العراق يخطط لمتحف حضاري جديد لإحياء مهد الحضارات

بغداد – أعلن وزير الثقافة والسياحة والآثار العراقي أحمد فكاك البدراني السبت، أن العراق بصدد الشروع في إنشاء متحف حضاري جديد على مساحة واسعة لعرض آثار متنوعة تمتد لآلاف السنين من تاريخ حضارة وادي الرافدين. وجاء هذا الإعلان خلال كلمة ألقاها الوزير في مؤتمر “شمولية المقاصد السياحية المعاصرة” المنعقد في بغداد بالتعاون مع جامعة الدول العربية والمنظمة العربية للسياحة، وبحضور ممثلين رسميين وشخصيات ثقافية وأكاديمية.

وقال البدراني في كلمته إن العراق يمتلك من المقومات الحضارية ما يجعله واحداً من أهم البلدان السياحية والثقافية في العالم، لكنه يحتاج إلى خطاب جديد وسياقات حديثة توظف تلك المقومات ضمن سياحة مستدامة، عربية ودولية. وأوضح أن الآثار ليست مجرد مقتنيات حجرية أو شواهد تاريخية، بل تمثل جذور الأمم ورمز أصالتها، وأن قدرتها على استقطاب الزوار مرتبطة بمدى نجاح المؤسسات الثقافية في تحويل الإرث التاريخي إلى تجربة سياحية حية وفاعلة.

وكشف عن اختيار موقع كبير سيُخصص لبناء المتحف الجديد، مؤكداً أن ما يملكه العراق في مخازنه من آثار يفوق بكثير ما هو معروض حالياً للجمهور، مشيرا إلى أن بلده يستعيد تدريجياً آلاف القطع الأثرية التي نُهبت في مراحل الاضطراب السياسي والأمني، وأن المتحف المرتقب سيكون منصة لعرض جزء مهم من هذه الكنوز، بما يعيد إلى الواجهة صورة العراق بوصفه مهد الحضارات البشرية الأولى.

ويأتي هذا الإعلان في سياق رغبة حكومية واضحة لإعادة الاعتبار للقطاع الثقافي والسياحي بعد سنوات طويلة من الإهمال والتحديات الأمنية والاقتصادية. فالعراق، على الرغم من كثافة الإرث الحضاري الممتد من سومر وأكد وبابل وآشور حتى العصور الإسلامية، ما يزال يفتقر إلى بنية متحفية متكاملة قادرة على استيعاب الكم الهائل من القطع الأثرية المحفوظة في المستودعات الرسمية.

وفي حديثه أمام المشاركين في المؤتمر، شدد البدراني على أن تعزيز السياحة الثقافية يتطلب رؤية شاملة تتجاوز فكرة العرض المتحفي التقليدي. فبعض مدن العالم – كما قال – تحولت بأكملها إلى متاحف مفتوحة، مما يجعل السياحة عنصرًا فاعلاً في الاقتصاد الوطني، مؤكدا أن صيانة المواقع الأثرية وترميمها ليست أعمالاً تقنية فحسب، بل تشكل مقصداً سياحياً بحد ذاته، وتسهم في بناء صورة حضارية متماسكة للدولة.

ولم يكتف الوزير بالحديث عن الجانب اللوجستي، بل تطرق إلى بُعدٍ آخر في حماية الآثار، موضحاً أن حماية المواقع الأثرية لا تقتصر على الدور الأمني أو انتشار قوات الشرطة، بل تشمل قبل كل شيء تعزيز وعي المواطن بقيمة الإرث التاريخي الذي يمتلكه. فالمواطن – بحسب تعبيره – يجب أن يكون أول من يحمي الآثار ويدافع عنها باعتبارها جزءاً من هويته الوطنية.

وأشار البدراني إلى أن العراق تمكن خلال السنوات الأخيرة من استعادة آلاف القطع الأثرية التي نُهبت خلال مراحل الانفلات الأمني، خصوصاً بعد عام 2003 وما تلاه من فترات عصفت فيها أحداث جسيمة بالبلاد. واعتبر أن جهود الاستعادة لم تكن مجرد عمليات تقنية أو دبلوماسية، بل تمثل استرداداً لجزء من ذاكرة العراق وعمقه التاريخي الذي حاولت الحروب والاضطرابات محوه أو تشويهه.

ومن هذا المنظور، يبدو المتحف الجديد امتدادا عملياً لتلك الجهود، فهو ليس مجرد مبنى حديث يضم قطعاً أثرية، بل تجسيد لمشروع وطني يرمي إلى ترميم الذاكرة العراقية وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة وللعالم.

ويمثل إعلان وزير الثقافة خطوة لافتة في مسار التحول الذي تحاول الحكومة العراقية رسمه في المشهد الثقافي والسياحي. فالعراق، الذي لطالما كان معبراً لتاريخ البشرية، يحتاج اليوم إلى مقاربة جديدة تستثمر إرثه الهائل في تطوير صناعة سياحية تدر دخلاً مستداماً وتُسهم في تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد شبه الكامل على النفط.

ثمة إدراك متزايد بأن الثقافة ليست ترفاً أو مجرد قطاع رمزي، بل رافعة تنموية حقيقية إذا ما أُديرت على نحو حديث ومتقن. ويشير إعلان المتحف إلى توجه نحو بناء مؤسسات ثقافية متقدمة تواكب المعايير العالمية وتستجيب لتطلعات الجمهور المحلي والزائرين الأجانب على حد سواء.

كما يبدو الإعلان منسجماً مع مساعٍ رسمية لترسيخ صورة العراق كمنصة حضارية عربية وإقليمية، خصوصاً مع تزايد اهتمام المنظمات الدولية والجامعات الأجنبية بالآثار العراقية ومواقعها المنتشرة في مختلف المحافظات. ومن شأن متحف جديد أن يشكل واجهة دبلوماسية ثقافية، ويعزز حضور العراق في الفضاء العالمي عبر “قوة ناعمة” تعتمد على التاريخ والثقافة والهوية.

غير أن الطريق أمام هذه الرؤية ليس سهلاً، فإقامة متحف حديث نِدّاً للمتاحف العالمية يحتاج إلى منظومة متكاملة من الكفاءات، والبنية التحتية، والقوانين الرادعة لحماية الآثار، إلى جانب بيئة أمنية مستقرة. كما يتطلب تطويراً في خدمات السياحة، من النقل والإيواء إلى الإعلام والتوعية المجتمعية.

لكن في المقابل، يملك العراق فرصة نادرة لإطلاق مشروع ثقافي نوعي قد يساهم في إعادة تشكيل نظرة العالم إلى البلاد، بعيداً عن صور الحرب والنزاعات. فالمتحف الجديد، إذا ما اكتمل وفق رؤية متقدمة، يمكن أن يصبح مركزاً للبحث والتعليم والسياحة، ومقصداً يعيد للعراق مكانته كحاضنة للحضارة الإنسانية.