مرسوم الرئيس السوري احمد الشرع للكرد مواطنون سوريون

كل المقالات


مرسوم وطني يعيد الكرد إلى قلب الدولة: كيف انتصرت سوريا سياسيًا على مشروع قسد

في محطة مفصلية من تاريخ الدولة السورية، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسومًا وطنيًا شاملاً، أعاد من خلاله تعريف العلاقة بين الدولة السورية والمكوّن الكردي، واضعًا حدًا لسنوات من الصراع المسلح الذي لم يجنِ منه السوريون، عربًا وكردًا، سوى الدم والدمار والانقسام.



المرسوم أكد بشكل لا لبس فيه أن الكرد جزء أصيل من الوطن والشعب السوري، لهم ما لبقية السوريين من حقوق، وعليهم ما عليهم من واجبات، وأن أي مشروع يقوم خارج إطار الدولة، وتحت مظلة السلاح، هو مشروع زائل مهما طال أمده أو تبدلت داعموه.

خطاب الرئيس الشرع: الدولة لا تحارب أبناءها



في خطاب وُصف بأنه من أكثر الخطابات حسمًا منذ توليه الرئاسة، خاطب الرئيس أحمد الشرع الشعب السوري بكل مكوناته، وقال بوضوح إن الحرب الداخلية لا تجر إلا القتل للسوري والكردي، وإن استمرارها يخدم أعداء سوريا وحدهم.

وشدد الرئيس على أن الدولة لا تسعى إلى الانتقام، بل إلى استعادة أبنائها، مؤكدًا أن من يضع السلاح اليوم ويعود إلى حضن الدولة لن يتعرض لأي ملاحقة أو عقوبة، وأن باب التسامح مفتوح من أجل مستقبل موحد.

اتفاق الشرع – مظلوم عبدي: نهاية المرحلة المسلحة



هذا الخطاب تُرجم سريعًا إلى اتفاق سياسي وأمني مع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، نصّ على انسحاب قوات قسد إلى خط الفرات، وتسليم السلاح الثقيل والمتوسط للدولة السورية، مقابل عفو شامل وعدم فرض أي عقوبات أو إجراءات انتقامية.

اللافت في هذا الاتفاق أنه أسقط آخر الذرائع التي استندت إليها قسد لتبرير استمرار وجودها المسلح، وحوّل الصراع من ساحة عسكرية إلى مسار سياسي، أعاد الكرد إلى موقعهم الطبيعي داخل الدولة.

القوانين الجديدة: حقوق بلا بنادق



ضمن مسار متكامل، أعلنت دمشق عن حزمة قوانين جديدة تضمن الحقوق الثقافية والاجتماعية للكرد، وتحفظ المساواة الكاملة في المواطنة، وتمنع أي تمييز على أساس قومي أو عرقي، مقابل حصر السلاح بيد الجيش السوري فقط.

هذه القوانين شكّلت ضربة قاضية لفكرة “الإدارة المسلحة”، وأكدت أن الحقوق تُنتزع بالقانون لا بالبندقية.

الدور الأميركي: من الرعاية العسكرية إلى التسوية السياسية



بالتوازي مع تنفيذ الاتفاق، وصل وفد من الولايات المتحدة إلى سوريا للمشاركة في التقصي والمراقبة وتسهيل مسار التصالح، في مؤشر واضح على تحوّل الموقف الأميركي من دعم كيان عسكري مستقل، إلى القبول بحل الدولة الواحدة.

هذا التحول يعكس إدراك واشنطن بأن قسد لم تعد ورقة رابحة، وأن استقرار سوريا لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الدولة المركزية.

كيف انتصرت سوريا على قسد؟



الانتصار السوري لم يكن معركة عسكرية تقليدية، بل انتصارًا سياسيًا واستراتيجيًا بامتياز. فقد نجحت الدولة في تجفيف مصادر الدعم، وسحب الغطاء الدولي، وتقديم مخرج مشرّف يحفظ الدم ويُنهي الانقسام.

وهكذا، انتهى مشروع السلاح، وبقي الكرد، أقوى داخل الدولة من أي وقت مضى.

الخلاصة



ما جرى ليس تسوية عابرة، بل إعادة بناء لمفهوم الوطن السوري. سوريا اليوم تنتصر بوحدتها، وتُثبت أن الدولة التي تصبر، وتفاوض، وتفتح باب التسامح، هي الدولة التي تنتصر في النهاية.



2026-01-17
بقلم: ياسين نجار
رئيس التحرير – جريدة المدار نيوز
نيويورك – الولايات المتحدة الأميركية

إهداء جائزة نوبل للرئيس الأميركي ومطالبة بجلب الرئيس الفنزويلي للعدالة: تصعيد سياسي ورسائل نفطية

في خطوة سياسية غير مسبوقة، أعلنت رئيسة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو عن إهداء أي جائزة سلام دولية قد تُمنح لها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبرة أن دعم الولايات المتحدة للشعب الفنزويلي يمثل حجر الأساس في معركة الحرية والديمقراطية. هذه الخطوة جاءت بالتوازي مع دعوات متصاعدة لمحاسبة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وجلبه إلى الولايات المتحدة لمواجهة العدالة الدولية، في ظل اتهامات واسعة بالفساد وانتهاكات حقوق الإنسان.

ماريا كورينا ماتشادو: رسالة سياسية إلى واشنطن

تُعد ماريا كورينا ماتشادو من أبرز وجوه المعارضة الفنزويلية، وقد ركزت في خطابها الأخير على تحميل نظام نيكولاس مادورو مسؤولية الانهيار الاقتصادي والهجرة الجماعية لملايين الفنزويليين. وإهداء جائزة نوبل – في حال نيلها – إلى الرئيس الأميركي يحمل رسالة واضحة مفادها أن المعارضة ترى في واشنطن شريكًا رئيسيًا في دعم التحول الديمقراطي وإنهاء حكم مادورو.

الاعتداء السياسي: ترهيب أم فشل أمني؟

رغم تصاعد الزخم السياسي للمعارضة، تعرضت شخصيات معارضة لمحاولات تضييق وتهديد، إلا أن المعارضة شددت على أن ما جرى لا يرقى إلى كسر إرادة الشارع، معتبرة أن العنف السياسي يعكس حالة الإفلاس التي وصل إليها النظام. وأكدت قيادات معارضة أن الحل لا يكمن في الاعتداءات، بل في محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات أمام القضاء الدولي.

مطالبة بجلب مادورو إلى الولايات المتحدة

تطالب المعارضة الفنزويلية، بدعم من شخصيات سياسية وحقوقية دولية، بجلب الرئيس نيكولاس مادورو إلى الولايات المتحدة لمحاكمته على خلفية قضايا تتعلق بالفساد، وتجارة المخدرات، وانتهاكات حقوق الإنسان. وترى المعارضة أن واشنطن تملك الأدوات القانونية والسياسية لتحريك هذا الملف في المحاكم الأميركية والدولية.

النفط الفنزويلي في الحسابات الأميركية

يأتي هذا التصعيد في وقت يتزايد فيه الاهتمام الأميركي بملف النفط الفنزويلي، باعتبار فنزويلا صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم. وترى واشنطن أن أي انتقال سياسي حقيقي قد يفتح الباب أمام إعادة دمج فنزويلا في أسواق الطاقة العالمية، بما يخدم الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة في نصف الكرة الغربي.

خلاصة

بين إهداء رمزي لجائزة نوبل، ودعوات صريحة لمحاسبة الرئيس الفنزويلي، تقف فنزويلا أمام مرحلة مفصلية. فالمعارضة تراهن على دعم أميركي متزايد، فيما يبقى ملف النفط والعدالة الدولية عاملين حاسمين في رسم مستقبل البلاد والمنطقة.



التاريخ: January 16, 2026
إعداد: ياسين نجار – رئيس التحرير | جريدة المدار نيوز – نيويورك، الولايات المتحدة الأميركية

بطل سيدني أحمد الأحمد



دعيتُ أنا ياسين نجار، رئيس تحرير جريدة المدار نيوز، للقاءٍ إنساني خاص مساء ليلة الأمس، جمعنا على مائدة العشاء مع البطل السوري أحمد الأحمد، بطل مدينة سيدني الأسترالية، الذي أنقذ عشرات الأبرياء من موتٍ محقق في حادثة هزّت الضمير الإنساني والعالم بأسره.

رصاص في الجسد… وبطولة في القلب: أحمد الأحمد بطل سيدني الذي أنقذ عشرات الأبرياء من مجزرة محققة

في لحظةٍ فارقة بين الحياة والموت، برز اسم أحمد الأحمد كشاهد حيّ على أن الشجاعة الحقيقية
لا تُقاس بالقوة، بل بالاستعداد للتضحية من أجل الآخرين.



تحدّث أحمد الأحمد بهدوءٍ يليق بالكبار عن تفاصيل ذلك اليوم الدامي، الذي تزامن مع احتفالات عيد الهانوكا اليهودي، وعلى أحد شواطئ مدينة سيدني، حيث سالت دماء أبرياء، لكنه وقف سدًا منيعًا في وجه الجريمة.

دفع ثمن هذا الموقف البطولي غاليًا، إذ أُصيب بعدة طلقات نارية، خضع على إثرها لعمليات جراحية معقّدة، ولا يزال حتى اليوم يعاني من آثارها، فيما لا تزال رصاصتان مستقرتين في جسده بانتظار عمليات إضافية.

ورغم الألم، لم يفقد أحمد إنسانيته ولا تواضعه.


شابٌ لطيف، قريب من القلب، تشعر وكأنك تعرفه منذ زمن طويل، يتمتع بكاريزما عالية
وحضور صادق يترك أثرًا عميقًا في كل من يلتقيه.

شارك في هذا اللقاء عدد من الشخصيات القانونية والطبية والاجتماعية، من بينهم:
الدكتور معتز غريواتي،
المايير محمد خير الله – عمدة مدينة برسبكت بارك، ولاية نيوجيرسي،
الدكتور محمد حمشو،
الصيدلي وضاح،
والأخ السيد سمير القابوني، وهو شخصية نشيطة وفاعلة في مجموعتنا السورية
التي تعمل من أجل سوريا،
إضافة إلى عدد من الأطباء والإخوة والأصدقاء، ونعتذر ممن خانتنا الذاكرة عن ذكر أسمائهم.

ويُذكر أن أحمد الأحمد هو بطل سوري الأصل، وقد لقي ترحيبًا واسعًا وكبيرًا من الأوساط
اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية وجميع أنحاء العالم، حيث يتم تكريمه في المحافل الدولية تقديرًا لعمله البطولي، وقد وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه بطل ورجل مقدام، مشيدًا بشجاعته وموقفه الإنساني.

أقيم اللقاء في مطعم الباشا بمدينة باترسون – ولاية نيوجيرسي،
وسط أجواء إنسانية دافئة، جسّدت معنى التقدير والاحترام لرجلٍ لم يسعَ إلى البطولة،
لكن البطولة اختارته.

ياسين نجار 
رئيس التحرير – جريدة المدار نيوز 
نيويورك – الولايات المتحدة الأمريكية

5 خيارات أمام أوروبا لحماية غرينلاند من ترامب

تضع رغبة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في السيطرة على غرينلاند، وهي إقليم دانماركي يتمتع بحكم ذاتي، أوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) في موقف صعب، حيث بات يتعين عليهم البحث عن خيارات لمواجهة واشنطن ولحماية منطقة القطب الشمالي.

وصرحت إدارة ترامب مراراً وتكراراً بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى السيطرة على غرينلاند، وقال الرئيس الأمريكي إن الولايات المتحدة بحاجة إلى امتلاك غرينلاند لمنع روسيا أو الصين من احتلالها في المستقبل.

ويضع هذا الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو أمام معضلة صعبة. فبينما لا تتمتع غرينلاند بصفة العضو في التكتل مقارنة بوضع الدنمارك، فإن الجزيرة القطبية مشمولة بضمانات التحالف الدفاعي من خلال عضوية الدنمارك، وفق تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

وفي الوقت الذي دافع فيه القادة الأوروبيون بقوة عن السيادة والسلامة الإقليمية وحق غرينلاند والدنمارك في اتخاذ القرارات بشأن المسائل التي تخصهما، لا توجد حتى الآن استراتيجية واضحة حول كيفية ردع ترامب، أو الرد إذا قام بخطوة ما.

ورصدت تقارير وسائل إعلام غربية بعض الخيارات التي قد تلجأ إليها الدول الأوروبية بجانب حلف الناتو في أزمة غرينلاند، ولعل من أبرزها:

أولاً: خيار الدبلوماسية

بدأت الحكومات الأوروبية، بقيادة سفير الدنمارك لدى الولايات المتحدة، جيسبر مولر سورنسن، ومبعوث غرينلاند، جاكوب إسبوسيثسن، في ممارسة الضغط على المشرعين الأمريكيين لإقناع الرئيس بالتخلي عن طموحاته الإقليمية للجزيرة.

كما تهدف المبادرات الدبلوماسية إلى تلبية المخاوف الأمنية الأمريكية، أولاً من خلال التأكيد على أن معاهدة الدفاع الأمريكية الدنماركية القائمة منذ عام 1951، التي تم تحديثها في عام 2004، تسمح بالفعل بتوسيع التواجد العسكري الأمريكي في الجزيرة، بما في ذلك قواعد جديدة.

وفي رسالة موجهة مباشرة إلى الجمهوريين خارج دائرة ترامب المؤيدة لترامب، قال الدبلوماسيون الأوروبيون إن الهجوم الأمريكي على غرينلاند، الذي يعني فعلياً انقلاب عضو على آخر، سيعني “نهاية الناتو”.

وبشكل أكثر تحديداً، أفادت التقارير أن سفراء الناتو اتفقوا في بروكسل الأسبوع الماضي على أن التحالف عبر الأطلسي يجب أن يتحرك لزيادة الإنفاق العسكري في القطب الشمالي، ونشر المزيد من المعدات، وإجراء المزيد من التدريبات الأكبر حجماً للمساعدة في تهدئة المخاوف الأمنية الأمريكية.

وقال وزير الدفاع البلجيكي، ثيو فرانكن، لرويترز، إنه يتعين على حلف الناتو إطلاق عملية في القطب الشمالي للتعامل مع المخاوف الأمنية الأمريكية.

واقترح فرانكن عمليتي “حارس البلطيق”، وهي عملية تابعة لحلف الناتو تم إطلاقها العام الماضي لتأمين البنية التحتية في بحر البلطيق، و”الحارس الشرقي”، التي وسعت المفهوم لحماية الجناح الشرقي لأوروبا على نطاق أوسع من الطائرات من دون طيار والتهديدات الأخرى، بصفتهما نموذجين محتملين لعملية “حارس القطب الشمالي”.

ثانياً: العقوبات الاقتصادية

من الناحية النظرية، يتمتع الاتحاد الأوروبي، وهو سوق يضم 450 مليون شخص، بنفوذ اقتصادي كبير على الولايات المتحدة، ويمكنه التهديد باتخاذ إجراءات انتقامية تتراوح بين إغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا وحظر شراء الأوروبيين لسندات الحكومة الأمريكية، بحسب صحيفة الغارديان.

وتشمل أكثر العقوبات التي يتم الترويج لها على نطاق واسع أداة مكافحة الإكراه التابعة للاتحاد الأوروبي، أو “بازوكا التجارة”، التي تمنح المفوضية الأوروبية سلطة منع السلع والخدمات الأمريكية من دخول سوق الاتحاد الأوروبي، وفرض التعريفات الجمركية، وتجريدها من حقوق الملكية الفكرية، ومنع استثماراتها.

لكن ذلك يتطلب موافقة الحكومات الوطنية للتكتل على استخدامه، وهو أمر يبدو من غير المرجح أن تفعله هذه الحكومات التي لا تبدو راغبة في إلحاق ضرر اقتصادي بالتكتل، وتحرص على إبقاء الولايات المتحدة داعمة لها بشأن أوكرانيا.

وأشار جان ماري غيهينو، وهو مسؤول سابق رفيع المستوى في الأمم المتحدة، إلى أن أوروبا تعتمد على شركات التكنولوجيا الأمريكية في جميع أنواع المجالات: “سواء كان الأمر يتعلق بحماية البيانات أو الذكاء الاصطناعي أو تحديثات البرامج، بما في ذلك لأغراض الدفاع، فإن أوروبا لا تزال تحت رحمة حسن النية الأمريكية”.

ثالثاً: الاستثمار في غرينلاند

يعتمد اقتصاد غرينلاند بشكل كبير على الإعانات السنوية من الدنمارك، التي بلغ مجموعها حوالي 4 مليارات كرونة دنماركية (حوالي 530 مليون يورو) في العام الماضي، والتي تغطي ما يقرب من نصف ميزانية الإنفاق العام للإقليم الشاسع، وتمثل حوالي 20% من الناتج المحلي الإجمالي.

وبينما وعد ترامب بـ”استثمار مليارات الدولارات” في غرينلاند، فقد يلجأ الاتحاد الأوروبي إلى ضخ مزيد من الاستثمارات في محاولة لإبقاء الجزيرة بعيداً عن قبضة الولايات المتحدة الاقتصادية.

ووفقاً لمسودة اقتراح المفوضية في سبتمبر/ أيلول 2025، يمكن للاتحاد الأوروبي اعتباراً من عام 2028 مضاعفة التزاماته تجاه غرينلاند لمطابقة المنحة الدنماركية السنوية، في حين يمكن للجزيرة أيضاً التقدم بطلب للحصول على ما يصل إلى 44 مليون يورو من تمويل الاتحاد الأوروبي للأراضي النائية المرتبطة بالاتحاد الأوروبي.

وفي حين أن واشنطن قد يكون لديها مليارات أكثر لتقدمها مقارنة ببروكسل، إلا أن سكان غرينلاند قد يكونون، بمجرد حصولهم على استقلالهم، حذرين من تعريض أنفسهم للشركات الأمريكية الجشعة، ومترددين في فقدان نظام الضمان الاجتماعي الخاص بهم على النمط الإسكندنافي.

رابعاً: نشر قوات عسكرية

ذكرت وكالة بلومبرغ الأمريكية أن مجموعة من الدول الأوروبية بقيادة بريطانيا وألمانيا تناقش خططاً لتعزيز وجودها العسكري في غرينلاند، لتظهر للرئيس الأمريكي أن القارة جادة بشأن أمن القطب الشمالي.

وأضافت الوكالة، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن ألمانيا ستقترح تشكيل بعثة مشتركة من حلف شمال الأطلسي لحماية منطقة القطب الشمالي.

وفي ورقة بحثية لمركز أبحاث “بروجيل”، جادل مورينو بيرتولدي وماركو بوتي بأن حكومات الاتحاد الأوروبي يجب أن “تحمي غرينلاند بشكل استباقي من التوسع الأمريكي”، مضيفين: “يمتلك الاتحاد الأوروبي قدرة على الانتشار السريع ويجب تفعيلها”.

وفي إطار الاتفاق مع كوبنهاغن ونوك، سيتعين نشر قوات أوروبية في الجزيرة “كدليل على التزام أوروبا بوحدة أراضي غرينلاند”، وفق الورقة البحثية. ورغم أن ذلك لن يمنع ضم الولايات المتحدة لها، إلا أنه سيجعل الأمر أكثر تعقيداً.

وأضافت الورقة البحثية: “على الرغم من عدم وجود حاجة لمواجهة مسلحة، فإن مشهد قيام الولايات المتحدة بأسر جنود أقرب حلفائها من شأنه أن يدمر مصداقية الولايات المتحدة، ويشوّه سمعتها الدولية، ويؤثر بقوة على الرأي العام الأمريكي والكونغرس”.

وقال متحدث باسم الحكومة الألمانية الأسبوع الماضي إن برلين تعمل على خطة “تتضمن الردع الأوروبي” في حالة محاولة الولايات المتحدة الاستيلاء على غرينلاند، بينما طرح وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، العام الماضي احتمال نشر قوة عسكرية فرنسية.

وتُشكّل قدرة الاتحاد الأوروبي على الانتشار السريع إطاراً لنشر ما يصل إلى 5000 جندي من عدة دول أعضاء، تحت قيادة الاتحاد الأوروبي، للاستجابة للأزمات خارج التكتل. ويعتقد الخبراء وبعض السياسيين أن هذه القدرة قد تُغيّر حسابات الولايات المتحدة.

وقال سيرغي لاغودينسكي، عضو البرلمان الأوروبي عن حزب الخضر الألماني: “لا أحد يعتقد أن الحرب بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مرغوبة أو يمكن الفوز بها. لكن أي تحرك عسكري أمريكي ضد الاتحاد الأوروبي ستكون له عواقب وخيمة على التعاون الدفاعي والأسواق والثقة العالمية بالولايات المتحدة”.

خامساً: حل وسط

ووفق تقرير لمجلة بوليتيكو الأمريكية، فإن التوصل إلى تسوية تفاوضية يخرج فيها ترامب من المحادثات بشيء يمكنه تسويقه على أنه انتصار، وتسمح للدنمارك وغرينلاند بحفظ ماء الوجه، ربما يكون أسرع طريق للخروج من المأزق.

واقترح مسؤول كبير سابق في حلف الناتو أن الحلف يمكنه التوسط بين غرينلاند والدنمارك والولايات المتحدة، كما فعل مع أعضاء الحلف تركيا واليونان بشأن نزاعاتهم.

وقال سفير الولايات المتحدة لدى حلف الناتو، ماثيو ويتاكر، إن ترامب ومستشاريه لا يعتقدون أن غرينلاند مؤمنة بشكل كافٍ. وأضاف: “مع ذوبان الجليد وانفتاح الطرق في القطب الشمالي والشمال الأقصى… تُصبح غرينلاند خطراً أمنياً جسيماً على البر الرئيسي للولايات المتحدة الأمريكية”.

عربي بوست

كيف نفهم “رسائل كراكاس” وما الذي وصلنا منها؟

كتب: عريب الرنتاوي *

لم تسجل مراصد السياسة والإعلام، حالات قلق جدية في أي من العواصم العربية، بعد “غزوة كراكاس”، فالزمن الذي كان فيه العالم العربي منقسماً بين أنظمة “ثورية” وأخرى “محافظة”، انتهى منذ زمن بعيد، قبل أن تأتي موجات “الربيع العربي” على ما تبقى من أنظمة الجنرالات في سوريا وليبيا واليمن…”نادي أصدقاء واشنطن” اتّسع كثيراً، وبات يغطي الرقعة العربية من محيطها إلى خليجها.

لكن ذلك لا يعني للحظة واحدة، أن أحداً من لم يتحسس رأسه على وقع مشاهد اقتياد نيكولاس مادورو بالأصفاد من غرفة نومه إلى زنزانةٍ في منهاتن … ليس خشية من إعادة تمثيل المشهد في كاركاس في أي من عواصمنا، فذلكم سيناريو مستبعد إلى حد كبير، ولكن لخشية من فقدان ما تمتعت به بعضها من “هوامش” وإن محدودة لحرية الحركة والمناورة، مع تصاعد الآمال بولوج المجتمع الدولي عتبات نظام عالمي جديد، قائم على التعددية القطبية، وزيادة الإحساس بتراخي قبضة “القطب الأوحد” على السياسات والعلاقات الدولية.

ومن الآن فصاعداً، ستفكر حكومات وحكام، طويلاً وملياً، قبل أن تهمس ويهمسوا بـ”لا” واحدة، ضد هذا السلوك أو تلك السياسة الأمريكيين…ستُجري العواصم العربية حساباتها، مرات ومرات، قبل أن تقدم على أي خطوة، من شأنها إثارة غضب “الثور الهائج” في واشنطن، أو المسّ بما يعتبره هو، ومن جانبٍ واحد، مصالح عليا لبلاده، يتعين احترامها وخدمتها، حتى القطرة الأخيرة.

شيء من الإيديولوجيا والاستراتيجيا

في الإيديولوجيا، وقبل مائة، أو يزيد قليلاً، تحدث فلاديمير لينين عن الإمبريالية بوصفها “أعلى مراحل الرأسمالية”، ولا أحسب أنه وهو في ذروة تشخصيه لجشع رأس المال “المتمركز”، قد تخيّل ما يمكن أن يؤول إليه التوحش و”العِريّ” اللذان أصابا هذا النظام في رأسه، وقلب منظومته …فالإمبريالية في عصرنا الراهن، الأمريكية بخاصة، بلغت أعلى مراحل توحشها وعريّها، فلا مطرح في قاموسها لقانون دولي، ولا احترام لسيادة الدولة، ولا حصانة لأحد، ولا قيد أخلاقي يخفف من حدة التعبير عن الشهوة، أو غلواء النهم للاستيلاء على ثروات الغير ومقدراته، من دون مسوّغ من أي نوع…لا اعتبار للحلفاء والأصدقاء والأقربين منهم بخاصة، ولا تهاون مع الأعداء الذين توعدهم ترامب، بمثل ما فعل لفنزويلا ورئيسها، وطلب إليهم الاصطفاف في الطابور بانتظار جولات تالية.

الإمبريالية الغربية ربحت السباق في الحرب الباردة، بمزيج من الوسائل والأدوات، الخشنة والناعمة، وبتفوقها العلمي والتكنولوجي، وبمنظومات الحكم الديمقراطي والقيم والحقوق …الإمبريالية اليوم، تقف عاجزة عن الحفاظ على موقعها على قمة العالم والاقتصاد العالمي، بوجود منافسين أقوياء، اقتصادياً (الصين) وعسكرياً (روسيا)، ولم يعد لدى واشنطن من وسيلة لحفظ صدارتها وتصدّرها، سوى باللجوء إلى “البلطجة” و”التنمر” على حد تعبير قادة أوروبيين، اقتصادياً بتفعيل منظومات العقوبات الجائرة على المنافسين والخصوم، وعسكرياً باللجوء إلى “الهراوة” الثقيلة ضد قواعد ارتكاز الأقطاب الدولية المنافسة، كما حصل في فنزويلا، وكما سيحصل في بقاع أخرى…الولايات المتحدة التي خرجت بعد الحرب العالمية الثانية باقتصاد يزيد عن نصف اقتصاديات العالم، لا تحتفظ اليوم، إلا بأقل من ربع هذه الاقتصادات، وما هي إلا سنوات، حتى تحلّ ثانيةً بعد التنين الصيني، وتخسر “المباراة الاقتصادية” مع بكين، وهذا ما لا تريده زعيمة الرأسمالية العالمية، وهذا ما تعمل على تأخير حصوله، بأساليب لا تليق بأعظم قوة في العالم، ولا تنسجم مع “قواعد اللعبة” التي أرستها هي بالذات، ورسمت أطرها وحددت ملاعبها ولاعبيها، من قوانين السوق إلى المنافسة الحرة والتجارة المعولمة…لقد رسموا حدود الملعب وحددوا قواعد اللعب، وعندما شارفوا على الخسارة، انتقلوا لطرد اللاعبين الآخرين من الملعب واللعبة، واقترحوا عليهم الجلوس على مقاعد المتفرجين والنظّار…لقد دفعوا للخلف بأدواتهم الناعمة التي كانت من بين الأسباب الرئيسة لانهيار الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية، فلم تعد هناك حاجة لـ”قوة النموذج” ولا لقنوات “الحرة” و”الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية”، بديل ذلك “المارينز” وحاملات الطائرات المحدّثة، والقواعد التي ترابط على أبواب وحدود مختلف دول العالم.

وفي الاستراتيجيا، ليس ثمة من نصٍ أوضح مما تضمنته “استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة” التي نُشِرت مؤخراً، والتي جعلت من “نصف الكرة الغربي”، حديقة خلفية لـ”أمريكا أولاً”، بعد أن أقدم ترامب على تنقيح وتعميق “مبدأ مونرو”، ليدخل الصين وروسيا وإيران، في صلب الدول المستهدفة بالطرد من جنات هذه الحديقة…وليضع يسار القارة الناهض، الأحمر والبرتقالي، في قلب دائرة الاستهداف، من على قاعدة “تنظيف البيت الداخلي أولاً”، وليعيد دول القارة اللاتينية إلى عصر “جمهوريات الموز”، وإلى زمن كانت فيه الشركات والكارتيلات الأمريكية، كفيلة بإسقاط هذا النظام والمجيء بذاك.

والحقيقة أننا لم نكن نظن، أن الشروع في ترجمة “مبدأ مونرو”، الذي صار “مبدأ دونرو”، سيتم بهذه السرعة، وانطلاقاً من كاراكاس، وأن يتم ذلك بكل هذا اليسر والسهولة و”صفر خسائر”…نتيجة كهذه، ستفاقم غرور ترامب، وستفتح شهيته لطلب المزيد، فطالما أن “رامبو” الأمريكي نجح في اختطاف رئيس وزوجته، دون خسارة جندي واحد، أو فقدان مروحية واحدة، فلماذا لا يتنقل بين العواصم المصنفة في خانة “التهديدات”؟

كان يمكن لمقاومة جدية من جانب الفنزويليين توقع خسائر في صفوف القوة الغازية على أقل تقدير، أن تشكل رادعاً لترامب وفريقه، سيما وأن الرجل التزم أمام الأمريكيين بعدم جرّهم إلى حروب جديدة، وتكبيدهم خسائر جديدة، وكان يمكن لخسران جنود أن يعمق شرخاً قائماً داخل حركة “MAGA”، قاعدة ترامب وخزان أصوات فريقه من الجمهوريين والمحافظين … لم نكن نتوقع من فنزويلا أن تلحق هزيمة بالعدوان وأن تمنع عن ترامب انتصاره، ولكننا لم نكن ننتظر أن يجري اقتياد الرجل وزوجته، من دون مقاومة جدية تذكر، وسنترك للأيام مهمة الكشف عن ملابسات تلك الليلة “المعتمة” على حد وصف ترامب نفسه، وأن تجيب عن سؤال: هل سقطت القلعة من الداخل، وهل كان ممكنا إسقاطها بهذه الخفّة، لولا “خراب داخلي مقيم”؟

في مطلق الأحوال، لم يفت الأوان على الدول المصطفة في الطابور بانتظار “رامبو” لفعل شيء معاكس، فليست “كل مرة تسلم الجرة” الأمريكية، فهي لم تسلم في 1980 في” صحراء لوط الإيرانية” زمن جيمي كارتر، كما لم تسلم في العراق وأفغانستان زمن جورج بوش الأب والابن، لكن ما حدث في فنزويلا، يعطي مؤشرات قوية على خراب مستفحل واختراقات هائلة، داخل دول معادية لواشنطن عقائدياً، إن لخلفيات يسارية كما في فنزويلا اليوم، أو دينية كما في إيران بالأمس.

أية رسائل ومن هم “المرسلة إليهم”؟

وبالعودة إلى “رسائل كراكاس”، وقائمة المُرسلة إليهم، فثمة مخاطر وتهديدات لا يجوز صرف النظر عنها، حتى وإن استبعدنا احتمالات إعادة انتاج هذا السيناريو في دولنا، ويحضرنا في هذا المقام، عدد من أهمها:

أولاً؛ لن يكون مجدياً بعد اليوم، مخاطبة إدارة ترامب بالقول إن حكومة اليمين الفاشي في إسرائيل، تنتهك القانون الدولي وتتعدى على سيادة الدول وتنزع الحصانة عن قادتها … هذا ما فعلته الإدارة بالضبط في فنزويلا، و “من ساواك بنفسه ما ظلم”، وسيكون بمقدور نتنياهو اليوم، أن يردد ما قاله بالأمس، بأن إسرائيل لم تفعل شيئاً في فلسطين ولبنان وسوريا، لم تفعله الولايات المتحدة من قبل، وما تُكرر فعله الآن، في أماكن مختلفة وأزمنة متباعدة.

كيف يمكن لترامب أن يقنع نتنياهو بعدم ضم الضفة الغربية، فيما هو شخصياً يسعى للاستيلاء على غرينلاند مثلاً، لا لشيء إلا لأنها مهمة لأمن الولايات المتحدة القومي…نتنياهو لديه ذريعة أخرى، ذات طابع عقائدي، إلى جانب حسابات الأمن القومي الإسرائيلية، لكي يحذو حذو ترامب، زعيم الغرب والعالم.

كيف يمكن لترامب أن يقنع نتنياهو بعدم محاولة قتل خصومه من قادة وزعماء ومسؤولين، بمن فيهم قادة في اليمن وإيران ولبنان وفلسطين، بمن فيهم “المرشد الأعلى نفسه أو عبد الملك الحوثي كما هدد مرات ومرات”، فيما ترامب نفسه يدخل على مادورو في قصره، ويكبله بالأصفاد بوصفه “زعيم عصابة إجرامية؟

كيف يمكن لترامب أن يقنع نتنياهو بالكف عن المساس بسيادة لبنان وسوريا، بعد أن أطاح هو نفسه، متفاخراً، بمبدأ سيادة الدول وحصانة رؤسائها.

في منطقتنا، لن تقوم واشنطن بالضرورة، بمعاقبة خصومها، أو من يشذّ عن سربها بذاتها، ستترك المهمة لـ”أزعر الحيّ” المنفلت من كل عقال في تل أبيب…وقد نشهد فصولاً من “التوحش” و”التطاول” الإسرائيليين، لم نعهدهما طيلة عامي الإبادة والتطهير في غزة ولبنان.

ثانياً؛ من المرجح أن يجري اختزال “المهل الزمنية” الممنوحة للخصوم في لبنان وسوريا وفلسطين، وربما في العراق كذلك، لإنجاز ما ترغب به واشنطن (اقرأ تل أبيب) وسيجري التعامل بحزم أكبر، مع أية محاولات للتمهل وكسب الوقت، وسيكون المفاوض العربي في وضع أكثر صعوبة مما كان عليه من قبل.

ثالثاً؛ سيفقد “تكتيك” الهروب من رمضاء تل أبيب إلى نار واشنطن، الذي اعتمده بعض القادة العرب، قيمته، وسيتعين على هؤلاء البحث عن أدوات ووسائل بديلة، للحفاظ على أمنهم القومي، واستقرار بلدانهم، وحماية أنفسهم، وهو ما يتطلب مقاربة جذرية، جديدة للغاية.

رابعاً؛ إن كانت الحكومات العربية لا تخشى “سيناريو كاركاس”، ولا تعتبر نفسها مستهدفة به، فإن لاعبين “لا دولاتيين”، عليهم أن يقلقوا من قادمات الأيام، وما تستبطن من تحديات وتهديدات، فنشوة النصر التي تجتاح ترامب، ويشاطره النشوة ذاتها، وبالقدر ذاته، بنيامين نتنياهو، تحمل في طياتها إرهاصات لموجات جديدة من التصعيد والغطرسة.

خامساً؛ ما لم تُكسر هذه الموجة من العربدة، في القارة اللاتينية في مواجهة واشنطن، وفي الشرق الأوسط في مواجهة تل أبيب، فأن عهداً جديداً سيُطل برأسه البشع على الإقليمين معاً، عنوانه المزيد من “جمهوريات الموز”، وستُفتح الأبواب، المفتوحة أصلاً، على سيناريوهات الهيمنة والإخضاع والتفتيت والتقسيم، فهل تشكل “رسائل كاراكاس” بداية صحوة عربية جديدة، أم أنها ستكون بداية انتقال من الغفوة إلى الغيبوبة؟

* الكاتب المستشار الأول مركز القدس للدراسات السياسية

رسالة عاجلة من دكتور نديم سراج الى الأمم المتحدة

السادة في منظمة اليونسكو المحترمين،

أكتب إليكم في ظل التصعيد الخطير للقصف الواسع النطاق والأنشطة العسكرية في عدة مناطق من العالم، والتي تشكل تهديدًا مباشرًا وخطيرًا ليس فقط لحياة البشر، بل للغلاف الجوي والهواء الذي نتنفسه وللتوازن الطبيعي الذي تقوم عليه الحياة.

لقد بلغ تلوث الغلاف الجوي بالانبعاثات السامة والجزيئات الدقيقة والمخلفات الكيميائية مستوى لم يعد فيه حتى السماء آمنة. وبصفتي طبيبًا مختصًا في طب وجراحة العيون العصبية، ألاحظ بقلق شديد ازدياد الأمراض العصبية والتنكسية المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالتلوث البيئي، وهو ما يؤثر على الإنسان والحيوان والنبات والأنظمة البيئية بأكملها.

إن الطبيعة ليست مجرد مورد يُستغل، بل هي أساس الحياة والثقافة والتاريخ والحضارة الإنسانية. وكما تُحمى الآثار واللغات والتقاليد بوصفها تراثًا ثقافيًا، يجب الاعتراف بالطبيعة وحمايتها كتراث ثقافي مشترك للبشرية جمعاء.

بناءً على ذلك، أتقدم باحترام باقتراح الاعتراف بالطبيعة كتراث ثقافي عالمي تحت مظلة منظمة اليونسكو، لما يحمله ذلك من التزام أخلاقي وثقافي وقانوني لحماية البيئة من الدمار الناتج عن الحروب والتلوث والاستغلال غير المسؤول.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام،

د. نديم سراج
طبيب عيون
مندوب اتحاد الأطباء العرب في أوروبا (منظمة غير حكومية)

بيان إضافي:
بصفتي صحفيًا ورئيس تحرير جريدة المدار نيوز في نيويورك، أؤكد دعمي الكامل لهذه المبادرة، وأعتبرها ضرورة إنسانية وبيئية وثقافية عاجلة.

ياسين نجار
رئيس التحرير – جريدة المدار نيوز
نيويورك – الولايات المتحدة الأمريكية

الطبيعة بوصفها تراثًا ثقافيًا عالميًا


تُعدّ الطبيعة إحدى الركائز الأساسية لوجود الإنسان واستمراره، فهي ليست مجرد مورد مادي قابل للاستهلاك،
بل تمثل منظومة أخلاقية وثقافية وروحية متكاملة، تشكّل جزءًا لا يتجزأ من التراث الإنساني العالمي.

المبررات:

1. لاهوتيًا:


إن إعادة تفسير العبارة التوراتية «أخضعوا الأرض» ضرورة أخلاقية معاصرة، بحيث تُفهم على أنها تكليف
بالرعاية والمسؤولية لا بالهيمنة والتدمير. فالطبيعة هي الخلق المطلق لله، وقد أُودعت لدى الإنسان كأمانة،
يُحاسَب على صونها وحمايتها، لا على استنزافها أو تشويهها.

2. فلسفيًا:


كرّست العقلانية الديكارتية والمثالية الألمانية مفهوم سيطرة الإنسان على الطبيعة، حيث اعتُبرت الطبيعة
موضوعًا خاضعًا للعقل الإنساني. ويعبّر إيمانويل كانط عن هذا التوجّه بقوله: «العقل الإنساني هو الذي يفرض
قوانينه على الطبيعة». وقد أسهم هذا التصور في تبرير الاستغلال غير المحدود للبيئة.

3. سياسيًا:


تعكس الدولة الحديثة صراعًا دائمًا بين استراتيجيات كبرى: البيئة مقابل الاقتصاد، والبيولوجيا مقابل
التكنولوجيا. وغالبًا ما يُضحّى بالطبيعة لصالح النمو الاقتصادي والتقدم التقني، ضمن منطق سياسي يسعى
إلى السيطرة بدل التوازن.

4. جماليًا – حسّيًا وفسيولوجيًا:


في سلّم القيم الإنسانية، تحتل الطبيعة المرتبة الأعلى، فهي المصدر الأول للجمال والتوازن النفسي
والجسدي. وبوصفها قيمة فوق-أخلاقية، فإنها تجسّد الحقيقة والخير والمعنى الأخلاقي للحياة.

5. علاجيًا:


أثبتت الطبيعة قدرتها العلاجية عبر التاريخ، كما في علاج الأمراض الجلدية في البحر الميت، وعلاج السل
وأمراض الجهاز التنفسي في الهواء الجاف لصعيد مصر، أو في الهواء الجبلي النقي في سويسرا.

6. إلهاميًا:


كانت الطبيعة ولا تزال مصدرًا رئيسيًا للإلهام الإنساني، ومنها استقى الفنانون والأدباء والشعراء
خيالهم ورؤيتهم للعالم.

7. إنسانيًا – كونيًا:


بينما يمكن قياس الأرض وتقسيمها سياسيًا، يبقى الهواء والسماء بلا حدود. ومع القوة التدميرية الهائلة
للأسلحة الحديثة، وخاصة النووية، يصبح من غير المقبول تعريف الهواء الذي نتنفسه ضمن أطر قومية أو
سياسية ضيقة.

الهواء النظيف والصحي حق إنساني أساسي، وليس ترفًا أو امتيازًا.

8. نداء عاجل:


إن التحديات البيئية التي تواجه البشرية اليوم تتطلب تحركًا فوريًا وجادًا من المجتمع الدولي،
وخاصة الجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، من أجل حماية الطبيعة باعتبارها تراثًا
ثقافيًا وإنسانيًا عالميًا.



إعداد:
الدكتور نديم سراج – ألمانيا

غرينلاند… الجزيرة المتجمّدة التي أشعلت صراع القرن الحادي والعشرين


تُعد جزيرة غرينلاند أكبر جزيرة في العالم، وتقع في أقصى شمال الكرة الأرضية بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي.
وعلى الرغم من أن أكثر من ثمانين في المئة من مساحتها مغطى بالجليد، فإنها تحولت في السنوات الأخيرة إلى محور صراع
جيوسياسي دولي متصاعد، بعد أن أعادت الولايات المتحدة، في عهد الرئيس دونالد ترامب، طرح فكرة شراء الجزيرة من الدنمارك،
في خطوة بدت صادمة في ظاهرها، لكنها عميقة الدلالات في جوهرها.

غرينلاند تتبع سياسيًا لمملكة الدنمارك، لكنها تتمتع بحكم ذاتي واسع منذ عام 2009، حيث تدير شؤونها الداخلية والاقتصادية،
في حين تبقى السياسة الخارجية والدفاع بيد كوبنهاغن. ويبلغ عدد سكان الجزيرة نحو ستة وخمسين ألف نسمة، معظمهم من شعب الإنويت،
الذين عاشوا في هذه الأرض القاسية منذ آلاف السنين.

تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الاستراتيجي الفريد، فهي تشكل حلقة وصل بين أمريكا الشمالية وأوروبا وروسيا،
وتقع في قلب القطب الشمالي الذي بات ساحة تنافس دولي محتدم مع ذوبان الجليد وفتح طرق شحن جديدة
قد تغيّر خريطة التجارة العالمية في العقود المقبلة.

أما من حيث الثروات، فإن غرينلاند تُعد كنزًا غير مستغل. فهي تحتوي على معادن نادرة تُعد أساسية للصناعات التكنولوجية
والعسكرية الحديثة، مثل الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة، إضافة إلى احتياطات محتملة من النفط والغاز،
وثروات سمكية تشكل العمود الفقري لاقتصاد الجزيرة.

الوجود العسكري الأمريكي في غرينلاند ليس جديدًا، إذ تستضيف الجزيرة قاعدة ثول الجوية منذ الحرب الباردة،
والتي تُعد جزءًا من منظومة الإنذار المبكر للصواريخ، ما يجعل الجزيرة عنصرًا أساسيًا في الأمن القومي الأمريكي.

في عام 2019، فجّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلًا عالميًا حين أعلن اهتمامه بشراء غرينلاند،
واصفًا الأمر بأنه “صفقة استراتيجية”. ورغم السخرية التي قوبل بها التصريح، إلا أن الفكرة كانت مطروحة بجدية داخل دوائر صنع القرار في واشنطن.

أهداف ترامب لم تكن عقارية، بل استراتيجية بامتياز. فالولايات المتحدة تسعى إلى تقليص اعتمادها على الصين في مجال المعادن النادرة،
ومنع تمدد النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي، وضمان تفوقها العسكري والاقتصادي لعقود مقبلة.

رد الدنمارك جاء حاسمًا، حيث أعلنت رئيسة وزرائها أن غرينلاند ليست للبيع، ما أدى إلى أزمة دبلوماسية وإلغاء زيارة رسمية لترامب إلى كوبنهاغن.

اليوم، تقف غرينلاند أمام مفترق طرق تاريخي، بين طموح الاستقلال الكامل، وضغوط القوى الكبرى،
وحقيقة الاعتماد الاقتصادي على الدعم الدنماركي. لكن المؤكد أن هذه الجزيرة المتجمدة لم تعد على هامش التاريخ،
بل أصبحت في قلب صراع القرن الحادي والعشرين.

إعداد: ياسين نجار – رئيس التحرير – جريدة المدار نيوز
نيويورك – الولايات المتحدة الأميركية



مقالة نارية | تخبّط مظلوم عبدي… حين تتحوّل القيادة إلى عبء سياسي

بقلم: ياسين نجار
رئيس التحرير – المدار نيوز
نيويورك – الولايات المتحدة الأميركية

لم تكن حلب يومًا مدينة هامشية في التاريخ السوري، ولا ساحة قابلة للتجارب السياسية أو العسكرية. هي مدينة القرار، والاقتصاد، والرمزية الوطنية. ومن يخطئ في قراءة حلب، يخطئ في قراءة سوريا بأكملها. ومع ذلك، وجدت قوات سوريا الديمقراطية نفسها داخل أحياء حلب بلا مشروع واضح، وبلا شرعية شعبية، وبلا قرار سياسي نهائي، لتدخل في واحدة من أكثر مراحلها ارتباكًا منذ تأسيسها.

في قلب هذا المشهد يقف مظلوم عبدي، القائد العام لقسد، كشخصية مثيرة للجدل، لا بسبب مواقفه فقط، بل بسبب غياب الموقف. فالتردد لم يعد مجرد تكتيك، بل تحوّل إلى سمة دائمة في قيادته، انعكست سلبًا على عناصره، وعلى البيئة الاجتماعية المحيطة به.

منذ اللحظة الأولى، لم يعلن مظلوم عبدي موقفًا واضحًا من الوجود في حلب. هل هو وجود دائم؟ أم ورقة تفاوض؟ أم مجرد انتظار لتوازنات دولية؟ هذا الغموض ترك عناصره في حالة ضياع، وفتح الباب أمام تصاعد الرفض الشعبي، خاصة مع فرض التجنيد الإجباري، وإنشاء حواجز أمنية غير منسجمة مع طبيعة المدينة.

قسد خسرت الشارع الحلبي قبل أن تخسر مواقعها. فالعلاقة مع الأهالي لم تُبنَ على شراكة أو احترام خصوصية المدينة، بل على منطق أمني بحت. وهذا ما جعل أي ضغط سياسي أو أمني كفيلًا بتفكيك حضورها دون الحاجة إلى معركة كبرى.

في المقابل، تعامل الجيش السوري مع المشهد بهدوء محسوب. لم يندفع إلى مواجهة مفتوحة، بل اعتمد سياسة النفس الطويل، مستندًا إلى عاملين حاسمين: الوقت، والمزاج الشعبي. ومع كل يوم يمر، كانت كفة الشرعية تميل لصالحه، فيما كانت قسد تفقد المزيد من أوراقها.

الهزيمة التي مُنيت بها قسد في حلب لم تكن عسكرية بالمعنى التقليدي، بل سياسية بامتياز. لم تُرفع رايات الاستسلام، ولم تُعلن بيانات الانسحاب، لكن الواقع فُرض. انسحابات صامتة، وتفاهمات اضطرارية، وغياب كامل لأي خطاب منتصر.

مظلوم عبدي ظهر في هذه المرحلة كقائد عاجز عن اتخاذ قرار نهائي: لا مواجهة، ولا انسحاب مشرّف، ولا اتفاق واضح. هذا النوع من القيادة لا يصنع انتصارات، بل يراكم الخسائر المؤجلة.

إن أخطر ما واجهته قسد في حلب ليس الجيش السوري، بل الحقيقة السياسية: لا يمكن فرض مشروع سياسي دون قبول الناس. ولا يمكن الاعتماد إلى ما لا نهاية على مظلة خارجية متقلبة.

حلب وجّهت رسالة قاسية لكنها واضحة: من لا يملك قرارًا مستقلًا، ولا رؤية واضحة، ولا شجاعة الاعتراف بالخطأ، لا يمكنه البقاء لاعبًا مؤثرًا.

الخلاصة أن ما جرى في حلب سيُسجّل كنقطة تحوّل في مسار قسد، وكإنذار مبكر بأن زمن إدارة المناطق بالانتظار والتردد يقترب من نهايته. ومظلوم عبدي، إن استمر في هذا النهج، فلن يُذكر كقائد خسر معركة، بل كمن أضاع الفرصة، وأربك رجاله، وترك قراراته معلّقة بين واشنطن ودمشق، دون أن يرسو على بر.

لماذا يرفض الصينيون الحوافز المالية الحكومية للتشجيع على الإنجاب؟

كان زين لي في التاسعة من عمره عندما رُزق بأخت صغيرة، وقد أغرق وصولها عائلته في مدينة صغيرة شرق الصين في ديون مُرهقة.

وفي ظل سياسة الطفل الواحد الصارمة التي كانت تُطبقها الصين آنذاك، غُرِّم والدا لي 100 ألف يوان (حوالي 13900 دولار أمريكي) لإنجابهما طفلًا ثانيًا، أي ما يُعادل ثلاثة أضعاف دخلهما السنوي من بيع الأسماك في السوق، ويتذكر لي: “كنا بالكاد قادرين على العيش”. 

وأُجبر طالب الصف الثالث آنذاك على أن يكبر بين عشية وضحاها، مُتحملًا معظم الأعمال المنزلية، ومُقضيًا العطلات المدرسية مُساعدًا والدته في كشكها.

ويقول لي (25 عامًا) إنه لا يُخطط لإنجاب أطفال، وهو موقف شائع بشكل متزايد بين جيله، ويُقلق الحكومة الصينية في سعيها لتجنب أزمة سكانية من صنع يديها.

ولعقود، ضغط المسؤولون على الأزواج لإنجاب عدد أقل من الأطفال من خلال غرامات باهظة، وعمليات إجهاض قسرية، وعمليات تعقيم، ليتوسلوا الآن إلى جيل لي لإنجاب المزيد من الأطفال.

وفي الأسبوع الماضي، وفي أحدث مساعيها لتعزيز معدلات المواليد المتراجعة، أعلنت الصين أنها ستقدم للآباء دعمًا سنويًا قدره 3600 يوان (500 دولار أمريكي) لكل طفل حتى سن الثالثة، يسري بأثر رجعي اعتبارًا من 1 يناير/ كانون الثاني.

لكن بالنسبة للعديد من الشباب مثل لي، فإن هذا العرض غير مجدٍ.

وقال لي، الذي حصل على قرض طلابي للدراسة للحصول على درجة الماجستير في الخدمات الصحية في بكين: “تكلفة تربية طفل هائلة، ومبلغ 3600 يوان سنويًا ليس سوى قطرة في بحر”.

وتبلغ تكلفة تربية طفل حتى سن الثامنة عشرة في الصين في المتوسط 538 ألف يوان (75 ألف دولار أمريكي)، أي أكثر من ستة أضعاف نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، مما يجعلها من أغلى الأماكن في العالم لإنجاب الأطفال نسبيًا، وفقًا لدراسة حديثة أجراها معهد يووا لأبحاث السكان في بكين.

وفي شنغهاي، تتجاوز التكلفة مليون يوان، تليها بكين بفارق ضئيل، حيث تبلغ 936 ألف يوان.

وقال لي، الذي يشعر بالقلق بشأن فرص عمله ويفكر في الحصول على درجة الدكتوراه: “إنجاب الأطفال لن يجلب سوى المزيد من المشقة، أنا لست رأسماليًا، وربما لن يحظى طفلي بحياة جيدة أيضًا”.

وهذه النظرة القاتمة للأبوة والأمومة في المستقبل- التي يغذيها تباطؤ الاقتصاد الصيني وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب- تشكل عقبة رئيسية أمام مساعي الحكومة لتشجيع الشباب على الزواج وإنجاب الأطفال.

وفي مواجهة انكماش القوى العاملة وتسارع شيخوخة السكان، ألغت الصين سياسة الطفل الواحد في 2016، مما سمح للأزواج بإنجاب طفلين، ثم  3 في 2021، إلا أن معدلات المواليد استمرت في الانخفاض.

 ويشهد عدد السكان الآن انكماشًا لـ3 سنوات متتالية على الرغم من الانتعاش الطفيف في المواليد العام الماضي، ويحذر الخبراء الآن من انخفاض أكثر حدة.

من الغرامات إلى الإعانات

ويمثل الدعم الوطني لرعاية الأطفال المُعلن عنه حديثًا خطوة مهمة في حملة الصين الداعمة للإنجاب.

ولسنوات، جربت السلطات المحلية مجموعة من الحوافز – من الإعفاءات الضريبية، ومزايا السكن، والمساعدات النقدية، إلى إجازات الأمومة الممتدة. 

والآن، تتولى الحكومة المركزية زمام المبادرة من خلال برنامج وطني موحد، يُخصص 90 مليار يوان (12.54 مليار دولار) كإعانات من المتوقع أن تستفيد منها 20 مليون أسرة هذا العام.

وقالت إيما زانغ، عالمة الديموغرافيا وأستاذة علم الاجتماع في جامعة ييل: “لم تعد مجرد تجربة محلية، بل إنها إشارة إلى أن الحكومة ترى أزمة معدل المواليد أزمةً ملحةً ووطنية”، وأضافت: “الرسالة واضحة: نحن لا نطلب منكم إنجاب أطفال فحسب، بل نوفر أخيرًا بعض المال”.

ولاقى البرنامج الجديد، الذي يقدم أيضًا إعانات جزئية للأطفال دون سن الثالثة المولودين قبل 2025، ترحيبًا من الآباء المؤهلين، لكن زانغ قالت إنه من غير المرجح أن يُحدث فرقًا في معدل الخصوبة.

 وأضافت أن سياسات مماثلة فشلت إلى حد كبير في زيادة معدلات المواليد في مجتمعات شرق آسيا الأخرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية.

وبالنسبة للعديد من الشباب الصينيين الذين يعانون من ارتفاع أسعار المساكن، وساعات العمل الطويلة، وسوق العمل غير المستقر، فإن الدعم لا يُعالج حتى المخاوف العميقة التي تُثير إحجامهم عن تكوين أسرة.

وقالت زانغ: “الأمر لا يقتصر على التكلفة فحسب، فالعديد من الشباب يشككون في مستقبلهم، كالأمن الوظيفي، وكبر سن الوالدين، والضغوط الاجتماعية، لذا فإن الإعانة النقدية لا تُعالج الإرهاق النفسي الذي يُعاني منه الناس هذه الأيام”.

ولا يخفى على جيل الألفية وجيل زد في الصين مفارقة التحول من تغريم الآباء على الولادات غير المصرح بها إلى دعمهم لإنجاب المزيد من الأطفال، وخاصةً أولئك الذين شهدوا العقوبات القاسية لسياسة الطفل الواحد بأنفسهم.

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي الصينية، نشر بعض المستخدمين صورًا لإيصالات قديمة تُظهر الغرامات التي دفعها آباؤهم سابقًا مقابل إنجابهم أو إنجاب أشقائهم.

ومن بينهم غاو، التي نشأت في جبال قويتشو النائية، وطلبت عدم ذكر اسمها إلا باسم عائلتها. 

وتُعدّ هذه المقاطعة الجنوبية الغربية من أفقر مقاطعات الصين، وكانت من بين العديد من المناطق التي مُنحت استثناءً بموجب سياسة الطفل الواحد، مما يسمح للأزواج الريفيين بإنجاب طفل ثانٍ إذا كان مولودهم الأول أنثى – وهو تنازلٌ عن تفضيل البلاد التقليدي للذكور.

ومثل شقيقتيها الأكبر سنًا، أُرسلت غاو للعيش مع جدتها بعد ولادتها بفترة وجيزة للاختباء من مسؤولي تنظيم الأسرة، حتى يتمكن والداها من مواصلة مساعيهما لإنجاب ولد، وأنجبا أربع بنات قبل أن يُرزقا أخيرًا بولد.

وتعيش غاو الآن في مقاطعة جيانغسو الشرقية، وتبلغ من العمر 27 عامًا، وتقول إنها لا ترغب في الزواج أو تربية الأطفال.

وذكرت: “مع علمي أنني لا أستطيع توفير بيئة تعليمية وحياة كريمة لطفلي، فإن اختياري عدم توفيرها يُعدّ لطفًا مني”، وأضافت: “لا أريد لطفلي أن يكبر مثلي… دون أي فرصة للارتقاء الاجتماعي، ويعاني في قاع المجتمع، تمامًا كما عانيتُ”.

تلاشي التفاؤل

على مدى عقود، ومع ازدهار الاقتصاد الصيني وتحسن مستويات المعيشة، نشأت أجيال من الشباب على اعتقاد بأنهم سيعيشون حياة أفضل من آبائهم، وهذا التفاؤل يتلاشى الآن.

اليوم، يشعر العديد من الشباب الذين نشأوا على وعود الارتقاء الاجتماعي من خلال العمل الجاد والتعليم بخيبة أمل متزايدة: فقد ارتفعت أسعار العقارات بشكل كبير، ولم تعد الشهادة الجامعية تضمن وظيفة جيدة – حيث أصبحت الفرص المرغوبة تذهب بشكل متزايد إلى ذوي العلاقات العائلية.

وهناك شعور متزايد بالعبث بأن جهودهم الدؤوبة لا تُسفر إلا عن عوائد متناقصة في مجتمع يزداد تنافسيًا – وهو اتجاه يلخصه المصطلح الشائع “التراجع”، وهو مصطلح مستعار من علم الاجتماع لوصف دوامة المنافسة المفرطة التي تُدمر نفسها بنفسها.

وردًا على ذلك، يختار الكثيرون “الاستلقاء على الأرض” – وهو مصطلح شائع آخر يشير إلى التخلي عن روتين تلبية توقعات المجتمع، بما في ذلك الزواج وتربية الأطفال.

ونشأت جون تشاو، البالغة من العمر 29 عامًا، في عائلة من الطبقة المتوسطة في واحدة من أكثر المناطق “تراجعًا” في الصين: منطقة هايديان في بكين.

وهايديان، موطنٌ لثلاثة ملايين نسمة، وتضم العديد من أفضل جامعات البلاد، تشتهر أيضًا بنهجها شديد التنافسية في تربية الأطفال.

 وبدأت تشاو بحضور دروس خصوصية في نهاية كل أسبوع في الصف الثالث الابتدائي، وكانت بالفعل متأخرة بضع سنوات عن أقرانها.

وبعد حصولها على شهادتي البكالوريوس والدراسات العليا في الخارج، عادت تشاو إلى بكين للعمل في مجال علاقات المستثمرين. 

وتقول إن الضغط الهائل الذي نشأت فيه – وما زالت تشعر به – لعب دورًا كبيرًا في قرارها بعدم إنجاب الأطفال.

وقالت: “التكلفة باهظة للغاية والعوائد منخفضة للغاية. بشكل عام، لدي نظرة متشائمة إلى حد ما للحياة – لقد بذلت الكثير، لكنني لم أحصل على الكثير في المقابل”، وتعتبر تشاو نفسها محظوظة – فعملها نادرًا ما يتطلب الكثير من العمل الإضافي.

 ومع ذلك، فهي تكافح من أجل إيجاد الوقت الكافي لتربية طفل. 

وبعد التنقل وتناول العشاء، لا يتوفر لديها سوى ساعتين أو ثلاث ساعات فراغ يوميًا قبل النوم. 

وقالت إن الأمر سيكون أصعب على صديقاتها المحاصرات في دوامة العمل الشاق من التاسعة صباحًا حتى التاسعة مساءً، ستة أيام في الأسبوع.

ومثل العديد من معاصريها، غاو ببساطة غير متفائلة بشأن الحياة التي يمكن أن توفرها لطفلها، أو المجتمع الذي سيولد فيه. وأضافت: “لا تشعر بالرغبة في إنجاب الأطفال إلا عندما تعتقد أن الأيام القادمة ستكون جيدة”.

ثم هناك اختلال التوازن بين الجنسين في تربية الأطفال، إلى جانب العبء البدني والنفسي الذي تتحمله النساء.

وفي حالة تشاو، كانت والدتها هي التي اضطرت إلى التوفيق بين عملها بدوام كامل ومساعدتها في واجباتها المدرسية، أو مرافقتها إلى دروس التقوية.

وقالت: “رأيت بنفسي مدى صعوبة تربيتي على والدتي. أعلم يقينًا أن النساء يتحملن عبئًا وتكلفة أكبر بكثير من الرجال عندما يتعلق الأمر بتربية الأسرة”.

ومع انخفاض معدل الخصوبة، شدد الحزب الشيوعي الحاكم على دور المرأة المنزلي كـ”زوجة فاضلة وأم صالحة”، مشيدًا به كجزء عزيز من الثقافة الصينية التقليدية وضروري “للنمو السليم للجيل القادم”. 

وحثّ المسؤولون النساء على ترسيخ “نظرة صحيحة للزواج والإنجاب والأسرة”.

وقالت زانغ إنه من غير الواقعي توقع إنجاب النساء المزيد من الأطفال دون معالجة العوائق الحقيقية التي يواجهنها.

وأضافت: “لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء على أمل أن تتبنى النساء أدوارًا تقليدية. فشابات اليوم يتمتعن بمستوى تعليمي عالٍ، وتوجهات مهنية، ويرغبن في مزيد من المساواة. وما لم تدعم السياسات هذا الواقع من خلال أمور مثل إجازة الأبوة، وحماية مكان العمل، والوظائف المرنة، فلن ترتفع معدلات الخصوبة”.

وتابعت: “الحكومة تريد المزيد من الأطفال، لكن المجتمع ليس مُهيأً لدعم الأسر”. “في الوقت الحالي، تبدو الأبوة والأمومة فخًا، وخاصة للنساء. وإلى أن يتغير ذلك، لن تكون الإعانات كافية”.

CNN