الطبيعة بوصفها تراثًا ثقافيًا عالميًا


تُعدّ الطبيعة إحدى الركائز الأساسية لوجود الإنسان واستمراره، فهي ليست مجرد مورد مادي قابل للاستهلاك،
بل تمثل منظومة أخلاقية وثقافية وروحية متكاملة، تشكّل جزءًا لا يتجزأ من التراث الإنساني العالمي.

المبررات:

1. لاهوتيًا:
إن إعادة تفسير العبارة التوراتية «أخضعوا الأرض» ضرورة أخلاقية معاصرة، بحيث تُفهم على أنها تكليف
بالرعاية والمسؤولية لا بالهيمنة والتدمير. فالطبيعة هي الخلق المطلق لله، وقد أُودعت لدى الإنسان كأمانة،
يُحاسَب على صونها وحمايتها، لا على استنزافها أو تشويهها.

2. فلسفيًا:
كرّست العقلانية الديكارتية والمثالية الألمانية مفهوم سيطرة الإنسان على الطبيعة، حيث اعتُبرت الطبيعة
موضوعًا خاضعًا للعقل الإنساني. ويعبّر إيمانويل كانط عن هذا التوجّه بقوله: «العقل الإنساني هو الذي يفرض
قوانينه على الطبيعة». وقد أسهم هذا التصور في تبرير الاستغلال غير المحدود للبيئة.

3. سياسيًا:
تعكس الدولة الحديثة صراعًا دائمًا بين استراتيجيات كبرى: البيئة مقابل الاقتصاد، والبيولوجيا مقابل
التكنولوجيا. وغالبًا ما يُضحّى بالطبيعة لصالح النمو الاقتصادي والتقدم التقني، ضمن منطق سياسي يسعى
إلى السيطرة بدل التوازن.

4. جماليًا – حسّيًا وفسيولوجيًا:
في سلّم القيم الإنسانية، تحتل الطبيعة المرتبة الأعلى، فهي المصدر الأول للجمال والتوازن النفسي
والجسدي. وبوصفها قيمة فوق-أخلاقية، فإنها تجسّد الحقيقة والخير والمعنى الأخلاقي للحياة.

5. علاجيًا:
أثبتت الطبيعة قدرتها العلاجية عبر التاريخ، كما في علاج الأمراض الجلدية في البحر الميت، وعلاج السل
وأمراض الجهاز التنفسي في الهواء الجاف لصعيد مصر، أو في الهواء الجبلي النقي في سويسرا.

6. إلهاميًا:
كانت الطبيعة ولا تزال مصدرًا رئيسيًا للإلهام الإنساني، ومنها استقى الفنانون والأدباء والشعراء
خيالهم ورؤيتهم للعالم.

7. إنسانيًا – كونيًا:
بينما يمكن قياس الأرض وتقسيمها سياسيًا، يبقى الهواء والسماء بلا حدود. ومع القوة التدميرية الهائلة
للأسلحة الحديثة، وخاصة النووية، يصبح من غير المقبول تعريف الهواء الذي نتنفسه ضمن أطر قومية أو
سياسية ضيقة.

الهواء النظيف والصحي حق إنساني أساسي، وليس ترفًا أو امتيازًا.

8. نداء عاجل:
إن التحديات البيئية التي تواجه البشرية اليوم تتطلب تحركًا فوريًا وجادًا من المجتمع الدولي،
وخاصة الجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، من أجل حماية الطبيعة باعتبارها تراثًا
ثقافيًا وإنسانيًا عالميًا.



إعداد:
الدكتور نديم سراج – ألمانيا

قصف أردني داخل الأراضي السورية بذريعة تهريب المخدرات: ما الحقيقة؟


شهد الجنوب السوري، ولا سيما محافظة السويداء، خلال الفترة الأخيرة تصاعداً في الأنباء حول تنفيذ ضربات جوية نُسبت إلى سلاح الجو الأردني، استهدفت مناطق داخل الأراضي السورية بذريعة ملاحقة شبكات تهريب المخدرات. وقد أثارت هذه التطورات جدلاً واسعاً حول حقيقة ما جرى، وأبعاده السياسية والأمنية، وانعكاساته على السيادة السورية والاستقرار الإقليمي.

خلفية الحدث:
الأردن يواجه منذ سنوات تحديات أمنية متزايدة على حدوده الشمالية، أبرزها تصاعد عمليات تهريب المخدرات، وخاصة حبوب الكبتاغون، عبر الأراضي السورية باتجاه الداخل الأردني. وفي هذا السياق، أعلن الأردن مراراً أن قواته تتعامل مع هذه التهديدات باعتبارها خطراً مباشراً على الأمن الوطني.

السويداء في قلب المشهد:
محافظة السويداء، بحكم موقعها الجغرافي وقربها من الحدود الأردنية، تحولت إلى إحدى نقاط العبور الرئيسية لعمليات التهريب. وتشير تقارير محلية وإعلامية إلى نشاط مجموعات مسلحة وشبكات منظمة تعمل في تجارة المخدرات، مستفيدة من حالة الفراغ الأمني النسبي في بعض المناطق.

حقيقة القصف:
بحسب ما تداوله الإعلام، فإن الضربات الجوية التي نُسبت للأردن استهدفت مواقع يُعتقد أنها تُستخدم كمخازن أو معامل لتصنيع وتخزين المخدرات. في المقابل، لم تصدر بيانات رسمية سورية تؤكد تفاصيل دقيقة عن طبيعة الأهداف أو حجم الأضرار، فيما اعتبر مراقبون أن أي عمل عسكري داخل الأراضي السورية يُعد انتهاكاً للسيادة، بغض النظر عن الذرائع الأمنية.

الموقف الأردني:
الأردن يبرر هذه العمليات بأنها إجراءات دفاعية استباقية تهدف إلى منع تهريب المخدرات قبل وصولها إلى أراضيه، مؤكداً أن هذه الشبكات باتت تشكل تهديداً عابراً للحدود، يتطلب تعاملاً حازماً.

موقف الأمم المتحدة:
على المستوى الدولي، تؤكد الأمم المتحدة في مواقفها المعلنة على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وتدعو إلى معالجة قضايا تهريب المخدرات عبر التعاون الإقليمي، وليس من خلال إجراءات عسكرية أحادية الجانب. كما تشدد على أن مكافحة المخدرات يجب أن تتم ضمن إطار القانون الدولي.

أبعاد سياسية:
تعكس هذه التطورات تعقيدات المشهد في الجنوب السوري، حيث تتقاطع ملفات الأمن، والسيادة، والجريمة المنظمة، في ظل غياب حلول سياسية شاملة للأزمة السورية.

خاتمة:
ما يجري في السويداء يسلّط الضوء على خطورة تحوّل ملف تهريب المخدرات إلى ذريعة لتجاوز الحدود والسيادة، ويؤكد أن الحل الحقيقي يكمن في معالجة جذور الأزمة السورية، وتعزيز التعاون الإقليمي تحت مظلة القانون الدولي، وليس عبر القصف وتوسيع رقعة التوتر.



بقلم: ياسين نجار
المدار نيوز – نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية

القصف على تنظيم داعش في سوريا


شهدت الساحة السورية خلال الفترة الأخيرة تطورًا لافتًا في طبيعة العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش، تمثّل في تنفيذ ضربات جوية دقيقة ضمن تنسيق مباشر بين القيادة السورية والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، في تحول نوعي عن المرحلة السابقة التي كان يُروَّج فيها لدور «قوات سوريا الديمقراطية – قسد» كطرف أساسي في هذه العمليات.

هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن السياق السياسي الأوسع، وتحديدًا رفع العقوبات عن سوريا، وما رافقه من إعادة ترتيب في آليات التواصل والتنسيق الأمني، بما يعكس مقاربة جديدة في التعامل مع ملف مكافحة الإرهاب.

وفق المعطيات الميدانية، نُفّذت عشرات الضربات الجوية الدقيقة خلال الأسابيع الأخيرة، استهدفت مواقع وتحركات ومخازن سلاح وخلايا نشطة لتنظيم داعش في مناطق متفرقة من البادية السورية وأطراف بعض المحافظات الشرقية. وقد أسفرت هذه العمليات عن نتائج إيجابية واضحة، تمثلت في تقليص قدرة التنظيم على الحركة، وتعطيل خطوط الإمداد، وإضعاف قدرته على تنفيذ هجمات ضد المدنيين والقوات المنتشرة.

عسكريًا، تؤكد هذه النتائج أن محاربة داعش تصبح أكثر فاعلية عندما تتم ضمن إطار سيادي رسمي، وبالتنسيق مع مؤسسات الدولة، لا عبر قوى محلية غير رسمية. وقد ساهم هذا التنسيق في سد الثغرات الأمنية التي كان التنظيم يستغلها سابقًا.

أما على الصعيد الدولي، فقد أكدت الأمم المتحدة في أكثر من موقف أن محاربة تنظيم داعش تمثل أولوية دولية، مشددة على ضرورة احترام القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين، وعلى أهمية دعم جهود الدولة السورية في بسط الأمن ومكافحة الإرهاب.

في المحصلة، تعكس هذه العمليات العسكرية إعادة رسم لخريطة التحالفات في سوريا، حيث بات التعامل الأمريكي مباشرًا مع القيادة السورية والتحالف الدولي، فيما يشهد دور قسد تراجعًا واضحًا بعد رفع العقوبات، لصالح مقاربة أكثر استقرارًا وواقعية في محاربة تنظيم داعش.

بقلم: ياسين نجار
رئيس التحرير – جريدة المدار نيوز
نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية