الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والحاجة إلى الانتقال من اللاهوت إلى السياسة

تحوّل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، عبر عقود من الدم والخراب، من نزاع على حدود وجغرافيا إلى مرآة كاشفة لارتباكات الإنسانية المعاصرة: ارتباكات في الأخلاق كما في السياسة، في الذاكرة كما في المستقبل. لم يعد الأمر مجرد خصومة على الأرض، لقد أصبح ساحة يتصارع فيها تأويلان متضادان: تأويل يريد تثبيت أسطورة، وآخر يسعى إلى تحمّل مسؤولية الواقع. وكلاهما، رغم اختلافه، ما يزال محكوماً بمنطق يتردّد بين المقدّس والبشري، بين الحكاية المتخيّلة والوقائع الصلبة.

على الضفتين، توجد نزعة لإعادة إنتاج الماضي بوصفه قدراً مؤبداً: فثمة من يتعامل مع الوجود اليهودي وكأنه محكوم بقدر تاريخي لا يُقاوَم، وثمة من يتعامل مع الوجود الفلسطيني بوصفه شهادة دائمة على مظلومية لا تنقطع. وفي الحالتين، يتم احتجاز السياسة داخل سرديات ترى المعاناة أو الأسطورة محرّكين لتاريخ يجب أن يتجدّد لا أن يتجمّد.

لكن المأزق لا ينشأ من دعم طرف على حساب آخر، وإنما من الاعتماد على لاهوت يُحوّل الواقع إلى امتحان روحي: أحدهما لاهوت الوعود والاختيار، والآخر لاهوت الألم والصمود. وفي ظل هذا المنطق، يصبح الاعتقاد بأن الحقيقة تُستعاد بالنبرة الأخلاقية أو بالمرجعية الدينية مجرد وهم. فالشرعية السياسية لدى أي شعب أو كيان لم تُبنَ يومًا على النصوص وحدها، بل على الوقائع التي صنعتها الأفعال: الانتصارات، الهزائم، التحولات الديموغرافية، والهندسة القسرية للأرض والسكّان. إن تاريخ الأمم، سواء في أوروبا أو آسيا أو أي بقعة شهدت صراعات طويلة، يذكّرنا بأن الخرائط تصنعها القوى المحرِّكة للأحداث، لا الكتب المقدّسة ولا اليقينيات الأخلاقية.

ومن ثم، فإن التمسّك الحرفي بالتبريرات الدينية أو الأخلاقية، سواء من هذا الطرف أو ذاك، لا يُنتج دولة، ولا يضمن عدالة، ولا يفتح أفقًا سياسيًا. الحقوق والقوانين لا تسبق الواقع، بل تتشكّل بعده. وما دام الصراع يُدار بمنطق التطهير الأخلاقي أو الندبة التاريخية، فإن أي مقاربة للحل ستظل سطحية، عاجزة، ومُحبطة. لا تُمارَس السياسة من داخل الميثولوجيا، وإنما من داخل إدراك الطبيعة التراجيدية للتاريخ، ومن داخل قدرة الإنسان على تحويل الممكن إلى واقع.

ويكمن قسم كبير من العجز عن تجاوز الانسداد الراهن في ميل كثيرين من كلا الجانبين، وممن يناصرون أحدهما، إلى الاحتماء بنقاء الموقف الأخلاقي، كما لو أنه فضيلة سياسية بذاته. يصبح التمسك بالهزيمة بطولة، وبالعداء هوية، وبالذاكرة سجنًا. وهكذا تتحوّل النوايا الحسنة إلى قوة معيقة، لأنها ترفض الانخراط في السياسة الحقيقية: سياسة التفاوض، والمخاطرة، والتسويات المؤلمة.

حين يُختزل السلام في فكرة تصحيح أخطاء الماضي أو تعويض المعاناة، يتحول إلى مشروع هشّ، معلّق بين الذنب والانتقام. أمّا السياسة في تعريفها الأعمق فهي قدرة البشر على الخروج من لاهوت الألم إلى براغماتية الحياة المشتركة: لا تبرئة لأحد، ولا شيطنة مطلقة، بل تقييم للأفعال وما تتيحه من فرص لبناء زمن لا يعيد إنتاج الكارثة.

إن الخروج من دائرة الدم ليس تمرينًا على الذاكرة، بل على النضج: أن تمتلك الشعوب الشجاعة لتجاوز طهرانية المظلومية دون أن تتخلى عن حقّها، وأن تمتلك القدرة على فهم أنّ الأحلام وحدها لا تبني دولة، وأن الكرامة تُصان بالعمل والعقل، لا بالرثاء المنتظر لعدالة سماوية.

إن إدراك هذه الحقيقة لا يلغـي المآسي التي حدثت، ولا يمنع الاعتراف بالجراح المفتوحة، لكنه يغيّر موقعها: من عبء يُشلّ الحاضر إلى درس يحرّض على بناء مستقبل ممكن. والمستقبل الممكن لا يصنعه اللاهوت، وإنما السياسة، التي لا تمنحه الذاكرة وحدها، بل الشجاعة على مواجهة الواقع بما يقتضيه لا بما نريده.

بهذا فقط يمكن للفلسطينيين والإسرائيليين معًا أن يخطوا خطوة خارج الأسطورة نحو العالم، حيث لا يُدار التاريخ بالمرثيات، ولكن بالقرارات، ولا تُبنى الحياة المشتركة بالمعجزات، وإنما بالخيارات الصعبة التي تليق بمن يريد أن يعيش، لا أن ينتظر خلاصًا لا يأتي.

وليد الأسطل