الضغوط الاميركية لحل الازمة الأوكرانية

يبدو أن الأزمة الأوكرانية ستتخذ مسارًا مختلفًا مع طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطة تمثل خارطة طريق، حدد فيها مهلة لقبول أوكرانيا بها في 27 نوفمبر/تشرين الثاني، وهو ما يشكل ضغطًا إضافيًا على كييف للقبول، فضلًا عن الضغط على المواقف الأوروبية للمضي قدمًا بوجهة النظر الأميركية. وهي تشكّل في الواقع وجهًا لضيق الخيارات المتاحة لأزمة باتت تهدد الأمن والسلم الدوليين.

تنطلق الخطة الأميركية من اتفاق شامل لعدم الصدام بين روسيا وأوكرانيا والمجموعة الأوروبية، على أن تنهي النزاع الممتد لثلاثة عقود خلت، والذي خلّف منذ العام 2014 خسائر بشرية ومادية ضخمة تفوق عمليًا قيمة القضايا المتنازع عليها. وتضم مسودة الخطة 28 بندًا تشكّل قاعدة لاتفاق سلام يوازن بين النفوذ الروسي والضمانات الغربية، إضافة إلى محاولة تقييد الخيارات العسكرية والسياسية أمام طرفي النزاع.

وتنص بنود الخطة المتصلة بمنطقتي خيرسون وزاباروجيا على تجميد الخطوط القائمة حاليًا كما هي، بحيث تحتفظ موسكو بحوالي 75 في المئة من المنطقتين، مع إمكانية إعادة بعض الأراضي شرط التوصل إلى تفاهمات سياسية ضمن المفاوضات المقترحة لاحقًا. كما تكرّس الاعتراف بسيطرة موسكو على شبه جزيرة القرم باعتبارها واقعًا ثابتًا، مقابل ضمان حرية استخدام أوكرانيا لنهر دنيبر في النقل التجاري، وتسهيل مرور الحبوب عبر البحر الأسود دون عوائق. وتشير الخطة أيضًا إلى تشغيل محطة زاباروجيا النووية بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع تقاسم إنتاجها الكهربائي بين روسيا وأوكرانيا، باعتبار ذلك محاولة لخفض التوتر حول أكبر منشأة نووية في أوروبا.

كما تشير الخطة إلى تحديد سقف للجيش الأوكراني بحيث لا يتجاوز 600 ألف جندي، في محاولة لضبط موازين القوى العسكرية بين الطرفين وتقليص فرص العودة إلى سباق تسلح جديد في المنطقة. وامتدت الخطة إلى سياقات تتصل بالنظام السياسي الأوكراني، وكضمانة للجانب الروسي هناك مقترح لإدراج بند دستوري يمنع انضمام أوكرانيا إلى حلف الأطلسي، إضافة إلى إدراج نص في النظام الأساسي للحلف بعدم إدخال أوكرانيا إليه، على أن لا تؤثر هذه الإجراءات على دخولها للاتحاد الأوروبي. وفيما يخص الضمانات الأميركية لأوكرانيا، تمنح الولايات المتحدة تعهدًا أمنيًا لكييف مشروطًا بعدم قيامها بمهاجمة روسيا، وبالتالي فهو ضمان دفاعي يسقط تلقائيًا عند خرق أوكرانيا للاتفاق. وفي مقابل ذلك تتعهد الولايات المتحدة وأوروبا بالمواجهة العسكرية في حال خرقت روسيا الاتفاق وشنّت هجومًا جديدًا على أوكرانيا، ما يجعل الخطة قائمة على موازنة بين الردع والتحفيز على احترام بنودها. كما تشير الخطة إلى مطالبة موسكو بإقرار نص قانوني داخلي يمنع الاعتداء على أوكرانيا وأوروبا، في محاولة أميركية لإظهار الالتزام القانوني بالموقف السياسي من الخطة وتطبيقاتها العملية.

أما لجهة المواقف المعلنة من الخطة، فيبدو الموقف الأوكراني حذرًا في ضوء المكاسب الميدانية لروسيا، مقابل تريث موسكو في التعامل مع الخطة بمجملها، فيما تتجه المواقف الأوروبية نحو دعم التقارب المحتمل وصولًا إلى حلول مقبولة للأطراف المنخرطة في النزاع.

في الواقع، إن تشريح الخطة وإطلاقها في هذه الظروف يظهران دفعًا أميركيًا واضحًا باتجاه فرض حل بفترة مضغوطة لا تتجاوز أسبوعًا واحدًا من تاريخ إعلانها إلى موعد قبولها من الجانب الأوكراني، وهو ما يشكّل بيئة ضاغطة لا مفر لكييف من التعامل معها ولو مرغمة. وهي امتداد لمحاولات أميركية سابقة لم تستجب لها كييف. وبصرف النظر عن رفض أو قبول الخطة، فليس ثمة خيارات متاحة إلا تصعيد المواجهات العسكرية في وقت تستعد واشنطن لمزيد من الضغوط إلى جانب بعض الدول الغربية على كييف. وفي المقابل يبدو الموقف الروسي حذرًا، رهنًا برد الفعل الأوكراني وتجاوبه مع الطروحات، مع الإشارة إلى أن الخطة تلامس معظم ما تطالب به موسكو ميدانيًا وقانونيًا، عبر الإشارات التي تقيد الموقف الأوروبي بشأن عدم إدخال أوكرانيا إلى حلف الأطلسي.

في المحصلة، وبصرف النظر عن المآلات النهائية للخطة الأميركية، ثمة ضرورة قصوى لإحاطة الأزمة الأوكرانية بتفاهمات وخطط حلول، ولا سيما أن تداعيات الأزمة امتدت لترسم معالم حرب عالمية ثالثة، نظرًا لارتباطاتها مع مصالح دول إقليمية وعالمية كبرى تتشابك مصالحها بحيث لا يستطيع أي طرف التخلّي عنها بسهولة؛ بخاصة أن جميع الأطراف المباشرة وغير المباشرة المنخرطة في الصراع قد دفعت أثمانًا كبيرة، ومن الصعب خروجها دون مكاسب ولو كانت في حدّ الترضية.

وعلى قاعدة أن الرابح في أي معركة هو خاسر أيضًا نتيجة ما استهلكته الحرب من أثمان مادية وبشرية، تبقى أوكرانيا تحديدًا الخاسر الأكبر في معركة يصعب أن ينتصر فيها أحد، سيما أن قواعدها قامت على تطلعات استراتيجية يصعب التراجع عنها. فروسيا تعتبر أن أمنها القومي مهدد عبر أوكرانيا، مقابل احتلال مناطق حيوية من أراضي الأخيرة وضمّ روسيا لبعضها، ما شكّل وضعًا معقدًا يصعب على كييف التراجع عنه في ظل انعدام الخيارات المقبولة والقابلة للحياة.

د. خليل حسين