الأمم المتحدة تحتفي بالذكرى الأولى لتحرير سوريا: احتفال دولي مهيب بدعوة من السفير السوري إبراهيم علبي


شهد مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك، مساء الأمس، احتفالاً دولياً واسعاً بمناسبة الذكرى الأولى لتحرير سوريا من النظام البائد؛ هذا اليوم الذي أصبح يعرف بـ “عيد النصر القومي الأول للجمهورية السورية الجديدة”، والذي يصادف تاريخ ٨ كانون الأول، اليوم الذي أعلن فيه الشعب السوري انتهاء عهد الظلم والقهر وبدء مرحلة الحرية والكرامة.

حضور عربي وأوروبي وأفريقي وآسيوي غير مسبوق
لبّى عدد كبير من سفراء العالم دعوة السفير السوري في الأمم المتحدة السيد إبراهيم علبي، الذي أشرف على تنظيم الاحتفالية بمشاركة البعثات الدبلوماسية العربية والأوروبية والأفريقية والآسيوية.

وقد حضر ممثلو معظم الدول الأعضاء، في مشهد عكس احترام المجتمع الدولي للتحوّل التاريخي الذي شهدته سوريا، وللدور الذي تلعبه اليوم في السعي لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.

احتفال بمستوى عالمي وإبداع سوري جديد


تميّزت الاحتفالية هذا العام بفكرة مبتكرة تركت أثراً واضحاً لدى الضيوف، حيث قامت البعثة السورية بتوزيع وشاح/لفحة عنق تحمل ألوان وأعلام جميع الدول المشاركة في منظمة الأمم المتحدة، في رسالة رمزية تعبّر عن:
– احترام سوريا للعالم أجمع
– رغبتها في بناء جسور تعاون دولي
– التأكيد على أن سوريا الجديدة تنتمي إلى المجتمع الدولي بقيم السلام والشراكة

وقد ارتدى السفراء هذه الأوشحة خلال الحفل، ما أضفى طابعاً وحدوياً مميزاً اعتُبر انعكاساً لرؤية سوريا الحديثة المنفتحة.

ذكرى النصر العظيم… من الألم إلى الأمل
يُعد ٨ كانون الأول علامة فارقة في تاريخ سوريا الحديث؛ ففيه أعلن الشعب السوري سنة التحرير من النظام البائد بعد سنوات طويلة من الظلم والقمع وحرمان السوريين من حقوقهم.

ومن هذا اليوم، بدأت الجمهورية السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع بناء دولة قائمة على:
– الحرية
– الكرامة الإنسانية
– سيادة القانون
– الوحدة الوطنية
– والانفتاح على العالم

سوريا الجديدة… شراكة دولية ورؤية للسلام
أكد السفير إبراهيم علبي في كلمته خلال الحفل أن سوريا بعد التحرير تسير بخطوات ثابتة نحو بناء علاقات دولية متوازنة تقوم على الحوار والتعاون والاحترام المتبادل، مشدداً على أن الشعب السوري يستحق أن يعيش بسلام وحرية، وأن يكون شريكاً حقيقياً في تحقيق الأمن الإقليمي والدولي.

وقال علبي:
“عيد النصر الأول ليس مجرد ذكرى وطنية… إنه ميلاد لسوريا جديدة، سوريا القادرة على المشاركة في صنع مستقبل أكثر عدلاً وإنسانية.”

شكر وتقدير للبعثة السورية ودورهم في نجاح الحفل
كل الشكر والتقدير للسفير إبراهيم علبي ولجميع أعضاء البعثة السورية في الأمم المتحدة على جهودهم الجبارة وتفانيهم الكبير، والذي كان واضحاً في كل تفاصيل الحفل. فقد عملت البعثة بروح وطنية عالية وبمهنية تُشرّف سوريا وشعبها، مما جعل الاحتفالية تظهر بهذا المستوى الراقي الذي نال إعجاب الحضور.

حضور الصحفي ياسين نجار وشهادته على النجاح

وقد حضر الاحتفال عدد من الشخصيات الإعلامية، ومن بينهم الصحفي ياسين نجار الذي شارك في هذه المناسبة الوطنية الهامة. وخلال وجوده في الحفل، تلقّى التهاني مباشرة من معظم السفراء العرب والأوروبيين والأفارقة والآسيويين، الذين عبّروا عن تقديرهم لسوريا الجديدة ودعمهم لمسيرة التحرّر والنهضة الوطنية.

احتفال يعكس مكانة سوريا في محيطها الدولي

أجمع الدبلوماسيون الذين حضروا المناسبة على أن الاحتفال لم يكن مجرد فعالية بروتوكولية، بل كان رسالة سياسية واضحة بأن سوريا استعادت دورها الدولي بفضل التحوّل الديمقراطي الكبير الذي قاده الشعب.

وقد أثنى الكثير من السفراء على الفكرة الرمزية للأوشحة متعددة الأعلام، معتبرين أنها تجسّد روح التعددية التي تقوم عليها الأمم المتحدة.

ختام

في نهاية الأمسية، غادر الحضور وقد حملوا معهم شعوراً عميقاً بالاحترام لبلد استطاع أن يتحرر من سنوات طويلة من الاستبداد، وأن يبدأ مرحلة جديدة قائمة على الحرية والعدالة والإنسان.


الصحفي ياسين نجار
جريدة المدار نيوز – نيويورك – الولايات المتحدة الأمريكية

احتفالات سوريا بعيد التحرير من النظام البائد وأول عيد ميلاد حقيقي للشعب السوري وملامح خطاب الرئيس السوري أحمد الشرع

شهدت المدن السورية خلال الأيام الماضية احتفالات واسعة بمناسبة عيد التحرير من النظام البائد، وهو الحدث الذي اعتبره السوريون بمثابة ولادة سياسية واجتماعية جديدة للدولة بعد سنوات طويلة من الأزمات والانقسامات والمعاناة. ويُعد هذا العام أول عيد ميلاد حقيقي للشعب السوري بعد أن استعادت البلاد وحدتها واستقرارها، وبدأت مرحلة جديدة قائمة على المصالحة الوطنية، وإعادة بناء الدولة، وإحياء مؤسساتها على أسس ديمقراطية حديثة.

أجواء احتفالية غير مسبوقة في المدن السورية
لأول مرة منذ عقود، خرج السوريون إلى الساحات والميادين العامة وهم يحملون أعلام بلادهم ويرفعون صور الشهداء والرموز الوطنية.
وشهدت دمشق، حلب، حمص، اللاذقية، درعا، الحسكة ومدن أخرى فعاليات رسمية وشعبية تضمنت:
– عروضاً فنية وثقافية لمدارس وجمعيات شبابية.
– مهرجانات موسيقية احتفالاً “بيوم الحرية”.
– تكريم عائلات الشهداء والمعتقلين السابقين.
– إطلاق مبادرات لإعادة إعمار الأحياء المدمّرة.
– فعاليات رياضية ومسيرات جماهيرية ضخمة.

رمزية “أول عيد ميلاد” للشعب السوري
اعتبر كثيرون أن الاحتفال هذا العام يمثل أول عيد ميلاد حقيقي للشعب السوري، بمعنى عيد ولادة وطن جديد قائم على:
– دستور حديث يعكس تطلعات السوريين.
– مؤسسات دولة تعمل لخدمة المواطنين.
– مرحلة جديدة خالية من الفساد المستشري.
– استعادة الثقة بين المواطن والدولة.
– فتح أبواب إعادة الإعمار وعودة المهجّرين.

خطاب الرئيس السوري أحمد الشرع
ألقى الرئيس السوري أحمد الشرع خطاباً تاريخياً خلال الاحتفال المركزي في دمشق، أكد فيه أن يوم التحرير يمثل بداية صفحة جديدة في تاريخ البلاد، وشدد على أن الحكومة الجديدة ملتزمة بمبادئ:
– المصالحة الوطنية الشاملة دون إقصاء أي مكوّن من مكوّنات المجتمع.
– إعادة إعمار سوريا وفق خطط تنموية شفافة، وبمشاركة السوريين في الداخل والخارج.
– محاربة الفساد وتعزيز مؤسسات الرقابة والقضاء.
– بناء دولة قانون تقوم على حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.
– إعادة الثقة بالاقتصاد الوطني وفتح المجال للاستثمار.
– تعزيز الدور الإقليمي لسوريا وبناء علاقات متوازنة مع الدول الصديقة.

رسالة الوحدة


وختم الرئيس كلمته بعبارة: “لقد تحرر الوطن… والآن يبدأ تحرر الإنسان.”
وهي الجملة التي تحولت إلى شعار للاحتفالات في معظم المحافظات، تعبيراً عن الأمل الكبير للمرحلة المقبلة.

خاتمة

يمثل عيد التحرير هذا العام محطة مفصلية في تاريخ سوريا الحديث، ليس فقط لرمزيته السياسية، بل أيضاً لكونه يعكس إجماعاً شعبياً على بداية مسار جديد. ومع خطاب الرئيس أحمد الشرع، يبدو أن السوريين يتطلعون إلى مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً، ويعتبرون هذا اليوم بمثابة ميلاد وطن جديد يُحتفل به جيلاً بعد جيل.

الشاعر الكبير أنس الدغيم… ذاكرة وطن ووجدان شعب

من بين الأصوات الشعرية التي تركت علامة فارقة في الوجدان السوري خلال العقد الأخير، يبرز اسم الشاعر الكبير أنس الدغيم كأحد أهم الرموز التي استطاعت أن تحوّل الكلمة إلى مساحة حرية، والقصيدة إلى وطنٍ بديل يحتضن ملايين السوريين المشرّدين في أصقاع الأرض.

لقد عاش السوريون سنوات قاسية حملت في طياتها الألم والتهجير والفقد، وفي خضم هذه المآسي ظهر شعر أنس الدغيم بوصفه ملاذاً روحياً، وامتداداً لصوت الشعب الذي كُتم في الشوارع فأطلقه في القصائد. لم يكن شعره مجرد كلام موزون، بل كان توثيقاً حيّاً للوجع السوري وبوابةً للذاكرة التي حاول الطغيان طمسها.

تميز أسلوبه بدمج البساطة بالعمق، والواقعية بالرمز، والحنين بالأمل. كثير من قصائده تحولت إلى أناشيد ثورية أصبحت جزءاً من الحراك الشعبي السوري.

ولا يمكن الحديث عن الدغيم دون التوقف عند شخصيته الإنسانية الرفيعة؛ المتواضعة الصادقة، التي تُجسد معنى المثقف الحقيقي. وأنا، ياسين نجار، أعتز كثيراً بصداقتي الشخصية معه، فهي علاقة تمتد على احترام وتقدير متبادل.

لقد دخل الشاعر أنس الدغيم إلى الخالدين وهو حيٌّ بيننا بعطائه، فقد بلغ مرتبة الخلود الشعري التي يصل إليها الكبار، فيما لا يزال إبداعه يتدفق، وكلماته تلامس القلوب وتلهم الأجيال.”

زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن ولقاؤه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب


في زيارة وُصفت بأنها خطوة دبلوماسية غير مسبوقة في تاريخ العلاقات السورية الأمريكية، قام الرئيس السوري أحمد الشرع بزيارة رسمية إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث استقبله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض. جرت الزيارة يوم 10 نوفمبر 2025، وشملت محادثات رفيعة المستوى تناولت مستقبل العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين، إضافة إلى التعاون في مجال مكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار في سوريا.

تأتي هذه الزيارة في إطار مرحلة جديدة تشهدها العلاقات السورية مع المجتمع الدولي، حيث تم خلال المباحثات التطرق إلى إمكانية تخفيف العقوبات الاقتصادية تدريجياً، وفتح قنوات تعاون في مجالات الطاقة وإعادة تأهيل البنى التحتية. كما ناقش الطرفان آفاق توسيع التنسيق الأمني والاستخباراتي في مواجهة التنظيمات المتطرفة في المنطقة.

وتشير مصادر سياسية إلى أن هذه الزيارة قد تشكل نقطة تحول مهمة على المستويين الإقليمي والدولي، خاصة فيما يتعلق بمحاور النفوذ والاصطفاف السياسي في الشرق الأوسط.

الصحفي: Yassein Najjar
جريدة المدار

ما هي الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعتها سوريا بعد التحرير؟

شكلت الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعتها سوريا بعد التحرير مع عددٍ من الدول والمنظمات الدولية والإقليمية محطة مفصلية في مسار إعادة بناء الدولة وتعزيز حضورها على الساحة الدولية، إذ تمثل أدوات عملية لفتح آفاق جديدة في مجالات حيوية تمس حياة المواطنين مباشرة، وتدعم التنمية المستدامة وإعادة الإعمار بعد سنوات من التحديات التي فرضتها الحرب التي شنها النظام البائد على الشعب السوري.

نحو خمسين اتفاقية ومذكرة تفاهم وقعتها سوريا، هدفت إلى تعزيز البنية التحتية عبر مشاريع في النقل الجوي والموانئ والجسور والطاقة، بما ينعكس على تحسين الخدمات الأساسية، كما شملت هذه الاتفاقيات دعم قطاعات حيوية، مثل الصحة والتعليم والزراعة والإغاثة، لضمان وصول الخدمات إلى الفئات الأكثر احتياجاً، إلى جانب توقيع اتفاقيات مع شركات عالمية وخليجية لتشجيع الاستثمار وتهيئة بيئة قانونية واقتصادية جاذبة لرؤوس الأموال.

وتضمنت هذه الاتفاقيات أيضاً، نقل التكنولوجيا والمعرفة، عبر إدخال الذكاء الاصطناعي في التعليم والزراعة، وتطوير الاتصالات والبنية الرقمية، كما اتجهت سوريا إلى تنويع شراكاتها الدولية من خلال التعاون مع دول عربية وأوروبية وآسيوية، بما يعزز مكانتها الدبلوماسية والاقتصادية، ولم تغفل هذه الاتفاقيات جانب الأمن والاستقرار، إذ شملت التعاون العسكري والدفاع المدني لمواجهة الكوارث الطبيعية والتحديات الأمنية.

الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والحاجة إلى الانتقال من اللاهوت إلى السياسة

تحوّل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، عبر عقود من الدم والخراب، من نزاع على حدود وجغرافيا إلى مرآة كاشفة لارتباكات الإنسانية المعاصرة: ارتباكات في الأخلاق كما في السياسة، في الذاكرة كما في المستقبل. لم يعد الأمر مجرد خصومة على الأرض، لقد أصبح ساحة يتصارع فيها تأويلان متضادان: تأويل يريد تثبيت أسطورة، وآخر يسعى إلى تحمّل مسؤولية الواقع. وكلاهما، رغم اختلافه، ما يزال محكوماً بمنطق يتردّد بين المقدّس والبشري، بين الحكاية المتخيّلة والوقائع الصلبة.

على الضفتين، توجد نزعة لإعادة إنتاج الماضي بوصفه قدراً مؤبداً: فثمة من يتعامل مع الوجود اليهودي وكأنه محكوم بقدر تاريخي لا يُقاوَم، وثمة من يتعامل مع الوجود الفلسطيني بوصفه شهادة دائمة على مظلومية لا تنقطع. وفي الحالتين، يتم احتجاز السياسة داخل سرديات ترى المعاناة أو الأسطورة محرّكين لتاريخ يجب أن يتجدّد لا أن يتجمّد.

لكن المأزق لا ينشأ من دعم طرف على حساب آخر، وإنما من الاعتماد على لاهوت يُحوّل الواقع إلى امتحان روحي: أحدهما لاهوت الوعود والاختيار، والآخر لاهوت الألم والصمود. وفي ظل هذا المنطق، يصبح الاعتقاد بأن الحقيقة تُستعاد بالنبرة الأخلاقية أو بالمرجعية الدينية مجرد وهم. فالشرعية السياسية لدى أي شعب أو كيان لم تُبنَ يومًا على النصوص وحدها، بل على الوقائع التي صنعتها الأفعال: الانتصارات، الهزائم، التحولات الديموغرافية، والهندسة القسرية للأرض والسكّان. إن تاريخ الأمم، سواء في أوروبا أو آسيا أو أي بقعة شهدت صراعات طويلة، يذكّرنا بأن الخرائط تصنعها القوى المحرِّكة للأحداث، لا الكتب المقدّسة ولا اليقينيات الأخلاقية.

ومن ثم، فإن التمسّك الحرفي بالتبريرات الدينية أو الأخلاقية، سواء من هذا الطرف أو ذاك، لا يُنتج دولة، ولا يضمن عدالة، ولا يفتح أفقًا سياسيًا. الحقوق والقوانين لا تسبق الواقع، بل تتشكّل بعده. وما دام الصراع يُدار بمنطق التطهير الأخلاقي أو الندبة التاريخية، فإن أي مقاربة للحل ستظل سطحية، عاجزة، ومُحبطة. لا تُمارَس السياسة من داخل الميثولوجيا، وإنما من داخل إدراك الطبيعة التراجيدية للتاريخ، ومن داخل قدرة الإنسان على تحويل الممكن إلى واقع.

ويكمن قسم كبير من العجز عن تجاوز الانسداد الراهن في ميل كثيرين من كلا الجانبين، وممن يناصرون أحدهما، إلى الاحتماء بنقاء الموقف الأخلاقي، كما لو أنه فضيلة سياسية بذاته. يصبح التمسك بالهزيمة بطولة، وبالعداء هوية، وبالذاكرة سجنًا. وهكذا تتحوّل النوايا الحسنة إلى قوة معيقة، لأنها ترفض الانخراط في السياسة الحقيقية: سياسة التفاوض، والمخاطرة، والتسويات المؤلمة.

حين يُختزل السلام في فكرة تصحيح أخطاء الماضي أو تعويض المعاناة، يتحول إلى مشروع هشّ، معلّق بين الذنب والانتقام. أمّا السياسة في تعريفها الأعمق فهي قدرة البشر على الخروج من لاهوت الألم إلى براغماتية الحياة المشتركة: لا تبرئة لأحد، ولا شيطنة مطلقة، بل تقييم للأفعال وما تتيحه من فرص لبناء زمن لا يعيد إنتاج الكارثة.

إن الخروج من دائرة الدم ليس تمرينًا على الذاكرة، بل على النضج: أن تمتلك الشعوب الشجاعة لتجاوز طهرانية المظلومية دون أن تتخلى عن حقّها، وأن تمتلك القدرة على فهم أنّ الأحلام وحدها لا تبني دولة، وأن الكرامة تُصان بالعمل والعقل، لا بالرثاء المنتظر لعدالة سماوية.

إن إدراك هذه الحقيقة لا يلغـي المآسي التي حدثت، ولا يمنع الاعتراف بالجراح المفتوحة، لكنه يغيّر موقعها: من عبء يُشلّ الحاضر إلى درس يحرّض على بناء مستقبل ممكن. والمستقبل الممكن لا يصنعه اللاهوت، وإنما السياسة، التي لا تمنحه الذاكرة وحدها، بل الشجاعة على مواجهة الواقع بما يقتضيه لا بما نريده.

بهذا فقط يمكن للفلسطينيين والإسرائيليين معًا أن يخطوا خطوة خارج الأسطورة نحو العالم، حيث لا يُدار التاريخ بالمرثيات، ولكن بالقرارات، ولا تُبنى الحياة المشتركة بالمعجزات، وإنما بالخيارات الصعبة التي تليق بمن يريد أن يعيش، لا أن ينتظر خلاصًا لا يأتي.

وليد الأسطل

هل يُقبّل باتمان سوبرمان في الفيلم القادم؟.. نخبرك كل ما نعرفه عن صفقة “نتفلكس”

أعلنت شركتا نتفلكس، ووارنر براذرز ديسكفري (WBD) عن إبرامهما اتفاقية نهائية تستحوذ بموجبها نتفلكس على الأخرى، وذلك في بيان رسمي على موقع الشركة، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة في سوق الإنتاج وصناعة الأفلام، وينذر بتغيرات كبيرة في سوق الترفيه العالمي.

ما اللافت في الأمر؟

هنالك مخاوف كبيرة على صناعة السينما، كون نتفلكس تطرح أفلامها الخاصة على منصتها، وتصدر بعضها في دور العرض لفترة بسيطة قبل إتاحتها للمشتركين على المنصة، إلى جانب التخوفات بشأن ثقافة “اليقظة” والترويج لـ”المثلية الجنسية” التي تعتمدها الشبكة.

ماذا تشمل الصفقة؟

تشمل الصفقة استوديوهات السينما، والتلفزيون التابعة لشبكة ووارنر براذرز ديسكفري (WBD) إلى جانب منصات، HBO Max وHBO.

ولا تشكل الصفقة شبكة “سي أن أن” الإخبارية وقنوات “الكابل” التي سيتم فصلها لاحقا في شركة تحت اسم “ديسكفري غلوبال” لتكون خارج الصفقة.

وعليه تحصل نتفلكس على حقوق سلاسل عملاقة كانت تنقصها، مثل هاري بوتر، وعالم دي سي (DC Comics) وتشمل شخصيات “باتمان”، و”سوبرمان”، ومسلسلات أيقونية مثل “صراع العروش” (Game of Thrones) و”الأصدقاء” (Friends).

كما أن الاستحواذ على شبكة HBO، سيضيف إنتاجات “نخبوية” إلى مكتبة الشركة.

كم تبلغ قيمة الصفقة؟

تبلغ قيمة الصفقة النقدية والأسهم 27.75 دولارًا أمريكيًا للسهم الواحد في WBD، بقيمة إجمالية للمشروع تبلغ حوالي 82.7 مليار دولار أمريكي، وتبلغ قيمة الأسهم لوحدها 72.0 مليار دولار أمريكي. 

ماذا قالوا؟

◼ قالت نتفلكس إنها تتوقع خفض التكاليف السنوية بما يتراوح بين ملياري دولار وثلاثة مليارات دولار على الأقل بحلول السنة الثالثة بعد إتمام الصفقة.

◼ أضافت نتفلكس أنها ستحافظ على طرح أفلام وارنر براذرز في دور السينما وستدعم محترفي الإبداع في هوليوود وتعزز إنتاجها في الولايات المتحدة.

◼ قال الرئيس التنفيذي المشارك لنتفلكس تيد ساراندوس: لطالما كانت مهمتنا ترفيه العالم ومن خلال الجمع بين مكتبة وارنر براذرز الرائعة من المسلسلات والأفلام مع مكتبة نتفلكس، يمكننا أن نمنح الجماهير المزيد مما يحبونه، ونساهم في رسم ملامح القرن القادم من سرد القصص.

◼ قالت نقابة الكتاب الأمريكيين في بيان “يجب منع هذا الاندماج… قيام أكبر شركة بث في العالم بابتلاع أحد أكبر منافسيها هو ما صُممت قوانين مكافحة الاحتكار لمنعه”.

◼ قالت منظمة “سينما يونايتد” العملاقة التي تدير آلاف شاشات العرض عالميا: الصفقة قد تقضي على 25 بالمئة من أعمال دور العرض محليا.

◼ قالت نقابة المخرجين الأمريكيين: سنجتمع مع نتفلكس لتوضيح مخاوفنا وفهم رؤيتهم لمستقبل الشركة بشكل أفضل.

صفقات مشابهة

◼ استحواذ ديزني على “توينتي فرست سينتشري فوكس” (21st Century Fox) عام 2019.

القيمة: حوالي 71 مليار دولار.

اشترت “ديزني” استوديو “توينتي فرست سينتشري فوكس” وحصلت على مكتبة كبيرة فيها إنتاجات ضخمة مثل , Avatar, The Simpsons، وشخصيات من عالم مارفل (إكس مين، وفانتاستك فور) وضمتها إلى منصتها “ديزني بلس”.

◼ استحواذ أمازون على “إم جي إم” (Amazon & MGM) – عام 2022

القيمة: 8.5 مليار دولار.

اعتبرت الصفقة أول إشارة قوية على أن “شركات التكنولوجيا” مثل أمازون يمكنها أن تلتهم “استوديوهات هوليوود القديمة”، وحصلت منصة أمازون برايم بالصفة على حقوق سلسلة أفلام أبرزها “جيمس بوند” (James Bond).

مخاوف بشأن الهوية الجنسية 

كما هناك تخوفات بأن تتجه نتفلكس في نسخ مقبلة من السلاسل الشهيرة إلى إدخال المزيد من الشخصيات المثلية حيث تقول الشركة صراحة إنها ملتزمة في إنتاجاتها بـ”الشمولية” لا سيما بخصوص التوجهات الجنسية.

وتظهر بيانات نتفلكس خلال الفترة بين 2018 و2023 ما نسبته 5.5 في المئة من الشخصيات الرئيسية او المشاركة في الأفلام من مجتمع الميم، و4.9 في المئة من طاقم التمثيل العام، فيما بلغت نسبة الشخصيات الناطقة 2.2 في المئة خلال المدة نفسها.

وسجلت مسلسلات نتفلكس خلال الفترة ذاتها تمثيلا أعلى، حيث بلغ حضور الشخصيات الرئيسية والمشاركة من مجتمع الميم 33.4 في المئة، وبلغت النسبة ضمن طاقم التمثيل العام 7.6 في المئة، فيما وصلت الشخصيات الناطقة الى 3.9 في المئة من إجمالي الشخصيات.

ومن أبرز منتقدي الإنتاجات التي تركز على “المثلية الجنسية” الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمقربون منه على رأسهم إيلون ماسك الذي ألغى اشتراكه في المنصة بسبب “أجندة اليقظة” والمتحولين جنسيا، التي تتبناها الشبكة.

وبحسب صحيفة “نيويورك بوست” فقد ناقش كبار مسؤولي البيت الأبيض مؤخرا مخاوف مكافحة الاحتكار المتعلقة بصفقة نتفلكس واستوديو وارنر براذرز بدعوى أنها ستمنح نتفلكس سلطة كبيرة على هوليوود.

ونقلت عن مسؤول حكومي قوله: “ستكون رحلة طويلة وستثير تحقيقا على غرار تحقيق غوغل وأمازون.”

ونقل موقع “فاندوم واير” عن مسؤول في “البنتاغون” أن الوزارة لن تخضع لمعايير أيدولوجية، وذلك ردا على فيلم عسكري من إنتاج نتفلكس يركز على “المثلية الجنسية”.

“طنجرة وجدت غطاءها”

تحتوي إنتاجات “وارنر براذر” ومن ضمنها عالم “دي سي” بالأساس على قائمة طويلة من الشخصيات المثلية جنسيا، أو المتحولة جنسيا، بدأت بالظهور في الثمانينيات لا سيما في القصص المصورة “الكوميكس”، وحتى الآن.

لكن صورة الأبطال مثل باتمان وسوبرمان بقيت في الأفلام الرئيسية دون مساس بهويتها الجنسية – حتى الآن على الأقل – وكانت إنتاجات القصص المصورة أكثر إبرازا لمجتمع الميم من الشاشة، لكن ربما يكون لنتفلكس لاحقا رأي آخر.

ودون المساس بالأب البطل، صورت “قصص دي سي” في أحد قصصها المصورة عام 2021، ابنه جون كينت، على أنه مثلي الجنس بصورة له يقبل الصحافي جاي ناكامورا، واعتبرت أن من شأن ذلك أن يعزز “التنوع”.

ماذا ننتظر؟

من المتوقع إتمام الصفقة بعد فصل قسم الشبكات العالمية التابع لشركة WBD، ديسكفري غلوبال، إلى شركة جديدة مدرجة في البورصة، والذي من المتوقع اكتماله في الربع الثالث من عام 2026.

العراق يخطط لمتحف حضاري جديد لإحياء مهد الحضارات

بغداد – أعلن وزير الثقافة والسياحة والآثار العراقي أحمد فكاك البدراني السبت، أن العراق بصدد الشروع في إنشاء متحف حضاري جديد على مساحة واسعة لعرض آثار متنوعة تمتد لآلاف السنين من تاريخ حضارة وادي الرافدين. وجاء هذا الإعلان خلال كلمة ألقاها الوزير في مؤتمر “شمولية المقاصد السياحية المعاصرة” المنعقد في بغداد بالتعاون مع جامعة الدول العربية والمنظمة العربية للسياحة، وبحضور ممثلين رسميين وشخصيات ثقافية وأكاديمية.

وقال البدراني في كلمته إن العراق يمتلك من المقومات الحضارية ما يجعله واحداً من أهم البلدان السياحية والثقافية في العالم، لكنه يحتاج إلى خطاب جديد وسياقات حديثة توظف تلك المقومات ضمن سياحة مستدامة، عربية ودولية. وأوضح أن الآثار ليست مجرد مقتنيات حجرية أو شواهد تاريخية، بل تمثل جذور الأمم ورمز أصالتها، وأن قدرتها على استقطاب الزوار مرتبطة بمدى نجاح المؤسسات الثقافية في تحويل الإرث التاريخي إلى تجربة سياحية حية وفاعلة.

وكشف عن اختيار موقع كبير سيُخصص لبناء المتحف الجديد، مؤكداً أن ما يملكه العراق في مخازنه من آثار يفوق بكثير ما هو معروض حالياً للجمهور، مشيرا إلى أن بلده يستعيد تدريجياً آلاف القطع الأثرية التي نُهبت في مراحل الاضطراب السياسي والأمني، وأن المتحف المرتقب سيكون منصة لعرض جزء مهم من هذه الكنوز، بما يعيد إلى الواجهة صورة العراق بوصفه مهد الحضارات البشرية الأولى.

ويأتي هذا الإعلان في سياق رغبة حكومية واضحة لإعادة الاعتبار للقطاع الثقافي والسياحي بعد سنوات طويلة من الإهمال والتحديات الأمنية والاقتصادية. فالعراق، على الرغم من كثافة الإرث الحضاري الممتد من سومر وأكد وبابل وآشور حتى العصور الإسلامية، ما يزال يفتقر إلى بنية متحفية متكاملة قادرة على استيعاب الكم الهائل من القطع الأثرية المحفوظة في المستودعات الرسمية.

وفي حديثه أمام المشاركين في المؤتمر، شدد البدراني على أن تعزيز السياحة الثقافية يتطلب رؤية شاملة تتجاوز فكرة العرض المتحفي التقليدي. فبعض مدن العالم – كما قال – تحولت بأكملها إلى متاحف مفتوحة، مما يجعل السياحة عنصرًا فاعلاً في الاقتصاد الوطني، مؤكدا أن صيانة المواقع الأثرية وترميمها ليست أعمالاً تقنية فحسب، بل تشكل مقصداً سياحياً بحد ذاته، وتسهم في بناء صورة حضارية متماسكة للدولة.

ولم يكتف الوزير بالحديث عن الجانب اللوجستي، بل تطرق إلى بُعدٍ آخر في حماية الآثار، موضحاً أن حماية المواقع الأثرية لا تقتصر على الدور الأمني أو انتشار قوات الشرطة، بل تشمل قبل كل شيء تعزيز وعي المواطن بقيمة الإرث التاريخي الذي يمتلكه. فالمواطن – بحسب تعبيره – يجب أن يكون أول من يحمي الآثار ويدافع عنها باعتبارها جزءاً من هويته الوطنية.

وأشار البدراني إلى أن العراق تمكن خلال السنوات الأخيرة من استعادة آلاف القطع الأثرية التي نُهبت خلال مراحل الانفلات الأمني، خصوصاً بعد عام 2003 وما تلاه من فترات عصفت فيها أحداث جسيمة بالبلاد. واعتبر أن جهود الاستعادة لم تكن مجرد عمليات تقنية أو دبلوماسية، بل تمثل استرداداً لجزء من ذاكرة العراق وعمقه التاريخي الذي حاولت الحروب والاضطرابات محوه أو تشويهه.

ومن هذا المنظور، يبدو المتحف الجديد امتدادا عملياً لتلك الجهود، فهو ليس مجرد مبنى حديث يضم قطعاً أثرية، بل تجسيد لمشروع وطني يرمي إلى ترميم الذاكرة العراقية وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة وللعالم.

ويمثل إعلان وزير الثقافة خطوة لافتة في مسار التحول الذي تحاول الحكومة العراقية رسمه في المشهد الثقافي والسياحي. فالعراق، الذي لطالما كان معبراً لتاريخ البشرية، يحتاج اليوم إلى مقاربة جديدة تستثمر إرثه الهائل في تطوير صناعة سياحية تدر دخلاً مستداماً وتُسهم في تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد شبه الكامل على النفط.

ثمة إدراك متزايد بأن الثقافة ليست ترفاً أو مجرد قطاع رمزي، بل رافعة تنموية حقيقية إذا ما أُديرت على نحو حديث ومتقن. ويشير إعلان المتحف إلى توجه نحو بناء مؤسسات ثقافية متقدمة تواكب المعايير العالمية وتستجيب لتطلعات الجمهور المحلي والزائرين الأجانب على حد سواء.

كما يبدو الإعلان منسجماً مع مساعٍ رسمية لترسيخ صورة العراق كمنصة حضارية عربية وإقليمية، خصوصاً مع تزايد اهتمام المنظمات الدولية والجامعات الأجنبية بالآثار العراقية ومواقعها المنتشرة في مختلف المحافظات. ومن شأن متحف جديد أن يشكل واجهة دبلوماسية ثقافية، ويعزز حضور العراق في الفضاء العالمي عبر “قوة ناعمة” تعتمد على التاريخ والثقافة والهوية.

غير أن الطريق أمام هذه الرؤية ليس سهلاً، فإقامة متحف حديث نِدّاً للمتاحف العالمية يحتاج إلى منظومة متكاملة من الكفاءات، والبنية التحتية، والقوانين الرادعة لحماية الآثار، إلى جانب بيئة أمنية مستقرة. كما يتطلب تطويراً في خدمات السياحة، من النقل والإيواء إلى الإعلام والتوعية المجتمعية.

لكن في المقابل، يملك العراق فرصة نادرة لإطلاق مشروع ثقافي نوعي قد يساهم في إعادة تشكيل نظرة العالم إلى البلاد، بعيداً عن صور الحرب والنزاعات. فالمتحف الجديد، إذا ما اكتمل وفق رؤية متقدمة، يمكن أن يصبح مركزاً للبحث والتعليم والسياحة، ومقصداً يعيد للعراق مكانته كحاضنة للحضارة الإنسانية.

التسامح وبلوى التفسّخ

شهدت مقولة التسامح جملة من التطورات، منذ تداول المفهوم في الأوساط الدينية والسياسية والمعرفية في أوروبا، مع مستهلّ الحقبة الحديثة. وبدا ترسيخ المفهوم حينها، في أوضاع مشحونة بالنزاعات والانقسامات، سبيلًا للخروج من دوّامة الفوضى التي ألمّت بالقارة مع بروز الانشقاقات البنيوية الكبرى في التفكير والتصورات، جرّاء الموقف من الحداثة والعلمنة، وجرّاء ما طرأ على مفهوم الدولة من تبدّل، وما صاحبه من هجران لمفهوم الرعية وانفتاح على مفهوم المواطَنة.

بدا التسامح المنطوي على دلالات مغرية، مثل العفو، والتساهل، والاحترام، والكرامة، والقبول بالمغايرة وغيرها، سفينة النجاة للخروج من أوضاع الضيق والانغلاق والمركزية. وتجلى ذلك “في مديح التسامح” وفي رسائل “الحثّ على التسامح” التي دبجها كثير من الرواد في المجال، أمثال جون لوك، وباروخ سبينوزا، وفولتار وآخرون، ولكنّ ذلك الطور التأسيسي المثقل بالمخاوف والوعود، كان في واقع الأمر التمهيدَ الرخو الذي سار باتجاه التوليد النظري للمفهوم ثانية.

فمع الطور الثاني لمفهوم التسامح وقد خرج فيه من الحيز الغربي، والأوروبي تحديدا، إلى مجال عانقَ فيه العالمية والكونية، هو ما طبع صلة مفهوم التسامح بعالمنا مع القرن الفائت، وما خلّفه من تشبّث جملة من المعنيين بشؤون الأديان والحضارات باستعادة وعود المفهوم المغرية. بدا التسامح لغة جديدة، وسبيلا للتواصل بين علماء ورجال دين في تقاليد إيمانية عدّة، في زمن تقارب فيه أتباع الأديان، وتسارعت فيه المطالب بصياغة لغة جديدة، تتقلّص منها عبارات الهيمنة والأفضلية لمعتقد بعينه، ليعلوَ بدلها التطلّع إلى نحت “إيتيقا” مغايرة تهدف إلى إرساء التأسيسات اللازمة لإشاعة وئام جامع. تميّزَ الحديث عن التسامح، في هذا الطور الثاني، بالتعويل على تجديد الخطاب، من خلال البحث عن حيز للآخر في رحابة اللاهوت الذاتي، وفي التمثلات الثقافية بعيدا عن الانغلاق. صيغت مراجعات مهمّة في تشريعات الأديان الكبرى، لاحت آثارها في انفتاح القائمين على الأديان الإبراهيمية، على بعضهم البعض، بشكل لم نعهده. بدا ذلك جليا في مقرّرات مجمع الفاتيكان الثاني (1962/1965) في الكنيسة الكاثوليكية، وما تمخّض عنه من طروحات مستجدّة كان لها وقع على الأديان الأخرى.

والواقع أن رجال الدين والفقهاء والعلماء في شتى التقاليد الدينية، لم يدّخروا جهدا في هذا السياق. خاضوا في مسائل على صلة باستيعاب الآخر، مواكَبةً للتحولات في العالم، مع شيوع مبادئ حقوق الإنسان، وترسّخ فكرة المواطَنة، وتداخل الجغرافيات الدينية. وبالمثل اشتغل كثير من المفكرين على مراجَعات وانتقادات لطروحات الانغلاق المتراكمة عبر قرون، بغرض التأسيس لوئام جماعي ووفاق إيماني، يخرج بمقتضاه التصوّر الديني من ضيق المركزية العقدية إلى رحابة التشاركية الإيمانية، بما يفسح المجال للآخر بالحضور والإسهام في النسيج المجتمعي. الأمر تطلّبَ مراجَعات فقهية ولاهوتية هائلة: برز في المسيحية الاشتغال على “لاهوت الأديان” وعلى مفهوم “الحرية الدينية” من الأمور اللازمة لمواكبة العصر، ولإيجاد لغة تقطع مع الانغلاق الذي تلخّص في المقولة القروسطية “لا خلاص خارج الكنيسة”. وفي الجانب الإسلامي بدا الاشتغال على البحث عن “كلمة سواء”، عبر مراجعات طالت مفاهيم مترسّخة مثل أهل الذمّة وأهل الكتاب وضوابط فقهية متقادمة. ولاح الاشتغال هدفا منشودا للحفاظ على سلامة المجتمعات، ولإيجاد لغة تخاطُب وتواصُل مع العالم. لم تكن اليهودية بعيدة عن هذا التمشي، وجرت مراجعات مهمّة لمفهوم اليهودي، ومفهوم الغويم، ترافقا بالبحث عن نصب خيمة إبراهيم مجددا في مفترق الطرقات لاحتضان الجميع. وقد تطلّب الأمر جرأة عالية من العقل الديني: اللاهوتي/ الفقهي/ الحبري، الذي عانى من تراكمات هائلة، بحثًا عن تعامل سويّ في عالم ديني جديد. والملاحظ بشأن خطاب التسامح في هذا الطور، في الأديان الثلاثة، أنّ التراث الصوفي، قد مثّل عنصرا لافتا في إبراز قدرة الأديان على التسامح، وعلى الخروج من البراديغمات المنغلقة، أعاد للذات المؤمنة رحابتها وثقتها واحتفاءها برأسمالها القيَمي.

والمتابع لجينيالوجيا التسامح يلحظ أنّ المفهوم متحوّل وغير مستقرّ على حال، وهو بصدد ولوج طور جديد يضعنا فيه مسار التحول أمام مطلب جوهري يتمثّل في الإجابة عن سؤال: كيف نسكن العالم؟ فاللافت أن مفهوم التسامح قد اشتكى مع أواخر الألفية الثانية من بلوى التفسّخ، وهو داء متربّص يصيب المفاهيم بالابتذال والخواء، أو ما يشبه الشيخوخة، والأمر عائد بالأساس إلى حالة الجمود وغياب تطوير الدلالات، وعدم الانتقال بالمفاهيم من طور خُلقي إلى طور عملي، ومن مستوى عاطفي إلى مستوى مؤسّساتي. فحين يجتاز المفهوم اختبار الولادة الثانية، يثبت حينها جدارته وديمومته، وهو المصير نفسه الذي عرفته مفاهيم كبرى رافقت البشرية في رحلتها، مثل الديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان. وما كان لتلك المفاهيم وغيرها أن يُكتب لها الاستمرار لولا تلك التحولات والمراجعات والقطائع التي شهدتها.

وفي مسيرة تحول مفهوم التسامح، جرى البحث عن بدائل طورًا في التفاهم، وتارة في التضايف، وأخرى في التعايش، وهو بحث قلق ومشروع، ولكن الملاحظ أن التسامح ظلّ البؤرة الدلالية الأم التي يستند إليها السلم والأمن والأخوّة والحوار. والطور الحالي الذي نعيشه يُلزم بالخروج من “مديح التسامح” إلى “تمكين التسامح”، والبحث عن تنزيل مضامينه ضمن سياقات معرفية وإجراءات عملية. فأمام التقارب الهائل بين البشر، من شتى المعتقدات والثقافات، باتت جملة من التساؤلات ذات الصبغة العاطفية، في السابق، مدعوة للتحول نحو صبغة إجرائية. ولذلك أضحى طورُنا الحالي في فهم التسامح معنيا أكثر بالتحول من التسامح الخُلقي إلى التسامح العملي.

فمع التغيرات التي شهدها عالمنا منذ مطلع الألفية الثالثة، من ثورة الاتصالات الخارقة إلى موجات الهجرة العارمة، بدا موضوع التعدّدية محفّزا للأديان للتشبّث بمقولة التسامح وترسيخ أبعادها في المعيش اليومي وفي السلوك العملي. واللافت أنّ زمن التعدّدية الذي نعيشه يُلزم بإعطاء دلالات حقيقية لمفاهيم كانت في ما مضى نظرية أو ضبابية، أو مشحونة بدلالات خُلقية مفتقرة إلى بُعد عملي.

لماذا باتت الحاجة ملحّة إلى التسامح العملي في الزمن المعولم؟ نلحظ في غياب التسامح المؤثّر في نسيج المجتمعات أن جموعا واسعة تجد نفسها أمام وحش التشدّد، ودوّامة العنف، وانخرام القِيم، وهي مهالك تتربّص بمنجزات قيّمة تحقّقت في مجال التقارب بين البشر. لذا يلوح التسامح العملي بمثابة القدرة التنفيذية لتفادي مغبة التراجع عمّا تحقق للبشرية من إنجازات على مستوى كوني. والمتمعّن في تطوّر مفهوم التسامح يلحظ أن تشبّث البشرية بالتسامح وإصرارها عليه يأتي كلاهما جراء إدراك تلك الحاجة عقليا. فكما يقول كانط في ذلك المقطع الشهير في رسالة “السلام الدائم” حتى الشياطين، أو الأفراد الأنانيين للغاية، يحتاجون إلى الدولة، بشرط أن يكونوا عقلانيين، وعلى المستوى الدولي يحتاجون إلى جمهورية عالمية. يحتاجون إلى الدولة، بمعنى تقبل الجموع بنظام يرعى سير العلاقة بينهم، وهو أمر نابع من حاجة اضطرارية لأداة تنظّم سير العلاقة بين الجميع، لأن في انتفاء تلك الأداة يتهدّد كيان الجميع، وبالتالي ضرورة تقليص الجميع من رصيد الأنانية والتفكير بمنظور جمعي.

من هذا الاضطرار العقلي أو الحاجة العقلية، كما يبيّن كانط، يلوح التسامح في ظرفنا التاريخي الحالي مقبلا على تبدلات بحجم التحديات الكبرى، تسير صوب التمكين العملي.

شركة OpenAI تتطلع إلى الفضاء لإطلاق مراكز ذكاء اصطناعي تدور حول الأرض

نقلت تقارير صحفية أن الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن ايه أي – OpenAI”، سام ألتمان، يدرس مشروعا فضائيا طموحا يهدف إلى إدخال الشركة في قطاع الفضاء، في خطوة قد تجعله منافسا مباشرا لإليلون ماسك وشركته “سبيس إكس”.

ووفق صحيفة “وول ستريت جورنال”، بدأ ألتمان خلال الصيف الماضي مفاوضات استكشافية مع شركات صواريخ ناشئة، أبرزها “ستوك سبيس”، لبحث إمكانية استثمار مليارات الدولارات مقابل الاستحواذ على حصة مسيطرة في إحدى هذه الشركات.

وتمثلت الفكرة في استخدام الصواريخ لنقل مراكز بيانات تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى مدار حول الأرض، استجابةً للطلب المستقبلي المتوقع على الطاقة والحوسبة، والذي قد يتجاوز قدرات الأرض.

وترتبط هذه التطورات بخلفية طويلة من العلاقة المعقدة بين ألتمان وماسك، اللذين أسهما معا في تأسيس “أوبن ايه أي” عام 2015 قبل انفصالهما في 2018 بسبب خلافات حول الإدارة والتمويل.

وتصاعدت المنافسة بينهما علنا بعد إطلاق “جي بي تي” عام 2022، ورد ماسك بتأسيس شركة xAI وإطلاق نموذج الدردشة “غروك”.

ورغم أن مشروع ألتمان الفضائي ما يزال في مرحلة مبكرة وقد توقف مؤقتا حسب مصادر مطلعة، فإنه يعكس رؤيته البعيدة المدى، إذ صرح سابقا بأنه يشك في قدرة الأرض على تلبية احتياجات الطاقة البشرية مستقبلا، معتبرا أن الفضاء سيكون الحل.

وتأتي هذه الطموحات في وقت تواجه فيه OpenAI ضغوطا داخلية كبيرة، حيث أعلن ألتمان مؤخرا حالة “الإنذار الأحمر” داخل الشركة بعد إطلاق “غوغل” نموذج “جيميني 3 – Gemini”، الذي تفوق على “ChatGPT” في اختبارات معيارية عدة.

ورغم التهنئة العلنية لغوغل، اعترف داخليا بأن شركته “تأخرت وتحتاج إلى العمل بسرعة” لاستعادة موقع الصدارة، وبهذا يبدو بحسب الصحيفة أن ألتمان يخوض في الوقت نفسه سباقين متوازيين: سباق خارجي طموح نحو الفضاء، وسباق داخلي ملحّ للحفاظ على تفوق شركته في ميدان الذكاء الاصطناعي المتسارع بشكل غير مسبوق.