527 و1528، ما جعله عاجزاً عن اتخاذ قرار يغضب حليفه الأقوى في أوروبا.

كما أن كليمنت السابع لم يرغب في إعلان بطلان الترخيص البابوي الذي سمح أصلاً بزواج هنري من كاثرين، وهو ترخيص جلب لعاصمة الكنيسة عوائد مالية معتبرة.

أمام هذا المأزق، اختار البابا الحفاظ على هيبة الكرسي البابوي بدلاً من إرضاء ملك إنجلترا. ومن هنا بدأت الأزمة التي ستنتهي بانفصال إنجلترا عن الفاتيكان وولادة كنيسة إنجلترا المستقلة.

رأس الكنيسة

انتهت محاولات هنري الثامن لحل أزمته عبر القنوات القانونية إلى طريق مسدود منذ بدايتها، لتضع الكاردينال توماس وولسي في موقف حرج. فقد كان نجاحه في هذه القضية المستحيلة شرطاً لبقائه في السلطة، فسعى إلى إيجاد مخرج داخل إنجلترا نفسها، واستصدر إذناً لمحاكمة القضية هناك.

لكن القاضي الموفد من روما، الكاردينال لورنزو كامبيجيو، أوقف الإجراءات بأمر بابوي عام 1529، ما أحبط آمال هنري وأظهر عجز وولسي.

وبعد أسابيع قليلة، جرّد وولسي من مناصبه ونفي من البلاط، منهياً بذلك مسيرته السياسية الطويلة. غير أن سقوطه لم يقدّم حلاً للأزمة، إذ ظل هنري محاطاً بمستشارين لا يملكون القدرة على تلبية رغبته، في وقت كان يعرف فيه تماماً ما يريد، من دون أن يعرف بعد كيف يحققه.

تولى توماس مور منصب المستشارية خلفاً لوولسي، رغم معارضته العلنية لفكرة طلاق الملك، مفضلاً تركيز جهوده على محاربة ما كان يراه بدعاً لوثرية. وساد الارتباك في سياسة إنجلترا نحو ثلاث سنوات، ظل خلالها هنري الثامن متأرجحاً بين أمل في أن تسمح له روما بالنظر في قضيته داخل البلاد، وميول متزايدة نحو القطيعة مع الكرسي البابوي. ومع أنه تحدث في أوقات مختلفة عن الانفصال، فإنه لم يكن هو ولا مستشاروه يدركون كيف يمكن تحويل هذا الحديث إلى سياسة واقعية.

لكن “القضية الكبرى للملك” تطلّبت ثورة حقيقية، وكان الرجل الذي صاغ ملامحها ونفذها هو توماس كرومويل، الذي تولى في أبريل/ نيسان 1532 السيطرة على مجلس الملك، وظل مهيمناً عليه لنحو ثماني سنوات. في عهده، اتخذ القرار المصيري بفصل الكنيسة الإنجليزية عن روما، لتصبح مؤسسة دينية وطنية تخضع مباشرة لسلطة الملك بوصفه نائب الرب على الأرض.وفي يناير/ كانون الثاني 1533، تزوج هنري من آن بولين، ثم أشرف رئيس الأساقفة الجديد توماس كرانمر في مايو/ أيار على محكمة قضت ببطلان زواجه الأول من كاثرين. وفي سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، وُلدت الأميرة إليزابيث. وردّ البابا كليمنت السابع بحرمان الملك كنسياً، لكن ذلك لم يلقِ أي صدى في إنجلترا التي كانت قد حسمت أمرها. وبعد عام واحد، صادق هنري على “قانون السيادة” عام 1534، الذي نص على أن ملك إنجلترا هو “الرئيس الأعلى للكنيسة الإنجليزية”، معلناً بذلك تأسيس كنيسة إنجلترا المستقلة عن الفاتيكان.

لم يكن الانفصال مجرد خطوة دينية، بل ثورة سياسية قلبت توازن القوى في البلاد. فقد صادر هنري ممتلكات الأديرة الكاثوليكية وضَمّ ثرواتها إلى التاج، ليصبح واحداً من أثرى ملوك أوروبا، كما نصّب نفسه المرجع الأعلى في تفسير العقيدة، مطلقاً بذلك سلسلة من الإصلاحات الدينية والإدارية التي مهدت لاحقاً لظهور البروتستانتية في إنجلترا.

لكن المفارقة أن الملك نفسه كان قد ألّف في عام 1521 كتاباً ضد أفكار المصلح الألماني مارتن لوثر، ونال بسببه من البابا لقب “المدافع عن الإيمان”. أما الآن، فكان موقفه الجديد يعادل تأييداً ضمنياً للإصلاح البروتستانتي، وهو ما رحّب به كرانمر وكرومويل وربما آن بولين، لكنه ظل مرفوضاً عند هنري الذي ظلّ يكن عداءً فكرياً عميقاً للوثر.

ومع استبعاده السلطة البابوية، لم يتخل هنري عن جوهر العقيدة الكاثوليكية التي نشأ عليها، بل أعاد صياغتها وفق رؤيته الخاصة. فاحتفظ بمفهوم “تحوّل الخبز والنبيذ إلى جسد ودم المسيح” وبفكرة العزوبة الكهنوتية، لكنه تبنّى في المقابل مواقف أكثر تحرراً من سلطة الكنيسة في الشؤون الدنيوية، ورأى أن الإنسان يستطيع طلب الخلاص دون وساطة الكهنة. وبقي حتى وفاته يفاخر بثقافته اللاهوتية، منشغلاً بالتأمل في طبيعة الدين الحق، بحسب ما تذكر دائرة المعارف البريطانية.

رجل دموي

خلال عقد الثلاثينيات من القرن السادس عشر، اتسعت سلطة هنري الثامن إلى حد غير مسبوق بفضل إصلاحات توماس كرومويل، ولا سيما بعد مصادرة ممتلكات الأديرة الكاثوليكية وتحويل ثرواتها إلى خزينة التاج بين عامي 1536 و1540. لكن توسع النفوذ ترافق مع موجة من القمع طالت حتى المقربين من الملك، فتم إعدام المستشار السابق توماس مور، إلى جانب نحو خمسين شخصاً آخرين أُدينوا بتهم الخيانة بين عامي 1535 و1541. ومع سقوط الرؤوس، تلاشت صورة هنري كملك مثقف ومدافع عن المعرفة، لتحلّ محلها سمعته كحاكم دموي لا يرحم.

تزامن ذلك مع سلسلة من الزيجات المثيرة التي عمّقت الجدل حول شخصيته. فزواجه من آن بولين لم يجلب له لا السعادة ولا الوريث الذكر الذي انتظره طويلاً، إذ أنجبت له ابنة واحدة هي إليزابيث، التي ستصبح لاحقاً الملكة إليزابيث الأولى. وبعد ثلاث سنوات من الزواج، اتهمها بالخيانة والزنا، وأمر بإعدامها عام 1536، في مشهد هزّ البلاط الملكي وأكد قسوته.

بعد أشهر فقط من إعدام آن بولين، تزوج هنري من جين سيمور، التي أنجبت له أخيراً ابنه المنتظر، الأمير إدوارد، لكنها توفيت بعد أيام من الولادة بسبب الحمى. كانت وفاتها ضربة قاسية له، فوصفها بأنها “الزوجة الوحيدة التي أحبها حقاً”.

لاحقاً، سعى هنري إلى تحالف سياسي عبر زواجه من آن كليفز، شقيقة دوق كليفز، في خطوة دبّرها توماس كرومويل لبناء جبهة شمال أوروبية في مواجهة فرنسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة. لكن الملك كره زوجته الجديدة منذ اللقاء الأول، وطلب الطلاق فوراً، وهو ما تحقق بسرعة. أودى فشل هذا الزواج بكرومويل نفسه، إذ استغل خصومه الموقف لتحريض الملك عليه، فأُعدم في يوليو/ تموز 1540.

مع مرور الوقت، تحول هنري إلى حاكم خطير سريع الغضب، تهيمن عليه الشكوك وجنون العظمة. وبالرغم من أنه كان يعتقد أنه يمسك بكل خيوط السلطة، فقد كان في الواقع عرضة للتلاعب من المحيطين به الذين استغلوا اضطرابه النفسي وغروره.

تدهورت حالته الصحية بسبب السمنة المفرطة، فأصبح بطيئاً في الحركة، متقلب المزاج، سريع الانفعال، يميل إلى الحزن والكآبة. وبين عامي 1540 و1542، تزوج من كاثرين هوارد، ابنة العشرين عاماً، لكن استمرارها في علاقات غير مشروعة حتى بعد أن أصبحت ملكة أدى إلى إعدامها بالمقصلة. كانت تلك الحادثة ضربة نفسية قاضية لهنري، الذي دخل بعدها مرحلة الشيخوخة المليئة بالوحدة والمرارة.

وفي سنواته الأخيرة، تزوج من كاثرين بار، امرأة هادئة ومتعقلة استطاعت بحكمتها أن تضمن سلامتها وترافقه حتى وفاته، شاهدة على انحدار صحته الجسدية وتدهور حالته النفسية، فيما كان عهد هنري يقترب من نهايته بعد أن غيّر وجه إنجلترا سياسياً ودينياً إلى الأبد.

الوفاة والإرث

توفي الملك هنري الثامن في 28 يناير/ كانون الثاني عام 1547 في قصر وايتهول عن عمر ناهز السادسة والخمسين، ودفن إلى جوار زوجته جين سيمور، التي أنجبت له وريثه الوحيد.

خلفه ابنه إدوارد السادس، الذي واصل نهج الإصلاح الديني، ثم أعادت ابنته ماري الكاثوليكية بعض نفوذ روما، قبل أن تأتي إليزابيث الأولى لتكرّس الاستقلال الديني والسياسي لإنجلترا نهائياً.

يبقى إرث هنري الثامن مرتبطاً بالتحول التاريخي الذي قاد إلى انقسام الكنيسة وولادة كنيسة إنجلترا المستقلة. فقد أنهى تبعية البلاد للفاتيكان، وجعل الملك رأساً للسلطتين الزمنية والروحية، فاتحاً الباب أمام الإصلاح الديني البروتستانتي وترسيخ الهوية الدينية الجديدة لإنجلترا.

وبعد ما يقرب من خمسة قرون على ذلك الانقسام، صلى الملك تشارلز الثالث والبابا لاوُن الرابع عشر معاً في الفاتيكان، في لحظة رمزية أعادت الدفء بين الكنيستين اللتين فرقتهما قرارات هنري الثامن قبل خمسمئة عام.

كيف ساهم مشروع “لافي” الإسرائيلي في ولادة المقاتلة الصينية J-10؟ القصة الكاملة

تُعد مقاتلات J-10، بأجيالها المتطورة من J-10A وصولاً إلى النسخة الأحدث J-10C، ركيزة أساسية للقوات الجوية لجيش التحرير الشعبي الصيني وعماد قوتها الضاربة. لكن قصة تطوير هذه الطائرة المقاتلة تحمل في طياتها فصلاً غير متوقع، يرتبط بشكل وثيق بمشروع إسرائيلي طموح ألغي في نهاية الثمانينيات، هو مشروع المقاتلة “لافي”.

تشير مصادر مطلعة إلى أن إسرائيل لعبت دوراً محورياً، وإن كان غير مباشر وغير معلن، في ظهور المقاتلة J-10 الصينية. والمفارقة أن إسرائيل، التي يُعتقد أنها ساهمت في ولادة J-10 تقنياً، كانت من أبرز الدول التي عبرت عن قلقها البالغ عند إعلان مصر عن نيتها اقتناء هذه المقاتلات.

مشروع “لافي”: طموح واعد ونهاية مفاجئة

في مطلع الثمانينيات، شرعت إسرائيل في مشروع طموح لتطوير مقاتلة محلية متقدمة تحت اسم “لافي”، عبر شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI)، بدعم أميركي واسع فنياً ومالياً.

يصف الخبير عمير أسلام، المدير التنفيذي لشركة تشارلي ميديا، مشروع “لافي” بأنه “كان يهدف لتصنيع مقاتلة متقدمة متعددة المهام محلياً”.

هدف المشروع كان واضحاً: تطوير مقاتلة خفيفة، عالية المناورة، مزودة بأحدث إلكترونيات الطيران وأنظمة التحكم الرقمي المتقدمة (Fly-by-Wire)، لتلبية الاحتياجات العملياتية الخاصة لسلاح الجو الإسرائيلي.

شهد يوم 31 ديسمبر 1986 أول تحليق ناجح للنسخة التجريبية من “لافي”، وأظهرت الطائرة أداءً مبهرًا خلال اختبارات الطيران الأولية. إلا أن مسار المشروع اصطدم بعقبات كبرى تمثلت في التكاليف الباهظة جداً والضغوط السياسية المتزايدة من واشنطن، التي كانت تخشى منافسة “لافي” لطائراتها في السوق العالمي وتأثير المشروع على المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل. دفع هذا الواقع الحكومة الإسرائيلية إلى اتخاذ قرار صعب بإلغاء المشروع عام 1987، بعد إنتاج 3 نماذج أولية فقط.

رغم إلغائه، لم يختفِ مشروع “لافي” دون ترك أثر؛ فقد خلف إرثاً تقنياً مهماً ساهم في تطوير الصناعات الدفاعية الإسرائيلية، وبات يُنظر إليه كنموذج لمشروع واعد أوقفته اعتبارات اقتصادية وسياسية رغم تفوقه التكنولوجي.

من “لافي” إلى J-10: تشابهات تقنية لا يمكن تجاهلها

يتفق العديد من المحللين العسكريين على وجود تشابهات تصميمية وتقنية لافتة بين المقاتلة “لافي” والطائرة الصينية J-10، خاصة في النسخ المتأخرة منها مثل J-10C. هذه التشابهات تثير تساؤلات حول وجود صلة بين المشروعين.

يؤكد أسلام لموقع دفاع العرب أن “المزاعم بأن تصميم المقاتلة الصينية J-10 مستوحى بشكل ما من مشروع “لافي” الإسرائيلي تتسم بالمصداقية، رغم غياب التأكيد الرسمي القاطع”.

ويضيف موضحاً الأساس التقني لهذا التشابه: “يشترك كلا الطرازين في تخطيط هيكلي متشابه، وتصميم جناح دلتا مع الزعانف الأمامية المتحركة (Canards)، بالإضافة إلى استخدام أنظمة تحكم طيران رقمية متقدمة (Fly-by-Wire)، مما يشير إلى تشابه تقني واضح بين المقاتلتين لا يمكن إغفاله”.

جسور التعاون السري: كيف وصلت التقنية الإسرائيلية إلى الصين؟

في الوقت الذي كانت فيه الصين تسعى حثيثاً لتحديث قواتها الجوية المعتمدة بشكل كبير على تصاميم الحقبة السوفيتية القديمة (مثل المقاتلة J-7 المشتقة من الميغ-21)، برزت الحاجة الماسة لاكتساب القدرة على تطوير مقاتلة حديثة بخصائص الجيل الرابع.

مع تحسن العلاقات الصينية-الإسرائيلية في أوائل التسعينيات، وخاصة قبل الإعلان الرسمي عن إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين عام 1992، يُعتقد أنه فُتحت قنوات للتعاون التكنولوجي والعسكري، غالباً ما كانت تتسم بالسرية الشديدة في بداياتها.

عبر هذه القنوات غير المعلنة، يُعتقد أن الصين تمكنت من الوصول إلى تصميمات وتقنيات متقدمة، ربما شملت بيانات وهندسة عكسية ذات صلة بمشروع “لافي”، مستفيدة بذلك من الخبرة الكبيرة التي اكتسبتها إسرائيل في تصميم مقاتلة حديثة بخصائص متقدمة لتطوير برنامج مقاتلتها من الجيل الرابع J-10.

إرث “لافي” وقلق إسرائيل من J-10 المصرية

رغم نهايته المبكرة، لم يذهب الإرث التقني لمشروع “لافي” سدى. الخبرات والتقنيات المتطورة التي طورتها إسرائيل في هذا الإطار لم تقتصر على برامجها الدفاعية المحلية اللاحقة، بل امتد تأثيرها إلى الخارج في صفقات بيع تكنولوجيا معينة، ويُعتقد أن برنامج J-10 الصيني كان أحد أبرز المستفيدين من هذا الإرث غير المباشر.

وهو ما يفسر، جزئياً على الأقل، القلق الإسرائيلي حول صفقة حصول مصر على مقاتلات J-10C الصينية. تدرك تل أبيب، على ما يبدو، أن بعض العناصر التكنولوجية المدمجة في هذه الطائرات الحديثة تعود بجذورها إلى ابتكارات وخبرات إسرائيلية أصيلة نبعت من رحم مشروع “لافي”.

باختصار، تُقدم قصة الارتباط المحتمل بين المقاتلة الإسرائيلية الملغاة “لافي” والطائرة الصينية الناجحة J-10، التي باتت تخدم في قوى جوية إقليمية كبرى كالقوات الجوية المصرية، مفارقة جيوسياسية وتكنولوجية فريدة ومعقدة في عالم الطيران العسكري. إنها قصة عن كيف يمكن للمشاريع الدفاعية الطموحة، حتى وإن توقفت لأسباب مختلفة، أن تترك بصمة عابرة للحدود والقارات، وتؤثر على موازين القوى بطرق غير متوقعة وغير معلنة.

جيه-10 سي
ما هي خريطة المسيحية الأميركية التي تؤمن بعودة الرسل والأنبياء؟

في ساعةٍ متأخرة تحت الأضواءٍ الكاشفة في قاعة الكونغرس الأميركي، وفي أحد خطاباته بعد أسابيع قليلة من بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وقف مايك جونسون، رئيس مجلس النواب مضموم الشفتين، مرتّلًا كلماته كما لو كانت مقاطع من وحي مُنزّل: “دعم إسرائيل واجب مقدس”.

قالها جونسون دون أن يرمش، وسط تصفيق بعض الحاضرين، وصمت آخرين. ظهر المشهد كقداس ديني، لا كخطاب رسميّ، وكأن المنبر الذي صعد عليه لم يعد جزءًا من جمهورية تعرّف كدولة علمانية، بل مذبحًا في كنيسة يعلوها علم الولايات المتحدة وبجانبه الصليب.لم تكن هذه الجملة مجرد رأي سياسي في لحظة توتر، فقد كررها غير جونسون، وهو نفسه مرات كان آخرها قبل عدة أيام حين قال إن حبه لإسرائيل “أمر يتعلق بالإيمان” لا بالسياسة. تأتي كل هذه التصريحات لتعكس أزمة خطيرة، تدهور أيديولوجي تقود فيه عقيدة قومية متطرفة التشريع السياسي والقانوني في دولة تقول عن نفسها إنها قائدة العالم الحر، وتكتب فيه النبوءات القديمة فصولًا جديدة من السياسة الحديثة.

فـ”القومية المسيحية” في الولايات المتحدة لم تعد فكرة هامشية يتداولها متطرفون على أطراف المجتمع، بل باتت مشروعًا متكاملًا في قلب المؤسسات، يحكم البيت الأبيض والكونغرس كما يحكم الكنيسة، ويعيد تشكيل الخطاب السياسي، ومعه الجهاز البيروقراطي للدولة بأكملها. ليصبح الجدل في أميركا اليوم، لا حول دور الدين في الحياة العامة، بل حول معنى الأمة التي يجب أن تكونها الولايات المتحدة: هل هي جمهورية تعددية كما كُتب في الدستور؟ أم مملكة تُحكم باسم الرب كما ورد في الإنجيل؟

ليست القومية المسيحية مصطلحًا جديدًا، لكنها أصبحت في السنوات الأخيرة قوة متزايدة التأثير، خصوصًا في أعقاب صعود الرئيس دونالد ترامب، حيث لم يعد غريبًا أن نرى شعارات دينية على قبعات أنصاره وقمصانهم، وكتبًا مقدسة تُرفع في التجمعات الانتخابية. غير أن قياس ومعرفة هذه الظاهرة يظل تحديًا بحثيًّا حقيقيًّا، نظرًا إلى طبيعتها المطاطة والمائعة وغير المؤسسية.تشير القومية المسيحية إلى رؤية سياسية ترى أن الولايات المتحدة دولة مسيحية في أصلها وتكوينها، ويجب أن تُحكم بقيم الكتاب المقدس. لكن هذه الرؤية تتفاوت في تفاصيلها بين من يدعون إلى دولة ثيوقراطية تُلغى فيها الحدود بين الكنيسة والدولة، وبين من يرون أن المسيحية ينبغي أن تكون مجرد إطار أخلاقي عام للحكم والسياسة.

أصبحت القومية المسيحية ظاهرة تطل برأسها بقوة على السياسة والمجتمع في الولايات المتحدة الأميركية، ومع ذلك كان من العسير ضبط مصطلح شامل وجامع لها يحددها بغية تفسيرها، والمشكلة تكمن في أنها ظاهرة حاضرة بقوة لكنها ليست منظمة في إطار واضح، فبعكس تيارات الإحياء الديني الإسلامي مثلًا التي يمكن رصدها من خلال حركات منظمة ورموز واضحة، ورؤى أيديولوجية راسخة تصارع منذ عقود طويلة السرديات الرسمية، حيث لا تظهر ولا تتجلى القومية المسيحية بنفس الصيغة، فلا توجد جماعة واحدة أو أطر كبرى متماسكة واضحة ينضوي تحتها كتل متجانسة ترفع شعار تحكيم “الكتاب المقدس” في الحياة.

ومن هنا تأتي صعوبة القياس وتحديد الظاهرة فمن هم القوميون المسيحيون في الولايات المتحدة؟ هل هم الذين يتمنون إلغاء الفصل بين الكنيسة والدولة مثل الكاتب المحافظ ديفيد بارتون الذي يوصف عادة من قبل الأكاديميين بأنه “مؤرخ زائف”؟

القومية المسيحية على الخريطة الأميركية

يروج  بارتون دائمًا لفكرة أن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة لم يقصدوا مطلقًا الفصل بين الكنيسة والدولة وإنما كانوا يقصدون حماية الدين من الحكومة لا فصل الدين عن السياسة، لكن المؤسسات العليا القضائية الأميركية -حسبما يرى- أساءت فهم ما قصده الآباء المؤسسون، ويقول دائمًا إنه غير معني بالقانون الوضعي الذي يحلل الحرام ويسوغ “الفجور الجنسي” بتعبيره، وأنه لا يعنيه ما قاله وما فعله الساسة الأميركيون فليس للناس أن يضعوا قانونًا يتناقض مع ما أقره الله من الصواب والخطأ.

هل وحدهم القوميون المسيحيون من يريدون ذلك، أم يشاركهم ذلك التوجه شرائح من غير المتدينين ممن لا يحبذون دمج الدين بالدولة، وفي الوقت نفسه يريدون استعادة المسيحية بوصفها البناء الأخلاقي الرئيسي للسياسة والمجتمع في الولايات المتحدة لاستلهام قيمها وتوجهاتها؟

حاول الباحثان أندرو وايتهايد وصامويل بيري الإجابة عن ذلك من خلال استبيان ميداني اعتمد على مجموعة من الأسئلة لتحديد مواقع الأفراد على طيف القومية المسيحية. وشملت الأسئلة استفسارات مثل: هل يجب إعلان الولايات المتحدة أمة مسيحية؟ هل يجب أن تستند القوانين الأميركية إلى أوامر الكتاب المقدس؟ وهل المسيحية جزء من الهوية الأميركية؟

حاول الباحثان من خلال هذا الاستجواب أن يصلا إلى مدى تغلغل أفكار المسيحية في الولايات المتحدة لمعرفة النسبة المحتملة لمعتنقي أفكار القومية المسيحية في أميركا، بحيث يكون المجيبون بنعم عن أغلب الأسئلة مؤيدين للقومية المسيحية، والمجيبون بها عن نصف الأسئلة متعاطفين أكثر من كونهم مؤيدين، ثم يكون المجيبون بلا هم الرافضين لهذه الأيديولوجيا.

بهذه المعايير المبنية على الأسئلة أجرى “المعهد العام لأبحاث الدين الأميركي” وهو منظمة غير ربحية ولا حزبية متخصصة في الدراسات الكمية والنوعية ذات الصلة بالمواضيع الدينية، بحثه لعام 2024 لدراسة القومية المسيحية في الولايات الأميركية الخمسين، وذلك من خلال إجراء مقابلات مع 22 ألف مواطن أميركي بالغ.وبحسب نتائج هذا البحث، فإن ثلاثة من كل 10 أميركيين إما مؤيدون للقومية المسيحية وإما متعاطفون معها، و10% من الأميركيين مؤيدون وأتباع لتلك الأيديولوجيا، و20% منهم متعاطفون معها، و37% منهم متشككون فيها و29% رافضون لها، وهذه النسب مستقرة منذ عام 2022.

وقد أظهر البحث أن 20% من الجمهوريين من أتباع تلك الأيديولوجيا و33% من منتسبي الحزب متعاطفون معها، في حين أن 5% فقط من الديمقراطيين من أتباعها و11% منهم فقط متعاطفون معها. وجدير بالذكر بحسب البحث أنه كلما انخفض المستوى التعليمي للفرد وزاد عمره يكون أميل إلى الارتباط بأفكار القومية المسيحية. كذلك فإن أغلبية الأميركيين المسيحيين البيض بنسبة 54% منهم تابعون لتلك الأيديولوجيا أو متعاطفون معها على الأقل، في حين تقل النسبة لتصبح 46% فقط بين الأميركيين السود.

وتتجلى القومية المسيحية على الخريطة الأميركية على النحو التالي: هناك ولايات وصلت فيها نسبة القومية المسيحية إلى نحو نصف السكان أو أكثر، وهي ميسيسيبي بنسبة 51% من سكانها، وأوكلاهوما بنفس النسبة، ولويزيانا بنسبة 50% من سكانها وأركنساس بنسبة 49% من سكانها، وفرجينيا الغربية بنسبة 48% من سكانها وداكوتا الشمالية بنسبة 46% من سكانها.

وجدير بالذكر أن 67% من أتباع القومية المسيحية في الولايات المتحدة الأميركية و48% من المتعاطفين مع تلك الأيديولوجيا يرون أن فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية الأخيرة هو قدر إلهي، كذلك يشير البحث المعمق إلى أن أغلب القوميين المسيحيين يميلون أكثر من غيرهم من الأميركيين إلى دعم أفكار العنف السياسي، إذ إن أربعة من كل عشرة من أتباع القومية المسيحية، وثلاثة من كل عشرة من المتعاطفين معها، يرون أن الوطنيين المخلصين قد يضطرون في لحظة من اللحظات إلى استخدام العنف لإنقاذ البلاد على صعيد السياسة الداخلية، في حين كان 15% من المشككين في تلك الأيديولوجيا و7% فقط من الرافضين لها يوافقون على فكرة اللجوء إلى العنف لتصحيح المسار الداخلي.

هنا نلقي  نظرة على أبرز الجماعات الضاغطة في اتجاه القومية المسيحية، وكما سبق أن أوضحنا فإن مسألة قياس القومية المسيحية مسألة عسيرة بحثيًّا، ولهذا السبب لا يمكن حين نتحدث عن الجماعات الضاغطة في هذا الاتجاه أن ندرج كل رمز سياسي يحاجّ بحجج دينية أو يستهدف إدخال تشريعات في مجالات معينة تتواءم مع قيم الدين، لأنه في تلك الحالة سيشمل الأمر أغلب الجمهوريين عمومًا بل وبعض الديمقراطيين أحيانًا.وكذلك لا يمكن احتساب الجماعات التي تركز على قضايا صغيرة فرعية بعينها لتغيرها في السياسة لصالح الرؤى الدينية، لأنه بهذا المفهوم يمكن إدخال العديد من الجماعات والتيارات في التاريخ الأميركي بشكل يُخرج الظاهرة عن سياقها، فمنظمة “مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل” التي يبلغ عدد أعضائها 10 ملايين مشهورة جدا بنفوذها وتأثيرها في السياسة الأميركية من أجل دعم دولة الاحتلال لأسباب دينية محضة، ومع ذلك يقع تأثيرها القومي المسيحي بشكل رئيسي في إطار خط فرعي واحد داخل السياسة الخارجية الأميركية.

إن كل الجماعات الضاغطة المسيحية وكل الرموز السياسية الذين يجادلون في السياسة بلغة دينية أو يخططون لزيادة نفوذ الدين داخل السياسة الأميركية هم يؤدون دورهم في تشكيل مشهد القومية المسيحية الصاعد بالولايات المتحدة الأميركية، لكن في السطور القادمة سنسلط الضوء على أبرز الجماعات والمؤسسات التي تحاول على نحو منظم تحريك السياسة الأميركية بوضوح لتصبح سياسة مسيحية تزال فيها الحدود الفاصلة بين الكنيسة والدولة بشكل عام وليس في فرع أو مشهد أو لقطة بعينها.

حركة الجبال السبعة

إذا ما حاولنا رسم خريطة للجماعات الدافعة في سبيل السيادة المسيحية على السياسة والمجتمع، فربما تكون البداية الفضلى هي من حركة “الجبال السبعة”، فمن هذه الحركة يمكن رسم العديد من الخيوط مع الحركات والشخصيات الأخرى المختلفة في السياسة الأميركية ذات الصلة بالقومية المسيحية سواء في الأصول أو في الفروع.

بحسب مجلة سبيكتروم للصحافة الاستقصائية وهي منصة ذات توجه مسيحي بروتستانتي فإن حركة الجبال السبعة هي حركة تهدف لسيادة المسيحيين والمسيحية على سبعة مجالات رئيسية من مجالات الحياة الاجتماعية في الولايات المتحدة الأميركية وهي الأسرة والشؤون الدينية والتعليم والإعلام ومجال الفن والترفيه وقطاع الحكومة وقطاع الأعمال التجارية، وتظهر نتائج استطلاع أجراه بول دجوب وهو مدير برنامج بيانات البحث السياسي بجامعة دينيسون أن نحو 41% من المسيحيين الأميركيين عمومًا و55% من المسيحيين الإنجيليين تحديدًا يوافقون على هذه الفكرة الأساسية لحركة الجبال السبعة.

وحين يأتي الحديث عن الجبال السبعة، يبرز اسم تشارلي كيرك وهو الصحافي الشاب والناشط الذائع الصيت الذي اشتهر بشكل كبير في الفترة الأخيرة خلال الحملة التي قام بها لدعم الرئيس الحالي دونالد ترامب أثناء الانتخابات الأخيرة، فقد ذاع صيت مقاطعه المرئية التي يناقش فيها الشباب في الجامعات وعلى المنصات الإعلامية لمواجهة حججهم التقدمية بحجج أخرى مسيحية محافظة، خاصة أن كيرك يتمتع بالقدرة على المحاجّة والإقناع باستخدام حجج منطقية لا دينية فقط، وبحسب ماثيو بويدي الأستاذ الأكاديمي بجامعة شمال جورجيا وصاحب كتاب “ولاية الجبال السبعة: فضح الخطة الخطيرة لتنصير أميركا وتدمير الديمقراطية”، فإن كيرك والمنظمة الشبابية المحافظة التي يرأسها والتي تعد أبرز أقرانها -وهي “نقطة تحول الولايات المتحدة”- يحاولان بفاعلية جعل حركة الجبال السبعة هي العنصر التنظيمي المركزي في عهد ترامب، ومن ثم إنهاء الفصل العلماني المفترض في البلاد.

يتمتع كيرك بقدرات فكرية ونقاشية واضحة تجعله محطًّا للأنظار وجاذبًا لقطاعات واسعة من الجماهير حتى من خارج الولايات المتحدة، ومن ثم فهو يتمتع بنفوذ بالغ داخل حركة “لنجعل أميركا عظيمة مجددًا”، وبحسب مجلة سبيكتروم فهو يؤدي دورًا كبيرًا في اختيار المعينين والمديرين داخل الإدارة الأميركية مما جعله يلقب “صانع الملوك”.

جدير بالذكر أن كيرك قد صرح في عام 2020 بأن ترامب رجل يدرك جيدًا أبعاد التأثير الثقافي للجبال السبعة، مع العلم أيضا بأن واحدة من رموز حركة الجبال السبعة بحسب شبكة “سي بي سي” الكندية هي باولا وايت رئيسة مكتب الإيمان الذي أعلن دونالد ترامب تأسيسه في البيت الأبيض بعد عودته للرئاسة، مما يدل على مدى نفوذ الحركة.

هذه الحركة مثلها مثل كل الحركات الشبيهة الدافعة في اتجاه القومية المسيحية سواء في ملفات فرعية أو في التوجيه الكلي للسياسة، تعد مسألة “دولة الاحتلال” و”معركة هرمجدون” مسألة شديدة الأهمية بالنسبة لها، فكل الحركات القومية المسيحية تريد بناء الجنة المسيحية ومملكة الرب على الأرض واعتقادهم الديني يشترط أنه ليتم ذلك ينبغي ترسيخ وضع دولة الاحتلال وسيطرتها على الأراضي العربية الموعودة بها بحسب اعتقادهم الديني، لذلك فإن ضمان الدعم التام لدولة الاحتلال الإسرائيلي من قبل الولايات المتحدة الأميركية هدف أساسي لكل تلك الجماعات.

حركة الإصلاح الرسولي الجديد

وإذا ما ذُكرت فكرة “ولاية الجبال السبعة” وهي فكرة مؤسسة في القومية المسيحية، فإن حركة الإصلاح الرسولي الجديد المسيحية البروتستانتية ينبغي أن تُذكر، وهي الحركة التي تؤمن بأن دونالد ترامب جندي عينه الرب لمحاربة قوى الشيطان والإلحاد داخل الولايات المتحدة وأن الله هو من أنقذه في محاولة اغتياله، وتسعى تلك الحركة لإعادة بناء المجتمع والسياسة الأميركية بحسب اللاهوت والمعتقدات المسيحية لتصير العقيدة المسيحية هي المهيمنة على البلاد، وبحسب منصة ذا كونفيرسيشن الصحافية والبحثية الأميركية فإن ثلاثة ملايين أميركي يرتادون كنائس تلك الحركة وربما يزيد العدد على ذلك.ولدت هذه الحركة في تسعينيات القرن الماضي على أساس عقيدة تقول بأن الله لا يزال يرسل أنبياء وجنودا معاصرين يصححون مسار المجتمع الأميركي، ومن هنا يمكن فهم رمزية دونالد ترامب بالنسبة للحركة، وبحسب ذا كونفيرسيشن فإن هذه الحركة تؤمن بأن السلطة الثقافية والسياسية بالولايات المتحدة ينبغي أن تكون في أيدي القادة الدينيين المسيحيين، ومن ثم يتم حكم الولايات المتحدة من خلال النصوص المقدسة في نظرهم ومن خلال التوجيه الإلهي والوحي الذي يبعث به الله للقادة الدينيين.

جدير بالذكر هنا أن مايك جونسون رئيس مجلس النواب الأميركي الذي ذكرناه في بداية التقرير وصمويل أليتو قاضي المحكمة العليا قد ظهرا وهما يرفعان شعار الحركة “النداء إلى السماء”، وبحسب صحيفة بوليتيكو الأميركية فإن حركة الإصلاح الرسولي مناصرة بشدة بالطبع لأفكار المسيحية الصهيونية.

مؤسسة زيكلاغ

وربما تكون المجموعة الثالثة التي يمكن الإشارة إليها في إطار رسم خريطة أبرز الحركات القومية المسيحية هي مجموعة زيكلاغ، وهي مؤسسة مسجلة رسميًّا باعتبارها مؤسسة خيرية ومن ثم فهي معفاة من الضرائب ولا تلتزم علنًا بالإفصاح عن مموليها وتعد تبرعاتها معفاة من الضرائب بموجب القانون.

ولكن الجهة المانحة لهذه المؤسسة الخيرية تضم أغنى العائلات المسيحية المتدينة في الولايات المتحدة الأميركية بحسب منصة الصحافة الاستقصائية الأميركية “بروبوبليكا”، ومن ضمنهم عائلة أويهلين التي تتاجر في لوازم المكاتب، وعائلة والر التي تملك شركة “جوكي للملابس”، وتضم المجموعة 125 عضوًا كلهم أثرياء مسيحيون من المديرين التنفيذيين والقساوسة والإعلاميين المشهورين، علما بأن المجموعة تقصر الانضمام إليها على المدعوين فقط الذين لا تقل ثروتهم بحال عن 25 مليون دولار.

بحسب تحقيق بروبوبليكا الذي حصل على الآلاف من رسائل مجموعة زيكلاغ الإلكترونية والمقاطع المرئية المصنوعة لأغراض داخلية إضافة إلى عروض جمع التبرعات التي تقدم للأعضاء حصرًا، ومجموعة من الوثائق الإستراتيجية للمجموعة، فإن الهدف الطويل المدى لزيكلاغ هو محاولة السيطرة المسيحية على المجالات الرئيسية للنفوذ في المجتمع الأميركي، بمعنى السيطرة على الجبال السبعة، وتنصيب مسيحيين متدينين في مراكز القيادة بالولايات المتحدة الأميركية بحيث يتم إعادة تشكيل كل جبل من الجبال السبعة من جديد على نحو يرضي الرب.

جدير بالذكر أن تمويل زيكلاغ تستفيد منه بشكل خاص المنظمة الشبابية السابقة الذكر “نقطة تحول الولايات المتحدة” التي تؤدي دورًا كبيرًا على المستوى الثقافي في الولايات المتحدة من ناحية تهيئة المناخ للسيطرة على الجبال السبعة، كما أنه بالرغم من كون مجموعة زيكلاغ مؤسسة خيرية معفاة من الضرائب لا يُسمح لها قانونًا بأي شكل مباشر أو غير مباشر بأن تلعب في الساحة السياسية، فإنها وفق تحقيق بروبوليكا أدّت دورًا كبيرًا حركيًّا وماليًّا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة لصالح حملة الرئيس الحالي دونالد ترامب.وبحسب تحقيق بروبوبليكا أيضًا فإن القوة الدافعة وراء جهود مجموعة زيكلاغ هي المبشر المسيحي لانس والناو الذي يعيش بولاية تكساس ويعرف نفسه صراحة بأنه “قومي مسيحي”، وهذا الواعظ لا يكاد مقال أو ورقة بحثية عن القومية المسيحية تخلو من الإشارة إليه، لأنه يعد من أكثر الشخصيات تأثيرًا فيما يسمى بتيار القومية المسيحية، وهو بحسب تعبير بروبوبليكا الجسر الرابط بين تيار القومية المسيحية وبين إدارة دونالد ترامب.

إن التحولات العميقة التي تشهدها الولايات المتحدة لا يمكن فهمها دون التطرق إلى الدور الذي تؤديه القومية المسيحية. فهي ليست أيديولوجيا دينية فحسب، بل مشروع سياسي واجتماعي متكامل، يسعى إلى فرض نظام قيمي وديني عادة ما حاربت أمثاله الولايات المتحدة ومؤسساتها خارج حدودها.

وإذا كان من السهل رصد آثار الإسلام السياسي في العالم العربي من خلال الحركات والأحزاب، فإن القومية المسيحية في أميركا تحتاج إلى أدوات بحثية أكثر حساسية، لأنها تتحرك من داخل مؤسسات المجتمع نفسه، وتستغل الثغرات القانونية والدستورية، وتستند إلى سرديات دينية عميقة الجذور في الوعي الجماعي الأميركي.

ومع فشل الليبراليين الأميركيين والعلمانيين في مواجهة الشعب بخطاب جامع، وبسياسات تضمن فصل الدين عن الدولة دون إقصاء ديني، فإن الولايات المتحدة قد تكون على أعتاب تحول لا يهدد فقط الأقليات، أو التعددية الدينية في البلاد التي تفتخر بكونها بوتقة للجميع، بل تحول من شأنه أن يقوض أسس الجمهورية نفسها.

المصدر: الجزيرة 

هل تسمح أميركا للصين بالتفوق عليها اقتصاديا؟

تسود المشهد العالمي حالة من الترقب عما سيفضي إليه الصراع الاقتصادي الأميركي مع الصين، إذ تحتل الأخيرة المرتبة الثانية عالميًا بعد الولايات المتحدة من حيث قيمة الناتج المحلي الإجمالي، ويرى البعض أنها مسألة وقت لتتجاوز الصين أميركا اقتصاديًا لا سيما مع المشكلات الداخلية لأكبر اقتصاد بالعالم حاليا.

وقد أعطى قيادة الصين لتجمع بريكس، وبروز دور هذا التجمع خلال السنوات الماضية، الأمل لدى البعض بأن ثمة قوة اقتصادية من شأنها أن تنافس أميركا، بل يذهب البعض إلى أن معادلة القوى الاقتصادية الحالية في طريقها للزوال، ليحل نظام اقتصادي عالمي متعدد الأقطاب، كبديل للنظام الحالي الذي تسيطر عليه أميركا منفردة.

وشهدت السنوات القليلة الماضية حالة من الصراع المكشوف بين أميركا والصين بالمجال الاقتصادي في أمرين هما التبادل التجاري، وقطاع التكنولوجيا.

ومن الضروري أن نقف على بعض المؤشرات الاقتصادية المنشورة التي تظهر أيا من الطرفين يميل ميزان القوة الاقتصادية لصالحه، لتكون الرؤية بعيدة عن العاطفة.

قيمة الناتج المحلي

تظهر أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي عدة أمور منها:

  • تقلص الفجوة بين الناتج المحلي الصيني ونظيره الأميركي عام 2021 إلى 5.4 تريليونات دولار.
  • بداية من عام 2022 وحتى 2024، زادت الفجوة بشكل ملحوظ إلى 7.6 تريليونات دولار ثم 9.4 تريليونات، ثم 10.4 تريليونات مما يشير إلى تفوق للاقتصاد الأميركي على الصيني في هذه السنوات، وأن هذا التقدم يأتي بناء على مقومات اقتصادية أفضل، مكنت أميركا من تصدر اقتصادات العالم.
  • في الوقت الذي ارتفع فيه الناتج الأميركي من 23.6 تريليون دولار عام 2021 إلى 29.1 تريليونا عام 2024، نجد أن الناتج الصيني ظل حبيس نطاق بين 18.2 تريليون دولار و18.7 تريليونا.

وإذا كانت الصين متأثرة بالتداعيات السلبية لأزمة كورونا منذ عام 2020، وأزمة الديون الداخلية، وتعثر في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة. فإن أميركا عانت هي الأخرى من أزمات التضخم وارتفاع البطالة وتراجع قيمة الدولار، وتفاقم أزمة الدين العام.

ولوحظ أن تباطؤ معدلات النمو العالمي، ومرور الاقتصاد العالمي بالعديد من الأزمات، مثل التضخم وحرب روسيا مع أوكرانيا وصراعات الشرق الأوسط وغيرها، كان لها تأثير واضح على اقتصاد كل من أميركا والصين، وباقي دول العالم.

السباق التكنولوجي

التكنولوجيا إحدى أهم أدوات الصراع بين أميركا والصين، ويترجم هذا في مجالات كثيرة على رأسها السلاح والأدوية ووسائل الاتصال والمواصلات.

وما هو متعارف عليه في قياس هذا السباق والاهتمام به: مؤشر الإنفاق على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي.

وباستعراض الأرقام الخاصة لهذا المؤشر خلال آخر 5 سنوات، أتيحت عنها بيانات 2018-2022، اتضح الآتي:

  • من حيث النظر للإنفاق على البحث والتطوير في كل من أميركا والصين، نجد تقدما أميركيا على الصين في هذا المجال، سواء من حيث نسبة الإنفاق للناتج المحلي، أو قيمة الإنفاق بالمليار دولار.
    • من حيث قيمة الإنفاق، نجد أن أميركا على مدار الفترة من 2018-2022، تنفق ضعف ما تنفقه الصين على البحوث والتطوير، ومن هنا نجد الفجوة التكنولوجية لصالح أميركا، وهو ما ظهر في الاتفاق الأخير بين البلدين بشأن تسوية الرسوم الجمركية، حيث قبلت الصين رفع الرسوم الجمركية على صادراتها لأميركا بنحو 30%، مما كانت عليه قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض، مقابل أن ترفع أميركا القيود المفروضة على صادرات التكنولوجيا المتقدمة.
      • نسبة الإنفاق على البحث والتطوير من الناتج المحلي في أميركا أفضل منها في الصين، ففي عام 2018 كانت النسبة في أميركا 2.99% نسبة إلى الناتج المحلي، بينما في الصين كانت النسبة 2.14%، وظل الفرق على مدار الفترة في صالح أميركا. ففي عام 2022 كانت النسبة بأميركا 3.59% وفي الصين 2.5%، مع ملاحظة الزيادة في قيمة الناتج المحلي لأميركا مقارنة بالصين.

وقد تكون القيم الخاصة بالإنفاق على البحث والتطوير مرتفعة في أميركا بسبب ارتفاع مستوى المعيشة والدخول بشكل عام، ولكن علينا أن نأخذ في الاعتبار أن أميركا ما زالت تمسك بزمام التكنولوجيا في مجال السلاح والدواء ووسائل الاتصال والمواصلات، وهو ما ظهر بشكل واضح على مدار السنوات الماضية، في أزمة شركة هواوي الصينية، وكذلك التهديد الأميركي الذي أعلنته بإمكانية منع دراسة الطلاب الصينيين بالجامعات الأميركية.

وتجتهد الصين في سد الفجوة التكنولوجية، وتحاول أن تجعل ميزة الولايات المتحدة عليها نسبية وليست تنافسية، إلا أن الأخيرة -بسبب انفتاحها الكبير على جميع دول العالم لاستقطاب الكفاءات العلمية والعقول المتميزة منذ سنوات- ميزتها وقوت موقفها، مقارنة بالصين التي بدأت متأخرة جدًا في فتح المجال لاستقدام الأجانب في منح دراسية.

نصيب الفرد من الدخل القومي

استخدام هذا المؤشر يتطلب أن نأخذ في الاعتبار أن عدد السكان مختلف تمامًا بين البلدين، فالصين يصل عدد سكانها إلى 1.4 مليار نسمة، مقابل عدد سكان لأميركا البالغ 340 مليون نسمة، أي أن عدد سكان الصين أكثر من 3 أضعاف سكان أميركا، ومع ذلك فالأخيرة بشكل عام دخلها القومي يفوق الدخل القومي للصين.

ولو افترضنا أن عدد السكان متساو في كل من أميركا والصين، فإن نصيب الفرد في أميركا سيكون أفضل من الصين بسبب زيادة الدخل القومي في أميركا مقارنة بالصين.

وقد يتبادر إلى الذهن، سبب استخدام هذا المؤشر، والحقيقة أن المقارنة هنا عادلة، لكون الدولتين تعتمدان في تحقيق الدخل القومي على الإنتاج والتكنولوجيا، وليس على مصادر ريعية، ومن هنا فالمقارنة لها اعتباراتها ودلالاتها العلمية.

وثمة فارق كبير بين متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي في كل من أميركا والصين، ويصل الفارق لصالح أميركا بنحو 6 أضعاف، مع مراعاة أن الصين لم تبلغ المتوسط العالمي -وفق هذا المؤشر- إلا عام 2022.

وختامًا، فإن المال والسلطة مجال للتنافس بين الدول على مر العصور، ولا يتصور أن تقبل أميركا بتقدم الصين اقتصاديًا أو أن يكون لها سلطان سياسي وعسكري ينافسها، ولعل المتابع لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يلاحظ هذا بشكل واضح.

فكلتا الدولتين تسعيان لتحقيق المزيد من التقدم، وتصدر المشهد العالمي بمقومات اقتصادية وسياسية وعسكرية، وأميركا سوف تسعى خلال الفترة القادمة للحفاظ على تقدمها من جانب، وعرقلة التقدم الصيني، وكذلك سيكون هدف بكين.

المصدر: الجزيرة