إفلاس الأمم المتحدة – حين تعجز الدول العظمى عن دفع مستحقات النظام الذي صنعته

في تصريح غير مسبوق من حيث الصراحة والوضوح، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ناقوس الخطر محذرًا من أن المنظمة الدولية باتت على شفير الإفلاس المالي، في سابقة خطيرة لم يشهدها تاريخ الأمم المتحدة منذ تأسيسها عام 1945. هذا التحذير لم يأتِ نتيجة حرب عالمية أو كارثة طبيعية أو انهيار اقتصادي شامل، بل بسبب امتناع دول كبرى ونافذة عن سداد اشتراكاتها المالية الإلزامية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

إن خطورة هذا الإعلان لا تكمن فقط في العجز المالي، بل في الرسالة السياسية العميقة التي يعكسها: النظام الدولي الذي صاغته القوى الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية بدأ ينهار من الداخل، وبأيدي صُنّاعه أنفسهم.

الولايات المتحدة الأمريكية، أكبر اقتصاد في العالم وأحد المؤسسين الرئيسيين للأمم المتحدة، تتصدر قائمة الدول المتخلفة عن السداد. هذه السياسة ليست وليدة الصدفة، بل نهج واضح يتبعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن مرارًا وبصراحة أن بلاده لن تموّل منظمة دولية لا تخدم المصالح الأمريكية المباشرة.

وقد استخدمت واشنطن، في ظل هذه السياسة، التمويل كسلاح ضغط سياسي، فجمّدت أو خفّضت مساهماتها في:
– الميزانية العامة للأمم المتحدة
– عمليات حفظ السلام الدولية
– منظمات أممية إنسانية وصحية

وبذلك تحوّلت الدولة التي تتحدث عن قيادة العالم الحر إلى أكبر مدين للنظام الدولي الذي أسهمت في تأسيسه.

ولا تقف الأزمة عند الولايات المتحدة وحدها، بل تمتد إلى دول كبرى وغنية اقتصاديًا، مثل الصين وروسيا واليابان والبرازيل وكوريا الجنوبية، والتي قامت في أكثر من مناسبة بتأخير سداد التزاماتها أو استخدامها كورقة تفاوض سياسي.

في المقابل، تُحاسَب دول فقيرة أو تعاني من أزمات اقتصادية خانقة مثل أفغانستان وفنزويلا ودومينيكا وساو تومي وبرينسيبي، وتُهدد بسحب حق التصويت وفق المادة 19 من ميثاق الأمم المتحدة، في ازدواجية صارخة تكشف أن العدالة الدولية لا تُقاس بالقانون، بل بالقوة والنفوذ.

الأمم المتحدة ليست شركة خاصة حتى تُترك لمصير الإفلاس، بل مؤسسة أُنشئت لحماية السلم والأمن الدوليين، والدفاع عن حقوق الإنسان، وتقديم المساعدة الإنسانية لملايين البشر. لكن الواقع اليوم يقول إن هذه المؤسسة باتت رهينة إرادة الممولين الكبار، الذين يستخدمون المال لفرض أجنداتهم السياسية.

إن الإفلاس الحقيقي الذي تواجهه الأمم المتحدة اليوم ليس ماليًا فقط، بل هو إفلاس أخلاقي للنظام الدولي برمته، حيث تُشلّ المؤسسات الدولية، وتُترك الشعوب الضعيفة بلا حماية، ويُفتح الباب أمام عالم تحكمه شريعة القوة بدل قوة الشرعية.

إن استمرار هذا الوضع ينذر بعالم أكثر فوضوية، حيث تغيب المرجعية الدولية، وتتراجع الدبلوماسية، وتتصاعد النزاعات دون رادع. وإذا كانت الأمم المتحدة عاجزة عن تأمين ميزانيتها، فكيف يمكنها فرض قراراتها أو حماية السلم العالمي؟

إن إنقاذ الأمم المتحدة اليوم لم يعد خيارًا، بل ضرورة دولية، تتطلب إعادة النظر في بنية النظام العالمي، وضمان استقلالية المنظمة ماليًا وسياسيًا، بعيدًا عن الابتزاز والهيمنة.

الإعلامي ياسين نجار 
رئيس التحرير – Al‑Madar News 
نيويورك – الولايات المتحدة الأمريكية