اليمن على مفترق طرق: انسحاب إماراتي وضغط سعودي يعيدان رسم المشهد الإقليمي
نيويورك – الولايات المتحدة الأميركية
تشهد الساحة اليمنية مرحلة دقيقة وحساسة مع تتابع التطورات السياسية والعسكرية التي تشير إلى تحوّل واضح في مقاربة إدارة الصراع، بعد سنوات طويلة من المواجهات المفتوحة والتعقيدات الإقليمية. ويبرز في هذا السياق انسحاب القوات الإماراتية من مواقع مؤثرة داخل اليمن، في خطوة أعادت ترتيب موازين القوى وفتحت الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل الصراع واتجاهاته خلال المرحلة المقبلة.
وبحسب معطيات ميدانية وتقارير سياسية متقاطعة، فإن هذا الانسحاب لم يكن خطوة منفصلة عن السياق الإقليمي العام، بل جاء نتيجة ضغوط سياسية ودبلوماسية مارستها المملكة العربية السعودية، التي تسعى منذ فترة إلى إعادة ضبط مسار التحالف وتخفيف حدة التصعيد، تمهيدًا للانتقال من منطق الحسم العسكري إلى مقاربة سياسية أكثر استدامة.
ويرى محللون أن الرياض باتت أكثر اقتناعًا بأن استمرار النزاع بصيغته السابقة لا يخدم استقرار المنطقة ولا أمنها القومي، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية العالمية، وتعقيدات أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، إضافة إلى الضغوط الدولية المتزايدة لإيجاد حلول سياسية تنهي واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في العالم.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى الانسحاب الإماراتي على أنه إعادة تموضع استراتيجية، جاءت بعد تنسيق سياسي واضح مع المملكة العربية السعودية، وليس تعبيرًا عن قطيعة أو خلاف جوهري داخل التحالف. فالعلاقات بين الرياض وأبوظبي ما زالت محكومة باعتبارات الشراكة الاستراتيجية، غير أن اختلاف الأولويات وطرق إدارة المرحلة المقبلة فرض تغييرات ملموسة على الأرض.
ويذهب مراقبون إلى أن هذا التطور يُحسب لصالح الدبلوماسية السعودية، التي قادت خلال السنوات الأخيرة مسارًا متدرجًا لإعادة ترتيب المشهد اليمني، مستفيدة من ثقلها السياسي والإقليمي، ومن شبكة علاقاتها الدولية، بهدف تقليص بؤر التوتر وفتح نافذة حقيقية أمام التسويات السياسية.
وفي قلب هذا التوجه، يبرز دور ولي عهد المملكة العربية السعودية، الأمير محمد بن سلمان، الذي يقود نهجًا يقوم على إعادة تموضع المملكة كقوة استقرار إقليمي، تسعى إلى إدارة الأزمات عبر الحوار والدبلوماسية، بدل الاستنزاف العسكري طويل الأمد. ويرى أنصار هذا التوجه أن ما يجري اليوم في اليمن هو نتيجة مباشرة لهذا التحول الاستراتيجي.
في المقابل، تحرص الإمارات العربية المتحدة على تقديم انسحابها ضمن إطار مراجعة شاملة لدورها العسكري في اليمن، مع الإبقاء على قنوات التأثير السياسي والأمني مفتوحة، بما ينسجم مع مصالحها الإقليمية دون الانخراط المباشر في صراع طويل الأمد.
ويبقى السؤال الجوهري المطروح: هل يشكّل هذا التحول بداية فعلية لمرحلة جديدة في اليمن، تُقدَّم فيها الحلول السياسية على منطق القوة، أم أنه مجرد إعادة تموضع مؤقت بانتظار توازنات إقليمية ودولية أكثر وضوحًا؟
المؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على ترجمة هذه التحركات إلى مسار سياسي شامل، يُنهي معاناة الشعب اليمني، ويضع حدًا لحرب طال أمدها، ويفتح الطريق أمام استقرار حقيقي ومستدام في اليمن والمنطقة.
بقلم: ياسين نجار
رئيس التحرير – جريدة المدار نيوز
نيويورك، الولايات المتحدة الأميركية

