الصين تبني مستقبلاً مختلفاً للذكاء الاصطناعي
في الوقت الذي تنشغل فيه العناوين الغربية بسؤال: من يفوز بسباق الذكاء الاصطناعي؟، تبدو بكين وكأنها تطرح سؤالاً مختلفاً تماماً: كيف يجب أن يُستخدم الذكاء الاصطناعي في المجتمع؟. هذا التحول في زاوية النظر لا يعكس اختلافاً تقنياً فحسب، بل يكشف عن تباين عميق في الفلسفة السياسية والاقتصادية بين الصين والغرب.
وقال الكاتب يان كريكه، كاتب مساهم في “آسيا تايمز”، ومؤلف كتاب مرتقب بعنوان “الدولة التنبؤية: الصين والذكاء الاصطناعي ومستقبل الحوكمة- The Predictive State: China, AI, and the Future of Governance”، وقد استند المقال إلى أفكار واردة في هذا الكتاب، إن الجدل الدائر في الولايات المتحدة يركّز على قدرات النماذج الكبرى واحتمال تفوقها على الإدراك البشري، فيما تعيد الصين تعريف الوجهة نفسها، معتبرة الذكاء الاصطناعي جزءاً من البنية الوطنية لا مجرد ابتكار في سوق تنافسية.
من السباق إلى الوجهة
أوضح الكاتب أن الخطاب الأمريكي يستعير مفردات الرياضة والحرب: اختراقات، تفوق، سباق، وهي لغة تعكس رؤية تقوم على الابتكار في الحدود القصوى وترك السوق يقود المسار، مع دور حكومي محدود نسبياً.
وأضاف الكاتب أن الحكومة الأمريكية تعتمد مقاربة اليد الخفيفة، حيث تمول البحث العلمي وتتيح للشركات الخاصة قيادة التطوير.
في المقابل، تابع الكاتب، تتبنى بكين مقاربة مختلفة جذرياً. فالسؤال ليس إلى أي مدى يمكن للآلة أن تصبح ذكية، بل كيف يمكن دمج الذكاء في نسيج المجتمع والبنية التحتية الوطنية.
الذكاء الاصطناعي كبنية تحتية وطنية
وقال الكاتب إن السياسة الوطنية الصينية تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره “قدرة” ينبغي استيعابها في كل القطاعات، من اللوجستيات والرعاية الصحية إلى التمويل وإدارة المدن.
وأوضح الكاتب أن الصين تستثمر بكثافة في مراكز البيانات، وشبكات الاتصال عالية السرعة، وأنظمة الإنترنت الصناعي، وشبكات الطاقة، ومعايير التشغيل البيني، باعتبارها الأساس الذي يسمح بنشر الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع وبتكلفة أقل لاحقاً.
وأضاف أن هذه الاستثمارات، رغم كلفتها الرأسمالية المرتفعة، تخفّض الكلفة الحدّية لتطبيق الأنظمة الذكية في مختلف القطاعات، ما يجعل الذكاء الاصطناعي محركاً أساسياً لنمو الإنتاجية.
مواجهة التحدي الديموغرافي وطموح الروبوتات
وتابع الكاتب أن الصين تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة لتعويض تقلص القوى العاملة عبر الأتمتة الصناعية والتصنيع الذكي، في ظل التحديات الديموغرافية المتزايدة.
وأشار الكاتب إلى أن من بين الأهداف الاستراتيجية الاستحواذ على حصة مهيمنة من سوق الروبوتات البشرية عالمياً، الذي يُتوقع أن تبلغ قيمته نحو خمسة تريليونات دولار، مع نشر روبوتات مدعومة بالذكاء الاصطناعي في القطاعات الصناعية والتجارية وحتى المنزلية.
وأوضح أن بكين تسعى بحلول عام 2050 إلى تحقيق ريادة عالمية في الذكاء الاصطناعي، استناداً إلى خطة الجيل الجديد للذكاء الاصطناعي التي أطلقت عام 2017، والتي تستهدف إقامة مجتمع مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي تُدار فيه الخدمات العامة والبنى الحضرية بوساطة أنظمة ذكية.
العدسة الكونفوشيوسية– القانونية
لفهم المقاربة الصينية، قال الكاتب إنه لا بد من النظر إلى الجذور الفكرية العميقة في الثقافة السياسية الصينية. فالكونفوشيوسية تؤكد النظام والانسجام وتحديد الأدوار، حيث تُقاس قيمة التكنولوجيا بمدى إسهامها في حفظ الاستقرار.
وأضاف أن القانونية (المدرسة القانونية في الفكر الصيني القديم) توفر أدوات الضبط والتنفيذ، إذ تفترض أن الأنظمة تتدهور من دون قواعد صارمة وعقوبات واضحة.
وأوضح الكاتب أن الذكاء الاصطناعي يعزز هاتين الركيزتين معاً: فهو يوسّع نطاق الرؤية والرقابة عبر الخوارزميات، ويجعل التدخل أكثر دقة وقابلية للتوسع.
ضبط المنصات الكبرى
وأشار الكاتب إلى أن تجربة تنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل علي بابا، تعكس هذا المنطق. ففي مرحلة النمو السريع شُجعت هذه الشركات على الابتكار وجمع البيانات، لكن مع اقترابها من مستوى البنية التحتية، تغيّر الحساب.
وأضاف الكاتب أن السلطة رأت في تركّز القوة الخاصة خطراً على التوازن الهرمي للدولة، فتدخلت عبر إجراءات مكافحة الاحتكار وإعادة الهيكلة وتشديد الرقابة.
وتابع الكاتب أن لوائح تنظيم خوارزميات التوصية الصادرة عام 2022 ألزمت المنصات بتسجيل خوارزمياتها لدى السلطات، ما جعلها مقروءة للدولة.
نحو الدولة التنبؤية
من أبرز المفاهيم التي تناولها الكاتب ما سماه “الدولة التنبؤية”، موضحاً أن الحكم التقليدي يتفاعل مع المخالفات بعد وقوعها، أما الدولة التنبؤية فتهدف إلى رصد الانحرافات قبل أن تتحول إلى أزمات.
وأضاف الكاتب أن ذلك يتطلب نظاماً عصبياً رقمياً متكاملاً: هوية رقمية، ومدفوعات مدمجة، وشبكات استشعار، تجعل المجتمع قابلاً للحوسبة.
وبمجرد تحقيق هذه القابلية، يصبح التدخل الاستباقي ممكناً: تخفيف الازدحام قبل تفاقمه، ورصد المخاطر المالية قبل انتشار العدوى، واحتواء الأوبئة قبل تسارعها.
إعادة تنظيم العمل لا استبدال الإنسان
وقال الكاتب إن النقاش الغربي غالباً ما يركز على استبدال البشر بالآلات، بينما تركز الصين على إعادة التنظيم الوظيفي.
وأوضح الكاتب أن الأدوار البشرية لا تختفي، لكنها تتحول إلى الإشراف وإدارة الاستثناءات، حيث يراقب العمال لوحات تحكم بدلاً من تشغيل الآلات مباشرة، ويستخدم الأطباء أنظمة تشخيص ذكية لدعم قراراتهم.
غير أن الكاتب حذر من كلفة هيكلية محتملة، إذ قد يؤدي ترميز الخبرة في البرمجيات إلى تآكل المعرفة الضمنية، ويجعل القرارات أكثر ارتباطاً بالمؤشرات الكمية.
بين السوق والدولة
خلص الكاتب إلى أن عصر الذكاء الاصطناعي لن يُحسم بنموذج متفوق مؤقتاً أو رقم قياسي جديد، بل بكيفية دمج الذكاء في المؤسسات والاقتصادات والحياة اليومية.
وأضاف أن بعض الدول ستواصل التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه معززاً للسوق والمبادرة الفردية، بينما ستوظفه دول أخرى، مثل الصين، كأداة للتنسيق وإدارة المخاطر وتعزيز قدرة الدولة.
وفي النهاية، أوضح الكاتب أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية، بل مرآة تعكس تصور كل حضارة للتقدم ودور الحكومة في تحقيق الاستقرار والازدهار المشترك.

