مذكرة الفتى شامبليون لوالي مصر

بعد افتتاح المتحف المصري الكبير في أول نوفمبر/تشرين الاول 2025، علينا أن نستعيد بعض الجهود المبذولة في سبيل اكتشاف الآثار المصرية القديمة وسبل المحافظة عليها. وقد كان فك رموز اللغات المكتوبة على حجر رشيد عام 1822 – بواسطة العالم الفرنسي الشاب جان فرانسوا شامبليون (1790 – 1832) يُعد انطلاقة قوية لاكتشاف الكثير والكثير من أسرار تلك الحضارة المصرية القديمة، وإنارة بعض غموضها وظلامها، وإزالة الكثير من التراب من على بعض معالمها وآثارها.

جاء عالم الآثار الفرنسي جان فرانسوا شامبليون إلى مصر عام 1828 بعد أن نجح في فك رموز حجر رشيد قبلها، وكان حلم حياته إلى يزور مصر ويقرأ المكتوب على معابدها ومسلاتها ومقابرها وقصورها وأحجارها وأهراماتها.

وقد تحقق حلم الفتى عندما جاء على رأس بعثة علمية إلى مصر، حيث استقبله الوالي محمد علي باشا، واستطاع العالِم الشاب الحصول منه على فرمان وعلى حراسة وتسهيلات متنوعة، يمكّن للبعثة أن تبدأ عملها. وقد كتب إليه شامبليون – في نوفمبر 1829 – مذكرة حول حفظ وصيانة الآثار المصرية القديمة جاء فيها: “يصبح من الأهمية بمكان أن تُعنى حكومة سمو الملك بحفظ وصيانة الأبنية والآثار القديمة التي تمثل الهدف الرئيسي من وراء قدوم أفواج الأوروبيين الذين ينتمون إلى أرفع وأغنى الطبقات الاجتماعية”.

وأوضح الفتى في مذكرته “أن الرحالة يشعرون بالأسف والحسرة، وكذلك كل أوروبا المتحضرة التي تدين بشدة تدمير عدد كبير من الآثار العتيقة تدميرًا شاملا منذ بضعة سنوات دون أن يبقى منها أدنى أثر”.

وأضاف أنه “من المعلوم جيدًا أن تلك العمليات التخريبية الهمجية تتنافى مع نوايا سمو الملك وآرائه المستنيرة التي لا تخفى على أحد. كما تم ذلك على أيدي أفراد لا يستطيعون تقدير مغبة الأضرار التي يلحقونها بالبلد عن جهالة، إلا أن ذلك لا يغير من فداحة ما يجري، كما أن فقدان تلك الآثار يثير مخاوف كل طبقات المثقفين وقلقهم بشأن المصير الذي ينتظر الآثار الأخرى التي لا تزال قائمة حتى الآن”.

وشدَّد الفتى في مذكرته على الأمر “بعدم اقتلاع أية أحجار أو قوالب طوب منقوشة أو غير منقوشة – بأي حال من الأحوال – من الأبنية والآثار القديمة التي لا تزال قائمة في المواقع سواء في مصر أو النوبة”.

ولفت الفتى – في مذكرته – إلى أن “الآثار العتيقة المنحوتة في الجبال تضارع من حيث أهمية المحافظة عليها الآثار المشيدة من الأحجار التي تم اقتلاعها من نفس تلك الجبال، لذلك فإن الحاجة ماسة إلى الأمر بعدم إحداث أية أضرار أو تلفيات داخل تلك المقابر التي يقوم الفلاحون بتدمير نقوشها، إما لإعادة استخدامها في بناء أماكن تأويهم هم وحيواناتهم، وإما لبيع أجزاء صغيرة من نقوشها إلى الرحالة، حتى وإن اقتضى ذلك تشويه حجرات بأكملها”.

وأنهى الفتى مذكرته للوالي محمد علي باشا بقوله: “لقد آن الأوان لوضع حد لتلك العمليات التخريبية البربرية التي تحرم العلم في كل لحظة من آثار غاية في الأهمية، وتصيب الرحالة بالحسرة وخيبة الأمل لاندثار النقوش الفريدة التي تكبدوا مشاق كثيرة في سبيل القدوم لرؤيتها”.

لقد كتب الفتى مذكرته للوالي بعد أن جاب أرض مصر شِبرًا شِبرًا، وحلَّ بكل المواقع التي لا تزال تحتفظ ببعض أنقاض تشهد بعظمة الماضي، وكان كل أثر موضع دراسة خاصة، كما قام بنسخ جميع النقوش البارزة (التي وصلت إلى حوالي ألف وخمسمائة) والنصوص التي من شأنها إلقاء مزيد من الضوء على الماضي السحيق لأمة يمتزج اسمها العريق بأقدم تراث دونته البشرية.

ووقع في روع شامبليون أن علماء الحملة الفرنسية والإنجليز يستحقون عقوبة الجَلْد في ميدان عام لتجاسرهم على نشر رسوم ناقصة ومشوهة للتكوينات المصرية الكبيرة والرائعة.

رسائل إبداعية وإنسانية بمعرض الفن الإسلامي في جدة

جدة (السعودية) – استقطب مركز أدهم للفنون بجدة 38 فناناً وفنانة تشكيلية في معرض يحتفي بالفن الإسلامي، حيث قدم المشاركون الذين ينتمون لجنسيات عربية وأجنبية، (60) عملاً فنياً استحضرت عظمة الفنون الإسلامية التي صارت محل إعجاب العالم الذي جعل للفن الإسلامي يوما عالميا تحتفل به الدول الأعضاء بمنظمة الأمم المتحدة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام.

وشهد المركز احتفالية ثقافية وفنية مميزة بمناسبة ختام معرض الفن الإسلامي، والذي استقطب خلال أيامه الماضية نخبة من الفنانين التشكيليين ومحبي الفنون من داخل المملكة وخارجها. وجاءت الأمسية الختامية محمّلة بالرسائل الإبداعية والإنسانية، إذ جرى خلالها تكريم الفنانين المشاركين تقديرًا لعطائهم وإسهاماتهم في إثراء المشهد الفني.

وقال الدكتور طلال أدهم، مؤسس ومدير مركز أدهم للفنون بجدة، إن المعرض حظي بإقبال كبير من الجمهور المُحب للفنون، ومن المثقفين والفنانين والإعلاميين، الذين اشادوا بالأعمال الفنية المعروضة، حيث دارت نقاشات فيما بينهم وبين الفنانين المُشاركين بالمعرض. والمعرض الذي افتتحه عبدالخالق الزهراني، مدير عام فرع وزارة الإعلام بمنطقة مكة المكرمة، بحضور سيدة الأعمال نوال عباس أدهم، وبمشاركة بنك التنمية للأسر المنتجة، شهد تكريم عدد الفنانين والمثقفين والإعلاميين، وتحوّل إلى عرس يحتفي بالثقافة والفنون. وقد كان من بين المُكرمين بالمعرض الكاتب والإعلامي جميل هوساوي.

وبحسب أدهم فإن المعرض يأتي في إطار حرص المركز على إحياء المناسبات الفنية والثقافية والوطنية عبر معارض يُشارك فيها كبار الفنانين والمثقفين بالمملكة العربية السعودية وخارجها.

وألقى منظمو المعرض كلمة أكدوا فيها أن “معرض الفن الإسلامي” جاء ليجسد رسالة الفن ودوره في التعبير عن القيم الجمالية والروحانية التي يحملها التراث الإسلامي عبر العصور، مشيرين إلى أن الأعمال المعروضة لهذا العام تميزت بتنوع المدارس الفنية، وتلاقي الأساليب الحديثة مع الأصالة، مما خلق تجربة فنية ثرية للزوار.

وعبّر الفنانون المكرَّمون عن امتنانهم لهذا الاحتفاء، معتبرين أن التكريم يحفّزهم على الاستمرار في العطاء وتقديم أعمال تعكس الهوية الفنية السعودية والإسلامية. وأشادوا بالتنظيم والدعم الذي قدمه مركز أدهم للفنون، مؤكدين أن المعرض شكّل منصة مهمة لعرض أعمالهم أمام جمهور واسع واحترافي.

وكما شهد المعرض حضوراً لكوكبة من الفنانين والمثقفين والجمهور من عُشّاق الفنون التشكيلية، وعدد من الدبلوماسيين بينهم القنصل العام لجمهورية روسيا بمدينة جدة يوسف أباكاروف، والقنصل العام للمملكة المغربية بجدة السيد عبدالإله أودادس، والقنصل الإعلامي لجمهورية باكستان بجدة  السيد محمد عرفان، والسيدة كريستال ماري نائبة القنصل الفلبيني بجدة.

المعرض الذي أشرفت على إعداده وتنسيقه الفنانة أوكسانا الفولي، ضم نخبة من الفنانين من السعودية، ومصر، وفلسطين، وسوريا، وروسيا، والفلبين، وباكستان. ويضم مركز أدهم للفنون بجدة بين جنباته أكثر من 22 غاليري فني، بجانب أكبر حاضنة عربية للفنون التشكيلية، تحوّل إلى مركز للفنون المعاصرة، ومقصد للمُبدعين وعشاق الفنون البصرية من المملكة وخارجها. 

وقد تحوّل المركز إلى واحد من أهم الغاليريهات في المنطقة العربية، حيث يستضيف العديد من الفعاليات التي تعزز الفن التشكيلي في السعودية ويدعم حركة الانفتاح والتطور في المملكة، ويسهم في خلق مساحات كبيرة للتبادل الثقافي، إلى جانب كونه مؤسسة تجمع مجالات الفنون المتنوعة تحت سقف واحد.

وقد أسهم المركز على مدار أكثر من 7 سنوات مضت في إثراء الحركة الفنية السعودية والعربية، ونشر الثقافة البصرية من خلال عشرات المعارض والفعاليات التي تقام على مدار العام، وتغطي مختلف جوانب الإبداع في مجالات الفنون التشكيلية كافة.

وتأتي النجاحات المتواصلة للمركز لتؤكد على أن النهضة التشكيلية التي تشهدها المملكة لم تأت مصادفة، بل نتاج حراكٍ رسمي، وجهودٍ شخصية من قبل الكثير من الشخصيات الفاعلة في المشهد التشكيلي بالمملكة، بجانب انتشار المراكز الفنية التي تحتضن الكثير من المعارض والورش الفنية.

وافتتح المركز في العام 2018، بمبادرة من الدكتور طلال أدهم، وهو رجل أعمال سعودي، عاشق للفنون، وأحد المهتمين باقتناء الأعمال الفنية، ونوال أدهم، التي اهتمت بأن يعمل المركز وفق رؤية منهجية تحقق المزيد من التطور للحركة التشكيلية بمدينة جدة، بشكل خاص، والمملكة العربية السعودية بوجه عام.

عودة سوريا للاتحاد من أجل المتوسط تفتح آفاقا اقتصادية واعدة

دمشق – عادت سوريا إلى “الاتحاد من أجل المتوسط” بعد 14 عاما من تعليق عضويتها، عبر مشاركتها في المنتدى الإقليمي العاشر الذي عقد في مدينة برشلونة الإسبانية فيما يكشف ذلك عن عودة تدريجية لدمشق للمشاركة في المؤتمرات والندوات الإقليمية والدولية وبالتالي فك عزلتها ما يتح المجال لتعزيز التعاون الاقتصادي مع الدول المطلة على البحر المتوسط.


وأفادت وزارة الخارجية السورية، في بيان لها، أن دمشق شاركت ممثلة بمدير إدارة الشؤون الأوروبية في الوزارة محمد براء شكري، في أعمال المنتدى الإقليمي العاشر للاتحاد. وبينت أن هذه المشاركة تأتي “كأول حضور لسوريا على المستوى الوزاري في إطار الاتحاد من أجل المتوسط بعد استعادة عضويتها الكاملة عقب أربعة عشر عاما من تعليقها” قائلة إنها “خطوة رحب بها الاتحاد رسميا باعتبارها استعادة لدور سوريا في الحوار الإقليمي وفرصة لتعزيز التعاون الشامل في المنطقة”.


وعلّق النظام السوري المخلوع عضوية البلاد في الاتحاد من أجل المتوسط أواخر عام 2011، رداً على العقوبات الأوروبية التي فرضت عليه آنذاك.
وأضافت “خلال الفعاليات، شارك الوفد السوري في إطلاق ميثاق المتوسط الجديد الذي يشكل إطارا استراتيجيا للتعاون بين دول الاتحاد والضفة الجنوبية” لافتة الى أن الميثاق “يعيد صياغة العلاقة على أساس شراكة متوازنة ومسؤوليات مشتركة في مجالات التنمية والطاقة والمناخ والهجرة والربط الاقتصادي”.


وركزت مداخلات سوريا على “جعل الميثاق والرؤية الجديدة استجابة عملية لاحتياجات دول الجنوب”. كما ركزت على “توظيف هذه العودة في فتح مسارات تعاون ملموسة في قطاعات التعليم والاقتصاد والطاقة والنقل، بما يدعم جهود التعافي وإعادة الإعمار ويعزّز الاستقرار في حوض المتوسط”، وفق البيان ذاته.


وتشير الخطوة السورية الأخيرة للانخراط مجددًا في الاتحاد من أجل المتوسط إلى تحول ملموس في نهج دمشق تجاه علاقتها بالمجتمع الإقليمي، إذ لم تعد العودة محصورة في رمزية دبلوماسية بحتة، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بملفات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاستثمارية. ويعكس هذا التوجه إدراك السلطات الجديدة لأهمية بناء روابط عملية ومستدامة مع دول المنطقة وشركائها الأوروبيين، بعد سنوات من الانعزال السياسي والاضطراب الداخلي.


ويوفر الانضمام إلى الاتحاد لسوريا منصة لتعزيز حضورها الإقليمي، وعرض أولوياتها الوطنية، وفتح قنوات تعاون فعّالة في مجالات الاستثمار والبنية التحتية والتقنية. ومن شأن هذه الخطوة أن تسرّع جهود إعادة الإعمار وتسهّل الحصول على دعم مالي وتقني من شركاء دوليين وإقليميين، ما يعزز قدرة البلاد على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.


على الصعيد السياسي، تحمل هذه العودة دلالات واضحة بشأن نية المجتمع الدولي إعادة دمج سوريا في مسار العمل الإقليمي، ما يتيح لها الفرصة لتكون طرفًا فاعلًا في ملفات استراتيجية مشتركة، مثل الطاقة والمناخ وإدارة الهجرة. كما يعكس التركيز على تلبية احتياجات دول الجنوب في إطار الميثاق الجديد رغبة دمشق في أن تكون لاعبًا مؤثرًا، وليس مجرد متلقٍ للسياسات والقرارات الخارجية، وهو ما يعزز موقعها في المعادلات الإقليمية.


وبالتالي تمثل المشاركة السورية خطوة استراتيجية مزدوجة: من جهة، رمزية سياسية تؤكد عودة سوريا إلى الساحة الإقليمية، ومن جهة أخرى، أداة عملية لتطوير التعاون الاقتصادي والاجتماعي. هذه المبادرة تمثل نقطة انطلاق لإعادة بناء علاقات دمشق الإقليمية ودعم جهود التعافي الداخلي، بعد فترة طويلة من العزلة والتحديات الاقتصادية والسياسية.

إزالة اسم “هرتسوغ” من حديقة بإيرلندا يفجر غضب الاحتلال

يعتزم مجلس بلدية العاصمة الأيرلندية دبلن التصويت الاثنين على مقترح لإزالة اسم رئيس الاحتلال الأسبق حاييم هرتسوغ، والد الرئيس الحالي، إسحاق هرتسوغ، عن إحدى الحدائق العامة في منطقة راثغار جنوب المدينة، في خطوة أثارت غضب الاحتلال.

وسميت الحديقة باسمه عام 1995، باعتباره من مواليد بلفاست وقضى طفولته في دبلن، خلال شغل والده منصب الحاخام الأكبر لإيرلندا.

وكانت لجنة إعادة التسميات في البلدية، قررت إزالة اسم هرتسوغ عن الحديقة، قبل أيام، وقامت برفع القرار إلى المجلس للتصويت عليه، من أجل اعتماده رسميا، وفي حال الموافقة عليه من المجلس، ستوكل إليها مهمة البحث عن تسمية أخرى للحديقة، والعودة إلى المجلس مجددا وإقرارها.

ويقضي المقترح بإزالة اسم هرتسوغ والمضي في مشاورات لاختيار اسم بديل، وقد طرح في حزيران/يونيو 2024 اقتراح بتسميتها باسم الطفلة هند رجب التي استشهدت مع ستة من أفراد أسرتها على يد قوات الاحتلال في 29 كانون الثاني/يناير 2024.

وأعلن عضو مجلس مدينة دبلن كونور ريدي أن أكثر من 2700 شخص يؤيدون إعادة تسمية الحديقة بـ”حديقة هند رجب”. إلا أن لوائح بلدية دبلن لعام 2017 تقضي بأن يحمل الاسم الجديد اسم شخص توفي قبل أقل من 20 عاما أو ولد قبل أكثر من 100 عام، ما يجعل اسم رجب غير مؤهل وفق القوانين، وطرحت أسماء أخرى مقترحة منها “حديقة فلسطين الحرة”، و”حديقة غزة”، و”حديقة فلسطين”.

وأثارت الخطوة غضب الاحتلال، وصدرت تصريحات تهاجم بلدية المدينة، وقال مكتب إسحاق هرتسوغ إن إزالة الاسم ستكون “مخزية ومشينة”، معتبرا أن تسمية الحديقة عام 1995 تمثل تقديرا لإرث والده ومن “الصداقة بين الشعبين الأيرلندي واليهودي لكن العلاقة تدهورت في السنوات الأخيرة”.

من جانبه حذر المجلس التمثيلي اليهودي في أيرلندا من أن إزالة اسم هرتسوغ “ستفهم على نطاق واسع على أنها محاولة لمحو تاريخ اليهود الأيرلنديين”.

وفي مقابلة مع صحيفة “آيريش تايمز”، قال الحاخام الرئيسي يوني ويدر إن “القصة اليهودية في أيرلندا تستحق الحفاظ عليها، وليس تبييضها أو محوها”، موضحا أن هرتسوغ كان معروفا خلال فترة وجوده في دبلن باسم “حاخام شين فين” نسبة إلى شعار استقلال أيرلندا.

من جانب الاحتلال، شن وزير الخارجية جدعون ساعر هجوما لاذعا على دبلن واصفا إياها بـ”عاصمة معاداة السامية في العالم”.

في المقابل، رحب نائب عمدة دبلن جون ستيفنز بمناقشة الاقتراح، معتبرا أنه من الصواب أن تكون النقاشات “مفتوحة وشفافة”، بينما قال عضو المجلس روري هوجان إن تغيير الاسم “سيعكس مدى فظاعة الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني” وإن “الاسم الحالي غير مناسب”.

وخلال الإبادة بغزة، شهدت دبلن وإيرلندا العديد من الفعاليات الداعمة لقطاع غزة، والمطالبة بمحاسبة الاحتلال على جرائمه في بحق الفلسطينيين في القطاع.

الجنائية الدولية: لن نقبل أبداً أي نوع من الضغوط

قالت رئيسة المحكمة الجنائية الدولية، توموكو أكاني، خلال الاجتماع السنوي للمؤسسة القضائية الدولية، اليوم الإثنين، إن المحكمة لن تخضع للضغوط من جانب الولايات المتحدة وروسيا.

وقالت القاضية توموكو أكاني، رئيسة المحكمة، للوفود من الدول الـ125 الأعضاء في المحكمة: “لن نقبل أبداً أي نوع من الضغوط”.

وكان لهذه العقوبات تأثير على عمل المحكمة في مجموعة واسعة من التحقيقات، في وقت تواجه فيه المؤسسة القضائية ضغوطا متزايدة على مواردها.

وانطلق اليوم الإثنين اجتماع المحكمة الذي يستمر أسبوعاً، ويتضمن جدول الأعمال الموافقة على الميزانية على خلفية تصاعد الضغوط والتغطية الإعلامية السلبية.

يذكر أنه تم فرض عقوبات على 9 من الأعضاء العاملين في المحكمة، بمن فيهم 6 قضاة والمدعي العام للمحكمة، من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب متابعة تحقيقات ضد مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، في حين أصدرت موسكو مذكرات توقيف ضد عاملين في المحكمة رداً على مذكرة توقيف صدرت بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسبب الحرب في أوكرانيا.

أكثر من مليار ليرة تداولات سوق دمشق للأوراق المالية اليوم

سجّلت سوق دمشق للأوراق المالية خلال جلسة اليوم قيمة تداول إجمالية تجاوزت 1.081 مليار ليرة سورية، توزعت على 358683 سهماً من خلال 304 صفقات، وفقاً للنشرة اليومية الصادرة عن السوق.

أسهم سجلت انخفاضاً

وشهدت الجلسة تراجعاً ملحوظاً في أسعار أسهم عدد من الشركات منها: بنك البركة – سورية بنسبة 1.88 % ليغلق عند 2،276 ليرة، وسهم بنك سورية والمهجر بنسبة 4.73% ليغلق عند 1،548 ليرة. أما بنك الائتمان الأهلي فتراجع سهمه إلى 1.98% ليغلق عند 1،368 ليرة، وسهم الشركة المتحدة للتأمين بنسبة 5.00 % ليغلق عند 3،080 ليرة. وفيما يتعلق بسهم بنك قطر الوطني – سورية فقد تراجع بنسبة 2.15 % ليغلق عند 3،586 ليرة، وكذلك سهم المصرف الدولي للتجارة والتمويل بنسبة 4.24 % ليغلق عند 5,103 ليرة.

شركات لم تسجل أي تداول

لم تسجل أسهم من الشركات أي حركة تداول خلال الجلسة، من بينها: بنك الشام، والاتحاد التعاوني للتأمين، والشركة السورية الوطنية للتأمين، وبنك بيمو السعودي الفرنسي، وبنك سورية والخليج، وشركة MTN سوريا، وشركة سيريتل موبايل تيليكوم، إضافة إلى شركات أخرى حافظت على أسعار إغلاقها السابقة دون نشاط.

وكان سوق دمشق للأوراق المالية سجل الخميس الماضي خلال جلسته، قيمة تداول إجمالية بلغت 1.455.205.877 مليار ليرة سورية، توزعت على 545.394 سهماً من خلال 432 صفقة، حيث يغلق يومي الجمعة والسبت.

الوحدات الأمنية بإدلب تستهدف خلايا تابعة لـتنظيم “داعش” الإرهابي في منطقة الدانا

نفّذت الوحدات الأمنية بمحافظة إدلب، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، عمليتين أمنيّتين نوعيّتين استهدفتا خلايا تابعة لتنظيم “داعش” الإرهابي بريف المحافظة، أسفرتا عن ضبط أسلحة فردية وذخائر، وأحزمة ناسفة وعبوات متفجرة، وكشفتا تورط بعض أفراد هذه الخلايا في قتل مدني ودفنه قرب مدينة معرة مصرين.وذكرت وزارة الداخلية عبر قناتها على التلغرام اليوم أنه جرى خلال العمليتين، تحييد عنصرين من عناصر الخلية بعد رفضهما تسليم نفسيهما للقوات الأمنية، فيما أُلقي القبض على باقي أفراد الخلايا.

وقال قائد الأمن الداخلي في محافظة إدلب، العميد غسان باكير: “نفّذت وحداتنا الأمنية، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، عمليتين أمنيّتين نوعيّتين استهدفتا خلايا إرهابية تابعة لتنظيم داعش الإرهابي في كل من منطقة الدانا شمال المحافظة وغرب مدينة إدلب، وذلك في إطار الحملة الأمنية المستمرة التي تنفذها وزارة الداخلية لتعقب التنظيمات الإرهابية وتجفيف منابعها”.

وأضاف: “أسفرت العمليات عن ضبط أسلحة فردية وذخائر، وأحزمة ناسفة وعبوات متفجرة، كما تم الكشف عن تورط بعض أفراد هذه الخلايا في قتل مدني ودفنه قرب مدينة معرة مصرين، وخلال العمليات، جرى تحييد عنصرين بعد رفضهما تسليم نفسيهما للقوات الأمنية، فيما أُلقي القبض على باقي أفراد الخلايا”.

وأشار باكير إلى أنه جرى إحالة المقبوض عليهم إلى الجهات المختصة لاستكمال التحقيقات تمهيداً لإحالتهم إلى القضاء لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

4 أسباب تجعل “شات جي بي تي” غير مناسب لأن يكون معالجك النفسي

أصبحت روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي مصدر قلق مؤخرًا، بعدما أٌلقي باللوم على “شات جي بي تي”، من شركة “OpenAI”، في حوادث انتحار وقتل حديثة.

وبالنسبة لأولئك الذين يستشيرون روبوتات الدردشة بشأن صحتهم النفسية، يقول الكثيرون إنها أفضل مساعدة يمكنهم الحصول عليها، غالبًا لأنهم لا يستطيعون العثور على معالج نفسي أو تحمل تكلفته. ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن المخاطر المحتملة لا تُعوض الفوائد الممكنة. ففي الحالات القصوى، قد يطور بعض المستخدمين ما يُعرف بـ”الذهان الناتج عن الذكاء الاصطناعي” نتيجة المحادثات الطويلة والمستمرة مع روبوت الدردشة، بحسب تقرير لموقع “Mashable” المتخصص في أخبار التكنولوجيا، اطلعت عليه “العربية Business”.

وتتضمن هذه الحالة أوهامًا أو شعورًا وتفكيرًا مبالغ فيه عن الذات. وفي الحالات الأكثر شيوعًا، قد ينتهي الأمر بالباحثين عن المساعدة إلى الدخول في حلقة مفرغة ضارة تمنحهم مجرد وهم بالشفاء النفسي أو العاطفي دون تحقيقه فعليًا.

وهناك أربعة أسباب توضح لماذا لا ينبغي استخدام “شات جي بي تي” كمعالج نفسي.

1- العلاج عبر روبوت دردشة قد يكون مجرد حلقة مفرغة ضارة

نُشر مؤخرًا بحثًا في دورية “arXiv”، حول عوامل الخطر التي تنشأ عند محادثة الناس مع روبوتات الدردشة، حيث جادل الباحثون القائمون عليه بأن مزيجًا قويًا من التأنيس (نسبة صفات بشرية لغير البشر) والتحيز التأكيدي يخلق الظروف لحدوث حلقة مفرغة ضارة للمستخدمين.

وقال الباحثون إن روبوتات الدردشة تستغل ميل البشر إلى التأنيس، إذ قد ينسب البشر حالات عاطفية أو حتى وعيًا لما هو في الحقيقة نظام احتمالي معقد.

زيميل البشر أيضًا إلى ما يُعرف بالتحيز التأكيدي، أو تفسير المعلومات التي يتلقونها بطرق تتوافق مع معتقداتهم وتوقعاتهم الحالية. وقال أحد القائمين على البحث إن روبوتات الدردشة تتيح للمستخدمين بانتظام فرصًا لتأكيد تحيزاتهم، لأنها تتعلم إنتاج ردود يفضلها المستخدمين.

وفي النهاية، فحتى روبوت الدردشة المزود بإجراءات وقائية قد يعزز معتقدات ضارة لدى المستخدم، مثل فكرة أن لا أحد في حياته يهتم به حقًا. ويمكن لهذه الديناميكية أن تعلّم الروبوت لاحقًا إنتاج ردود تزيد من ترسيخ هذه الأفكار.

2- روبوتات الدردشة تفشل في المحادثات الطويلة

من المرجح أن يتضمن التحدث إلى روبوت دردشة حول الصحة النفسية تبادلات طويلة ومتعمقة، وهذا تحديدًا ما يُعاني منه المنتج من حيث الأداء والدقة. وحتى “OpenAI” تُدرك هذه المشكلة.

وقال الشركة في منشورها الأخير على مدونتها حول مخاوف السلامة: “تعمل إجراءاتنا الوقائية بشكل أكثر موثوقية في التبادلات القصيرة والمشتركة. لقد تعلمنا بمرور الوقت أن هذه الإجراءات قد تكون أحيانًا أقل موثوقية في التفاعلات الطويلة: فمع تزايد التبادل، قد تتدهور بعض جوانب تدريب السلامة في النموذج”.

وبالإضافة إلى ذلك، لا تمتلك روبوتات الدردشة ما يُطلق عليه المعالجون “نظرية العقل”، وهو نموذج يفهم تفكير وسلوك العميل بناءً على محادثات علاجية مُتسقة.

3- المراهقون والمصابون باضطرابات نفسية معرضون بشكل خاص للأذى

قال الدكتور سكوت كولينز، أخصائي علم نفس الأطفال والمسؤول الطبي الأول في تطبيق حماية الهوية والسلامة عبر الإنترنت “Aura”، لموقع “Mashable”، إن المراهقين قد يكونون أكثر عرضة لسوء تفسير نبرة الرعاية التي يُبديها روبوت الدردشة على أنها تعاطف إنساني حقيقي.

ويُعزى هذا التشبيه جزئيًا إلى تأثير روبوتات الدردشة الكبير على تفكير المستخدم وسلوكه.

وأضاف كولينز أن المراهقين، الذين ما زالوا في طور استيعاب المعايير الاجتماعية وتطوير مهارات العلاقات الحاسمة، قد يجدون أيضًا طبيعة روبوت الدردشة “المعالج” الدائم جذابة بشكل خاص.

وتُظهر بيانات “Aura” الخاصة أن أقلية من المستخدمين المراهقين الذين تُراقب هواتفهم بواسطة برنامج الشركة يتحدثون إلى روبوتات دردشة. ومع ذلك، فإن أولئك الذين يتفاعلون مع روبوتات الدردشة يقضون وقتًا طويلًا في إجراء هذه المحادثاتز

وأوضح كولينز أن هذا الاستخدام فاق التطبيقات الشائعة مثل رسائل آيفون وسناب شات. وينخرط غالبية هؤلاء المستخدمين في سلوكيات رومانسية أو جنسية مع روبوتات الدردشة، وهو ما وصفه كولينز بأنه “مقلق”. ويعتمد البعض عليها للحصول على الدعم العاطفي أو النفسي.

4- تتوافر طرق أكثر أمانًا لطلب المساعدة النفسية

قال كولينز إن المراهقين الذين يسعون للحصول على نصائح أو إرشاد من روبوت دردشة يجب أن يتأكدوا أولًا من استنفاد قائمة البالغين الموثوقين لديهم. وأحيانًا قد ينسى المراهق أو يتجاوز في البداية ابن عم أكبر سنًا، أو مدرب، أو مستشار المدرسة، كما أشار.

وعلى الرغم من أن الأمر ليس خاليًا من المخاطر، أوصى كولينز أيضًا بالنظر في المجتمعات الإلكترونية كمساحة للاستماع والدعم، قبل اللجوء إلى روبوت دردشة، بشرط أن يتلقى المراهق دعمًا في الحياة الواقعية ويمارس عادات صحية.

وإذا لم يشعر المراهق بعدم الأمان في التواصل مع أي من أقرانه أو البالغين في حياته، اقترح كولينز ممارسة مثل الكتابة للتعبير عن المشاعر، والتي يمكن أن تكون طريقة تنفيسية وتساعد على الوصول إلى فهم أو وضوح شخصي.

لماذا يقرأ نتنياهو كتاب “اليهود ضد روما”؟

غالبا ما تؤدي دراسة العصور القديمة إلى رؤى عميقة في الجغرافيا السياسية المعاصرة، وهي الظاهرة التي أكد عليها الاهتمام الذي حظيت به أعمال المؤرخ العسكري باري شتراوس، وخاصة كتابه “اليهود ضد روما: قرنان من التمرد ضد أقوى إمبراطورية في العالم”، الذي نُشر في أغسطس/آب 2025.

صدر الكتاب في حقبة اتسمت بالصراع الشديد في الشرق الأوسط، وهو يقدم سردا تاريخيا مفصلا لنضال الشعب اليهودي المطول ضد الإمبراطورية الرومانية بين عامي 63 قبل الميلاد و136 ميلاديا، ويغطي ثلاث انتفاضات رئيسية: الثورة الكبرى، وثورة الشتات، وثورة بار كوخبا الكارثية.

الرنين المعاصر لعمل شتراوس، الذي يقدم “سردا آسرا يربط الماضي بالحاضر”، يبرز بشكل خاص من خلال الاعتراف بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يقرأ الكتاب، وكان دافعه المُعلن إستراتيجيا للغاية: “لقد خسرنا تلك المباراة، وأعتقد أن علينا أن نفوز في المباراة التالية”.

يُحوّل هذا البيان قراءة التاريخ القديم إلى فعل تشاور إستراتيجي فوري، مما يجعل الكتاب بمثابة “دليل في الوقت المناسب لليوم”. وتعكس هذه التطورات الدروس الإستراتيجية العميقة التي يدركها القادة الحاليون في سرديات المرونة والانقسام وإدارة المنافسين الإمبرياليين الإقليميين.

بصفته زميلا بارزا في مؤسسة هوفر في جامعة ستانفورد العريقة، وباحثا مخضرما في التاريخ اليوناني والروماني القديم، وشغل منصب أستاذ زائر متميز في قسم تحليل الدفاع بكلية الدراسات العليا البحرية الأميركية، وله تأثير على صناع القرار، فقد صاغ شتراوس روايته بوعي لرسم أوجه التشابه بين الصراعات القديمة والنضالات الحديثة، مشيرا إلى أن “الماضي هو صورة طبق الأصل من الصراعات الحالية”.

وبالنسبة للقيادة الإسرائيلية المعاصرة التي تواجه اليوم تحديات أمنية وجودية، فإن الكتاب بمثابة مختبر تاريخي لاختبار الفرضيات المتعلقة بالبقاء الوطني، وعواقب الاحتكاك الداخلي، وحساب المخاطر في مواجهة القوة الساحقة.

من هنا تأتي أهمية تحليل الدروس الإستراتيجية المحددة المستمدة من رواية شتراوس الشاملة ومزاعمه حول التمردات اليهودية التي تتردد أصداؤها بقوة مع الوضع الجيوسياسي الحالي لإسرائيل، ويشرح القيمة الإستراتيجية لهذا النص التاريخي لقيادتها.

رغبة نتنياهو المُعلنة في الاستمرار في منصبه، تتعامل بشكل مباشر مع الموضوع الرئيسي للكتاب، وهو المرونة اليهودية، والتي حددها شتراوس باعتبارها واحدة من أعظم حالات البقاء على قيد الحياة في التاريخ

السياق الجيوسياسي: إعادة تقييم التنافس الإيراني

أحد الدوافع الفكرية الأساسية لشتراوس في تأليف كتابه، والذي بدأ حوالي عام 2020، كان العداء الحديث المذهل بين إسرائيل والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

يتناقض هذا العداء الحديث بشكل صارخ مع الديناميكية التاريخية التي يستكشفها الكتاب، والتي تكشف عن علاقة معقدة ومفيدة في كثير من الأحيان بين الدولة اليهودية القديمة، والإمبراطوريات الإيرانية، وخاصة الإمبراطورية البارثية.

امتدت الإمبراطورية البارثية، التي استمرت من حوالي عام 247 قبل الميلاد إلى عام 224 ميلاديا، من نهر الفرات إلى جبال الهيمالايا، وسيطرت على طريق الحرير.

بالنسبة للشعب اليهودي، الواقع على حافة الإمبراطورية الرومانية، كانت بارثيا بمثابة موازنة جيوسياسية ثابتة: إمبراطورية شرقية متمركزة ضد القوة الغربية لروما. هذا الموقع الإستراتيجي، الذي يقع بين عملاقين، يعني أن يهودا كانت تتفاوض بين حلفاء وأعداء متغيرين باستمرار.

يسلط شتراوس الضوء على الإمبراطوريات الإيرانية القديمة – كورش الكبير الذي سمح لليهود بالعودة من المنفى البابلي، والبارثيين – باعتبارها إمبراطوريات صديقة لليهود تاريخيا.

خلال قرنين من الثورة، وفرت الجالية اليهودية الكبيرة في الإمبراطورية البارثية ملاذا ومصدرا ثابتا ودائما للأمل في الحصول على المساعدة ضد روما.

إن هذا الأمل في التدخل يشبه إلى حد كبير المساعدة الحاسمة التي قدمتها فرنسا في الثورة الأميركية عام 1765، وهو تشبيه يطرحه شتراوس صراحة. كان هذا الأمر محوريا في الحسابات الإستراتيجية للمتمردين، على الرغم من أن اليهود لم ينجحوا في النهاية في إقناع بارثيا بالتدخل بالقوة.

يدعي شتراوس بشكل مقنع أن العداء المميت الحالي الذي تظهره الجمهورية الإسلامية الإيرانية تجاه إسرائيل هو “انحراف” عن العلاقة التاريخية النموذجية بين الإيرانيين واليهود، والتي تضمنت عموما علاقات جيدة نسبيا على مدى آلاف السنين.

بالنسبة لزعيم حديث يحلل تعقيدات توازن القوى الإقليمي، يشير هذا السياق التاريخي إلى أن السياسة الإيرانية الحالية ليست حتمية متجذرة في عداوة تاريخية عميقة، بل هي موقف سياسي يمكن، من الناحية النظرية، أن يكون عرضة للتغيير. وبالتالي، فإن التحليل التاريخي يوجه التفكير الإستراتيجي بشأن التحالفات الإقليمية طويلة الأمد، مقابل الصراع الفوري الذي تحركه الأيديولوجيات.

الضرورة الدائمة للمرونة

رغبة نتنياهو المُعلنة في الاستمرار في منصبه، تتعامل بشكل مباشر مع الموضوع الرئيسي للكتاب، وهو المرونة اليهودية، والتي حددها شتراوس باعتبارها واحدة من أعظم حالات البقاء على قيد الحياة في التاريخ. الكتاب بمثابة زعم في شكل “شهادة” على “القوة الروحية الدائمة” للشعب اليهودي، ويشرح بقاءهم.

على حد قول المؤلف، فإن الطبيعة المستمرة للصراع مذهلة: كان اليهود “المتمردين الأكثر تصميما” على روما، حيث صمدوا لفترة أطول من الغال، أو الألمان، أو البريطانيين، أو حتى القرطاجيين. هذا الإصرار، الذي تغذيه العزيمة الوطنية والمرونة، يتجلى جسديا وروحيا في:

1- المقاومة الجسدية رغم الكارثة: انخرط اليهود في ثلاث ثورات كبرى خلال قرنين من الزمان، على الرغم من خسارتهم الكارثية للثورة الكبرى بتدمير القدس والمعبد في عام 70 ميلاديا.

تجلى هذا الصمود في تطوير تكتيكات عسكرية متطورة. على سبيل المثال، في ثورة بار كوخبا (132-136 ميلاديا)، استخدم المتمردون تكتيكات حرب العصابات، فبنوا ملاجئ تحت الأرض وأنفاقا وكهوفا لشن هجمات مباغتة على الفيالق الرومانية، مما فاجأهم تماما.

أجبر هذا الابتكار التكتيكي والمثابرة روما على نشر موارد هائلة، بما في ذلك نقل حاكم بريطانيا، يوليوس سيفيروس، إلى يهودا – وهو مقياس واضح للتهديد.

2- البقاء الروحي: حتى عندما يتم سحقك جسديا، فإن الروح لم تنكسر. فبعد تدمير الهيكل، قام القادة اليهود – الحكماء والعلماء الذين أصبحوا الحاخامات – بهندسة مقاومة روحية قائمة على التوراة، وتأسيس خدمات وممارسات دينية يومية استمرت في الدين دون الهيكل.

حافظت هذه الإستراتيجية الناجحة طويلة الأمد للمقاومة الروحية على الهوية الوطنية، وأثبتت في النهاية أنها “أقوى من روما”.

الدرس المعاصر الرئيسي هنا، والذي استخلصه شتراوس صراحة، هو أن أعداء إسرائيل المعاصرين (مثل حماس وإيران) ربما ارتكبوا “خطأ فادحا في الحسابات” من خلال التقليل من شأن هذه القوة والتصميم التاريخيين، ولكن أليست هذه القوة الروحية هي التي ضمنت استمرار حماس والمقاومة لأكثر من عامين أيضا؟

كدليل إستراتيجي، يُعزز كتاب اليهود ضد روما نبع الخبرة التاريخية الغني، والموارد الدينية المتاحة للشعب الإسرائيلي، مؤكدا أن “إسرائيل لن تزول”.

التحذير من الشقاق الداخلي

ولعل الدرس الإستراتيجي الأكثر قوة وإلحاحا للقيادة الحالية للكيان الصهيوني، وخاصة في سياق الصراعات السياسية الداخلية الأخيرة، يتعلق بالدور المدمر الذي لعبه الانقسام في التمردات القديمة.

كانت الثورات القديمة تعاني باستمرار من الصراعات الداخلية والقتال الفصائلي، والذي يُشار إليه غالبا في التقاليد اليهودية باسم “الكراهية بلا سبب” (سينات هينام).

على سبيل المثال، خلال الثورة الكبرى، فضلت الفصائل المتمردة المختلفة – بمن في ذلك المتعصبون والسيكاريون (رجال الخناجر) – اللجوء إلى العنف ضد مواطنيهم بدلا من التركيز فقط على العدو الروماني.

لقد كانت لهذه الحرب الداخلية عواقب كارثية مباشرة:

1- التخريب الذاتي: قام المتمردون في القدس بتدمير إمدادات الحبوب الخاصة بهم، وحرق مخازن الغذاء الخاصة ببعضهم البعض، وتجويع السكان، مما أدى إلى تقصير الحصار بشكل كبير، وتسهيل انتصار روما.

خلص يوسيفوس، المؤرخ الشهير الذي عاين ذلك، إلى أن “الصراع المدني هو الذي أخضع المدينة، وأن الرومان كانوا يعتبرون الصراع المدني عدوا أقوى بكثير من أسوار المدينة”.

2- تشجيع العدو: يربط شتراوس صراحة هذا الضعف التاريخي بالتحليل المعاصر: “إن الافتقار إلى التماسك في إسرائيل هو أحد الأسباب التي شجعت الجانب الآخر على الهجوم في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول”.

وهكذا، تعمل رواية اليهود ضد روما كتحذير خطير ضد التفتت السياسي والاجتماعي في الأوقات العصيبة. بالنسبة لزعيم يشتبك مع صراع طويل الأمد، فإن السجل التاريخي للتدمير الذاتي يعمل كحجة مقنعة لإعطاء الأولوية للتماسك الوطني فوق النزاعات الفصائلية، خشية أن تتم دعوة العدو للضرب.

حدود القوة الرومانية

لا يُتصوّر أن يقتصر اهتمام نتنياهو على الجانب اليهودي فحسب، بل يتعدّاه إلى فهم إستراتيجية “الإمبراطورية العظمى في العالم”.

يسلط الكتاب الضوء على الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها روما، ويقدّم قصصا تحذيرية لأي دولة قوية تدير شعبا معاديا.

لقد أساءت روما إدارة الصراع في كثير من الأحيان، وفشلت في تحقيق السلام الدائم على الرغم من قوتها العسكرية الساحقة.

الأخطاء الرومانية الرئيسية تشمل:

1- سياسات “الفائز يأخذ كل شيء”: بدلا من الانخراط في تسوية وتوازن القوى، غالبا ما اتبعت روما “سياسة الفائز يأخذ كل شيء”.

كان القادة -مثل الملك هيرودس الكبير، الذي حاول إيجاد توازن بين الهوية اليهودية والمطالب الرومانية- ذوي قيمة إستراتيجية، لكن روما غالبا ما كانت تفتقر إلى “الحنكة السياسية” اللازمة للحفاظ على هذا الاستقرار طويل الأمد.

2- حماقة الإذلال: بعد سحق الثورة الكبرى، فرضت روما ضريبة fiscus Judaicus سيئة السمعة؛ وهي ضريبة مهينة تبلغ دِراخْمتين تُفرض على كل يهودي في الإمبراطورية، بغض النظر عما إذا كانوا قد دعموا الثورة أم لا، وتُدفع إلى خزانة جوبيتر أوبتيموس ماكسيموس، الإله الوثني الرئيسي في روما.

إن هذا العمل من الإذلال اللاهوتي والسياسي، الذي صُمم لإجبار اليهود على الولاء لروما ومحو ذكرى الهيكل، لم يؤدِ إلا إلى تأجيج الاستياء والتمردات المستقبلية، وتعزيز “الروح الثورية المستمرة” للشعب اليهودي.

3- الفشل في التفكير على المدى الطويل: غالبا ما فشل الإداريون الرومانيون في التفكير على المدى الطويل، أو تحقيق التوازن الصحيح في التعامل مع المقاطعات، مما أدى إلى خلق ظروف ضمنت “الثورة التالية”.

اعتبر اليهود قرار هادريان بإعادة بناء القدس كمدينة وثنية، مع المعابد التي تكرّم جوبيتر والإمبراطور، بمثابة إهانة عميقة، وكان بمثابة وقود حارق لثورة بار كوخبا.

الدرس المستفاد للقادة المعاصرين هو أن النصر العسكري والقمع الشديد وحدهما لا يكفيان لضمان السلام. إن إستراتيجيات السيطرة القائمة على الإذلال ومحو الهوية الوطنية قد لا تضمن سوى المقاومة المستقبلية وتتطلب نشرا مستمرا ومكلفا للقوات العسكرية. نشأ فشل روما من عدم إيجاد “المزيج المناسب من الحوافز لمنح الشعب المهزوم ضمانا بعدم تكرار ذلك”.

المحارب في مواجهة الحاخام

يتحدى الكتاب ضمنا القادة المعاصرين للتمييز بين البطولة التكتيكية والجدوى الإستراتيجية. الشخصيات التي أُعجب بها لبراعتها العسكرية – مثل سمعان بن جيورا، وإليعازر بن يائير، وبار كوخبا – قادوا ثورات كانت “إخفاقات مجيدة”. قاد هؤلاء أمتهم في النهاية إلى الكارثة والاستعباد الجماعي والنفي.

يرى شتراوس أنه، وعلى النقيض من ذلك تماما، كانت الإستراتيجية الناجحة طويلة الأمد رائدة من قبل الحكماء، ولا سيما يوهانان بن زكاي (الذي هرب من القدس لتأسيس أكاديمية للتعاليم الدينية)، والحاخام يهوذا الأمير.

لقد أدرك هؤلاء الرجال أن “المقاومة المسلحة ضد الإمبراطورية الرومانية كانت عقيمة”. لقد طوروا منهجية للمقاومة الروحية، مع التركيز على الحفاظ على التوراة والهوية اليهودية، وضمان البقاء كأمة بلا دولة.

تفرض البيانات التاريخية التي تتبعها المؤلف إجراء تقييم إستراتيجي دقيق: فالحاخام يهوذا الأمير، الذي شغل فيما بعد منصب (البطريرك) اليهودي بموافقة الرومان، كان قدوة في التواضع تجاه السلطة الحاكمة، بينما كان يعتقد في داخله أن الحكم الروماني كان مؤقتا ومقدرا له الفشل.

لقد ضمن الحاخامات، الذين أطلق عليهم شتراوس مجازيا اسم “أوديسيوس” لدهائهم وحكمتهم، أنه على الرغم من الحفاظ على الروح اليهودية، إلا أن الروح العسكرية قد تم إخمادها إلى حد كبير لعدة قرون.

إن هذه الجدلية التاريخية تطرح على القيادة الحديثة سؤالا حاسما: أتسعى إلى مقاومة قصيرة الأجل وبطولية ولكنها قد تكون مدمرة، أم تتبنى إستراتيجية طويلة الأمد وصبورة للحفاظ على روح المقاومة حتى في ظل الانكسارات العسكرية؟ أم تَرمِي بنفسها في أحضان التعامل البراغماتي مع القوى العالمية المهيمنة؟ أم تجمع بين إستراتيجيات متعددة تضمن بها تحولات إستراتيجية في الصراع التاريخي الممتد؟

تأكيد الشرعية التاريخية

وأخيرا، ينحاز كتاب اليهود ضد روما ويدعم الخطاب الإستراتيجي الحديث من خلال تناول الحجج التي تشكك في شرعية إسرائيل الأساسية بقوة.

عمل شتراوس، الذي يُفصّل قرنين من النضال اليهودي من أجل الاستقلال في الأرض، بما في ذلك دولة بار كوخبا التي أصدرت عملاتها الخاصة التي تؤكد هوية “إسرائيل” و”استرداد القدس”، بمثابة رواية مضادة قوية لفكرة أن إسرائيل مجرد “دولة استعمارية استيطانية”.

يحاول السجل التاريخي الذي يقدمه شتراوس أن يثبت أن المنطقة كانت، على مدى آلاف السنين، الموطن التاريخي لليهود، وهي مليئة بالأدلة الأثرية على الوجود اليهودي المستمر والتمرد والحياة الثقافية، ولكنه يفترض ضمنا- وقد ثبت خطأ ذلك علميا- أن يهود اليوم في فلسطين هم امتداد تاريخي لمن أقام منهم فيها قبل آلاف السنين.

في جوهره، بالنسبة لرئيس الوزراء نتنياهو، لا تُعدّ استشارة اليهود ضد روما مجرد تمرين أكاديمي، بل ضرورة إستراتيجية.

يُقدّم الكتاب منظورا تاريخيا قويا يُمكن من خلاله تحليل الصراع الحالي من خلال تسليط الضوء على: المزايا الإستراتيجية المذهلة للعلاقة التاريخية مع إيران؛ وضرورة الوحدة الداخلية لحرمان الخصوم من فرصة؛ ومخاطر الاعتماد المفرط على القوة وإذلال القوى المهيمنة؛ وفي نهاية المطاف، انتصار المرونة والإستراتيجية طويلة المدى على الحماسة العسكرية التكتيكية.

وتبقى الرسالة المحورية تحذيرية: الوحدة والإستراتيجية المدروسة ضروريتان للبقاء، لأنه كما يُشير شتراوس، إذا كان الشعب اليهودي متحدا، فإنه “يكاد يكون لا يُقهر”.

ويبقى التساؤل مطروحا: ما الذي يمكن أن يستخلصه زعيم عربي لو قرأ كتابا مثل هذا؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

لماذا يصرّ المستشار الألماني على إهانة ملايين العرب والمسلمين؟

زلّة لسان أم كلام محسوب لمستشار ألمانيا “العنيد” على رأي كاتب سيرته دانييل غوفارت؟ ألمانيا تتساءل وتناقش بحدة غير مألوفة أسباب لجوء رئيس حكومة أكبر دولة أوروبية ورئيس كتلة حزبه النيابية في البرلمان (البوندستاغ) لتصريحات “استفزازية” و”عنصرية” خلطا فيها عن قصد أو غير قصد بين أعراض إشكالية الهجرة وأسبابها وشملا ملايين البشر: عربا ومسلمين وغيرهم ولكنهما خصا مهاجرين لا ينطبق عليهم تعريف اليمين الألماني المحافظ “للمواطن المثالي”.

ولأن ألمانيا متنوعة -سواء أعجب ذلك رئيس حكومتها أو لم يعجبه- فإنها لم تهدأ منذ اليوم الأول للإدلاء بهذه التصريحات: مظاهرات عفوية في عشرات المدن، مبادرات ورسائل مفتوحة، وانتقادات حتى على ألسنة قياديين في الاتحاد المسيحي الديمقراطي، ومقالات رأي في كبرى الصحف الألمانية تتهم ميرتس بالعنصرية وشق المجتمع ووضع أكثر من ربع سكانه في خانة الاتهام.

ولكن لماذا يحرق ميرتس أصابعه بأمور أصغر من مهام مستشار ألمانيا وهو الذي قضى ثلثي حياته في عالم السياسة ويعرف تماما دهاليز البزنس السياسي في عاصمة ألمانيا؟

هل يريد مجرد استفزاز ملايين البشر والاصطياد في المياه العكرة؟ أم تحريك مياه راكدة؟

أم -كما يرى البعض- تحقيق مآرب سياسية واستمالة ناخبي الحزب اليميني المتطرف (البديل) وفي الوقت ذاته وقف نزيف التحاق الناخبين المحافظين وناخبي أحزاب أخرى بهذا الحزب الذي لا يشغله سوى التحريض على ملايين المهاجرين وتحديدا المسلمين منهم؟

الثابت هو أن حزب البديل يتقدم في استطلاعات الرأي وأصبح منذ الانتخابات البرلمانية الأخيرة في بداية العام ينافس على المركز الأول ويستعد في بقية هذا العام وفي العام المقبل لخوض خمس دورات انتخابية في خمس ولايات.

فوفقا لآخر استطلاع للرأي أشرفت عليه القناة التلفزيونية الأولى (ARD) تشتد المنافسة على المركز الأول بين حزب ميرتس المسيحي الديمقراطي (27 بالمئة) والبديل (26 بالمئة) بينما لا يعطي هذا الاستطلاع أقدم حزب في ألمانيا -وهو الاشتراكي الديمقراطي- أكثر من 14 بالمئة.

ما القصة؟

في 14 أكتوبر/تشرين الأول، ذكّر أحد الصحفيين مستشار ألمانيا بوعد قطعه على نفسه عام 2018 وهو خفض شعبية الحزب اليميني المتطرف (البديل) إلى النصف: ما هو برنامجك وكيف تريد حل هذه المشكلة (تفوّق حزب البديل)، سأل الصحفي؟

ميرتس لم يفكر طويلا وأشاد مباشرة بقدرة وزير داخليته على خفض أعداد اللاجئين بنسبة 60 بالمئة. ولكن المستشار الألماني يرى أن العمل لم يكتمل وإكماله مرتبط بحل مشكلة تتعلق بأن بعض اللاجئين -دون ذكر جنسياتهم-يشوهون مظهر المدن الألمانية، الأمر الذي يتطلب تكثيف عمليات ترحيلهم.

FILES-GERMANY-POLITICS-FARRIGHT-AFD-DEMOCRACY
أليس فايدل، الزعيمة المشاركة لحزب البديل لأجل ألمانيا تُخاطب مندوبي مؤتمر الحزب في 11 يناير  2025 في ريزا، شرق ألمانيا (الفرنسية)

ولكن لماذا يربط مستشار ألمانيا بين ارتفاع شعبية اليمين المتطرف وأعداد اللاجئين؟ ألا تشير أرقام السلطات الألمانية إلى أن أعدادهم بدأت تتراجع قبل تسلم حكومته مهامها في بداية مايو/أيار الماضي؟

بلى، لأن أرقام المكتب الاتحادي للهجرة واللجوء (BAMF) تؤكد بدء أعداد اللاجئين في التراجع بشكل كبير منذ عام 2023. هذا العام سجل انخفاضا بنسبة 54,7 بالمئة في أعداد القادمين الجدد وهذا يعني أن “الفضل” في ذلك يعود لجهود الحكومة السابقة بقيادة الاشتراكي الديمقراطي أولاف شولتس وليس لسياسة حكومة ميرتس.

مهمة تحديد جنسية هؤلاء اللاجئين تركها المستشار الألماني لرئيس كتلة حزبه النيابية ينس شْبان الذي فصل بالقول إن مظهر المدن سيكون أفضل بدون مهاجرين من دول عربية ومسلمة وأوروبية شرقية.

ففي اليوم التالي، سلم ميرتس الدفة لشْبان الذي لمع نجمه قبل أقل من عقد ووصل في تصريحاته المعادية للمسلمين حتى إلى مرحلة المطالبة بابتكار قوانين خاصة بهم لدرجة أنه طالبهم بالاستحمام عراة في استوديوهات اللياقة البدنية.

“في استوديو اللياقة البدنية الذي أرتاده، تم تعليق يافطات تسمح بالاستحمام بمايوه السباحة. عرب كثيرون من ذوي العضلات المفتولة كانوا يخجلون من الاستحمام عراة. هذا يشير إلى تحول في المجتمع لا أريده”.

ينس شْبان في مقابلة مع صحيفة “دي فيلت” المحافظة. 30 يوليو/تموز 2016

قصَد شْبان أو لم يقصد، لا يختلف اثنان على أن مطالبته بسنّ قوانين خاصة بالمسلمين (5,5 ملايين مسلم يعيشون في ألمانيا) تغذي أخطر الخزعبلات عن الإسلام: الإسلام ليس دينا بل أيديولوجية.

Germany's former Health Minister Jens Spahn speaks during a session of the lower house of parliament, the Bundestag, in Berlin, Germany February 1, 2024. REUTERS/Liesa Johannssen
سبان يطالب المسلمين بالتعري في المسابح(رويترز)

صحيح أنه لم يجهر بذلك ولكنه يعرف أن الذهاب بعيدا في التجني على الإسلام هو مهمة آخرين وتحديدا الحزب اليميني المتطرف (البديل) الذي اتهم الإسلام على لسان القياديين فيه ألكسندر غاولاند وبياترِكس فون شتورخ بأنه مجرد أيديولوجية. هذا كله شجع أكبر صحيفة في ألمانيا (بيلد) على التجرؤ على إهانة الإسلام بالقول في مقال: “ليس حزب البديل من اعتبر الإسلام أيديولوجية كما يُنقل. لأن الإسلام في الواقع مجرد أيديولوجية.

بعد كلام ميرتس وتأكيد رئيس كتلة حزبه النيابية، رد المستشار الألماني على استفسار لأحد الصحفيين عما إذا كان سيعتذر عن تصريحه بالقول: “أكرر. من يراقب الحياة اليومية يعرف أن تصريحاتي في الأسبوع الماضي كانت محقة (…) مرة أخرى: اسأل أطفالك، اسأل بناتك، اسأل في محيط أصدقائك ومعارفك. الكل يؤكد أن هناك مشكلة على الأقل عند حلول الظلام”، مشيرا إلى الربط بين “مشكلة مظهر المدن” الألمانية وسياسة حكومته الرامية إلى التسريع في عمليات ترحيل اللاجئين.

في عودة إلى أحد أهم أسئلة هذا التحقيق وهو هل نتحدث هنا عن زلّة لسان أم عن كلام محسوب بدقة؟ الإجابة عن هذا السؤال تتطلب الرجوع إلى الوراء قليلا وتحديدا إلى تصريحات سابقة لميرتس.

2023: “في الغالب نتحدث عن شباب من المنطقة العربية. هؤلاء غير مستعدين لاحترام القوانين ويستمتعون بتحدي الدولة (…) أتحدث عن مهاجرين عرب يتصرفون كالباشوات”. (معنى كلمة Pascha في الألمانية دائما سلبي ويشير في الغالب إلى رجل كسول يطلب من الآخرين خدمته).   

2024: “نتحدث عن موضوع معقد. ولكن يجب علينا أن نسأل لماذا هذا المركز الإسلامي في هامبورغ ما زال مفتوحا؟ ماذا يحدث في مدارس القرآن؟ ماذا يحدث في المساجد بألمانيا؟ لدينا أكثر من 1000 مسجد منها.يجب على الدولة تفحص الأمر”.

2023: “… يكتظون (اللاجئون) في عيادات أطباء الأسنان ويستبدلون أسنانهم في حين لا يستطيع الألمان الحصول على مواعيد”.

جميع هذه الاقتباسات التي أطلقها ميرتس عندما كان في المعارضة أثارت حينها نقمة الشارع، ولكن -لأنه لم يكن في موقع اتخاذ القرار- لم يكن وقعها بالحدة التي عقبت تصريح “تشويه مظهر المدن”. إعادة إنتاج صورة المهاجر

مديرة مركز التوثيق والمعلومات لمناهضة العنصرية، كريمة بن إبراهيم اعتبرت اختيار المستشار لألفاظه من منظور سياسي أمرا “بالغ الإشكالية”. فـ”حين ربط ميرتس بين ما وصفه بـ”مشكلة مظهر المدن” والهجرة، تبنّى عن وعي أو غير وعي سرديات يمينية وعنصرية تجاه المهاجرين (…) مثل هذه الصياغات تضع فئات متباينة للغاية لاجئين وأشخاصا من أصول مهاجرة وأقليات دينية أو إثنية في بوتقة واحدة وتعيد إنتاج صورة المهاجر بوصفه عامل اضطراب اجتماعي. (…) هذا نهج خطير، لأنه يقدم صورة نمطية قائمة على التصنيف العرقي بدلا من تحليل الأسباب البنيوية الفعلية للمشاكل القائمة، تضيف بن إبراهيم في حديث مع الجزيرة نت.

الخبير في شؤون اليمين المتطرف من جامعة غيزن، د. يوهانس كيس بدأ كغيره في الأوساط الأكاديمية فور إطلاق هذه التصريحات، التكهن بشأن دوافع المستشار الحقيقية.

“من ناحية -يقول كيس للجزيرة- تتماهى التصريحات الأولى للمستشار مع السرديات اليمينية المتطرفة لحزب البديل ومن ناحية أخرى، جاءت الموجة الثانية من تصريحاته “متعجرفة” و”عنيدة” وتهدف على ما يبدو إلى تعزيز البورفايل اليميني عند اتحاده المسيحي الديمقراطي الذي يشهد توترا كبيرا بشأن قضية الهجرة”.

Johannes Kiess
كيس: المحافظون عاجزون عن وقف مد اليمين المتطرف(الأوروبية)

ولكن هل ستساعد مثل هذه التصريحات على وقف حزب البديل عند حده وعلى استعادة حزب ميرتس ناخبين عزفوا عن انتخابه في الأشهر الماضية؟

كيس يؤكد هنا أن ذلك لن يمكن المحافظين الألمان من وقف المد اليميني المتطرف، بل على العكس تماما. فالدراسات تظهر أن النقاشات التي تعقب هذه التصريحات “تُعزز في العادة مواقف حزب البديل لأنه احتكر جميع القضايا المتعلقة بالهجرة ويدعي ملكيتها بغض النظر عن نبرة الأحزاب الأخرى”، في إشارة من الخبير إلى أن الناخب في هذه الحال سينتخب الأصل وليس النسخة المقلدة.

ولكن الأخطر من ذلك -كما يقول كيس- هو أن هذه النقاشات “لا تنتج في المقام الأول إلا خاسرين” وتسبب “الخوف والنفور” من الديمقراطية وتجرد النقاش من طابعه السياسي ولا تساهم في توجيهه نحو البحث عن حلول”.

25 مليون مهاجر

تؤكد أرقام مكتب الإحصاءات الألماني الاتحادي أن عدد المواطنين الألمان بالمواطنة وليس بالدم يبلغ 24,9 مليون شخص من بين 83,5 مليون نسمة العدد الإجمالي للسكان في ألمانيا.

ووفق المكتب ذاته، فإن عدد اللاجئين الملزمين رسميا بمغادرة ألمانيا لأسباب مختلفة يبلغ 41 ألف شخص. ولنفرض أن جميع هؤلاء الأشخاص يتحملون مسؤولية “تشويه” مراكز المدن ومظهر محطات قطاراتها الرئيسية، فإنهم لا يشكلون أكثر من 0,07 بالمئة من سكان المدن الألمانية الكبيرة والمتوسطة.

فكيف تلقى المهاجرون والمجتمع الألماني هذه التصريحات؟

عندما اكتفى ميرتس بالإشارة إلى ما وصفه بـ”مظهر المدن المشوه”، لاحظنا أن الاستهجان اقتصر على وسائل الإعلام وبعض النخب، ولكن بعد تحديد جنسيات المهاجرين المستهدفين وعناد المستشار وقوله إنه لن يعتذر عن هذه الإهانات وإذا لم يعجبكم ذلك “اسألوا بناتكم”، قامت الدنيا ولم تقعد: مظاهرات تحت شعار “نحن مظهر المدينة” و”نحن البنات” ومبادرات ورسائل مفتوحة وغيرها من النشاطات التي أظهرت بالفعل تنوع هذا المجتمع.

كريمة بن إبراهيم تقول حول الصدمة التي أحدثها خطاب ميرتس إن الغضب لم يأت فقط من مواطنين من أصول مهاجرة: “مهاجرون كثيرون اعتبروها عن حق عنصرية فقد ترافقت مع ردود فعل من مختلف أطياف المجتمع سواء من صفوف المعارضة أو من داخل الائتلاف الحاكم نفسه ومن منظمات المجتمع المدني وكذلك من شخصيات سياسية”.

تضيف بن إبراهيم أن ما يجمع بين هذه المواقف قاسم مشترك واحد هو القلق من أن هذا النمط من الخطاب يساهم في توسيع الهوة بين سياسات الأمن والنظام من جهة والواقع الاجتماعي من جهة أخرى. فالمسألة ليست في إنكار وجود المشاكل، بل في كيفية تناولها لغويا وإعلاميا أي هل يتم ذلك بطريقة دقيقة ومتفحصة، أم من خلال تعميمات تؤدي إلى وصم الجميع بالتهمة ذاتها.

“أهاننا جميعا”

هذا التعميم أحالنا إلى الاستفسار عن وقع هذه الإهانات على مهاجر غير عادي. فبمجرد وضع اسم نادر خليل في محرك غوغل للبحث وقراءة مقالات المديح لأنشطته في مجال التعايش بين سكان الحي المتنوع (نويكولن) بجنوب برلين، يتولد لديك انطباع بأنه أفنى حياته في مجال خدمة هذا المجتمع وفي اندماج العرب والمسلمين فيه، الأمر الذي دفع حكومة ولاية برلين إلى منحه عدة أوسمة أهمها وسام الاندماج لعام 2007.

يقول نادر خليل -في حديث مع الجزيرة نت- إن الحكم على كلام المستشار الألماني في الحياة اليومية يقود إلى الاعتقاد بأن كل شخص أصوله ليست ألمانية متهم وبأن كلام ميرتس موجه له علما بأن ألمانيا بأكملها تقر بمساهمة المهاجرين في إعادة بناء هذا البلد بعد الحرب وبدورهم المحوري في جميع المجالات الاقتصادية.

الأرقام الأخيرة التي قدمها مكتب الإحصاءات الألماني الاتحادي تؤكد ما يقوله خليل وتشير إلى أن بعض القطاعات الاقتصادية في ألمانيا كانت في الأعوام الماضية قادرة على البقاء بفضل المهاجرين فقط، إذا تبلغ نسبتهم في بعضها 60 بالمئة بينما تبلغ نسبتهم الإجمالية في سوق العمل الألماني الأكبر في الاتحاد الأوروبي 26 بالمئة.

نادر خليل- سليم سليم- الجزيرة
نادر خليل اتهم ميرتس بالتناقض(الجزيرة)

كما اتهم خليل الذي ترشح عام 2009 للبرلمان الألماني باسم الحزب المسيحي الديمقراطي، اتهم ميرتس بالتناقض، قائلا: من ناحية يؤكد المستشار ضرورة الحفاظ على تماسك المجتمع ومن ناحية أخرى يدق أسفين الفرقة بين مكوناته.

ولكن كيف استقبل الناس في حي نويكولن حيث يعيش ويعمل ابن الـ57 عاما هذه التصريحات؟

“بتهكم وسخرية” يرد خليل، ويضيف أن صديقا له من أصول تركية مازحه عندما سمع كلام ميرتس قائلا “ما رأي المستشار في أن نصبغ شعرنا بالأشقر حتى نناسب تصوره لمظهر المدن الألمانية”؟ وقال آخر إنه لم يستغرب هذه التصريحات لأن صاحبها يعيش في عالم موازٍ ولا يعرف ماذا تعني الحياة في مدينة متنوعة مثل برلين أو ميونيخ أو هامبورغ.

ولكن الأخطر في تصريحات ميرتس -بحسب خليل- هو أنها تعزز حضور اليمين المتطرف وتعتبر الخطوة الأولى على طريق تنفيذ هذا اليمين سياسته الداعية إلى الترحيل إذا وصل إلى موقع صنع القرار، وخاصة أن هذه التصريحات تأتي من رأس هرم السلطة.الآثار والأخطار

بخصوص آثار هذا الخطاب على المجتمع تقول بن إبراهيم إن القراءة التحليلية للخطاب المذكور تُبيّن أن له ثلاثة آثار مباشرة على التعايش بين المهاجرين والمسلمين والألمان، أولها عند الحديث عن “مظهر المدن” تتشكّل فورا صور نمطية لمحطات القطارات ومراكز المدن ومجموعات الشباب ذوي الملامح غير الأوروبية. وبذلك تتحوّل قضايا معقدة مثل الفقر والبطالة وضعف البنى التحتية إلى نقاش بصري سطحيّ يغذي الأحكام المسبقة ويهمّش التحليل الموضوعي.

وتضيف أن ذلك ينتج مشاعر التهميش والريبة ويؤدي إلى شعور كثير من المواطنين ذوي الخلفية المهاجرة والمسلمين بأن انتماءهم موضع تساؤل دائم، مما يضعف ثقتهم في المؤسسات الحكومية والمحلية. هذه الثقة ضرورية لنجاح سياسات الاندماج والتعاون المجتمعي.

وثالثا تؤدي هذه الخطابات إلى إزاحة النقاش عن قضايا العدالة الاجتماعية إلى قضايا رمزية ولغوية، ويتضح من ذلك أن المشكلة لا تكمن في طرح القضايا ذاتها بل في اللغة المستخدمة.  عندما تتحول اللغة إلى أداة للوصم بدلا من وسيلة للتحليل الدقيق فإنها تنتج فقدانا للثقة وشرخا في تماسك المجتمع. اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير

وتنصح بن إبراهيم -التي تدير مركزا يعتبر من أهم المرجعيات للحكومة الألمانية بخصوص مناهضة العنصرية- المستشار ببناء الخطاب الرسمي حول الهجرة على أساس معرفي وبياني وتجنب التعميمات وتعزيز الاندماج عبر العمل الأمر الذي يمنح المقيمين الجدد حق الالتحاق الفوري ببرامج اللغة والتأهيل المهني خلال ثلاثين يوما مع تسريع الاعتراف الرقمي بالمؤهلات المهنية وفتح أسواق العمل.

كما تؤكد المختصة ضرورة تكريس مبدأ دولة القانون العادلة للجميع وإبرام اتفاقات شراكة بين الجمعيات الإسلامية ومنظمات المهاجرين والمدارس والتجار وقطاع الإسكان وتحديد أهداف قابلة للقياس مثل زيادة فرص التدريب المهني وتحسين مشاركة النساء في برامج اللغة والعمل وإعادة توجيه سياسات الإسكان والرعاية الاجتماعية وغيرها من الاقتراحات التي تعد أمرا لا غنى عنه إذا أرادت حكومة ميرتس بالفعل الحفاظ على تماسك المجتمع بدلا من إطلاق تصريحات عنصرية تخدم بالدرجة الأولى اليمين المتطرف.

ووفق لبن إبراهيم فإن تحليل الخطاب السياسي الراهن يبين أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير بل فاعل سياسي في حد ذاته، مضيفة أن اللغة قادرة على بناء الانتماء أو تفكيكه وعلى دعم التماسك أو تهديده لأن الانتقال من خطاب رمزي قائم على التبسيط إلى سياسة شاملة وفاعلة يمثل خطوة جوهرية وأولى نحو مجتمع متماسك ومتعدد في آن واحد.

فهل يدرك رئيس الحكومة الألمانية أنه فقط من خلال الاعتراف بالتنوع بوصفه قيمة بنيوية واعتماد سياسات تشاركية قائمة على الحقائق يمكن ضمان استدامة التعايش السلمي والعدالة الاجتماعية في المدن الألمانية؟

المصدر: الجزيرة