خيال علمي يصبح حقيقة… روبوتات دقيقة ستساهم في توصيل الأدوية داخل الجسم البشري

في حين يبدو أن الروبوتات الصغيرة القادرة على الزحف داخل الأنقاض أو عبر الجسم البشري لتوصيل الأدوية تنتمي إلى عالم الخيال العلمي، إلا أن الواقع أصبح أقرب إلى هذه الفكرة.

باحثون من جامعة ولاية بنسلفانيا يقودون فريقاً دولياً في تطوير روبوتات لينة مبتكرة، تم تصميمها لتكون مرنة وذات قدرة على التفاعل مع المحيطات المختلفة، سواء داخل الجسم البشري أو في بيئات مدمرة، وفقاً لموقع «ساي تك دايلي».

الروبوتات اللينة بين الخيال والواقع

الروبوتات اللينة تختلف عن نظيراتها التقليدية الصلبة؛ حيث تعتمد على مواد مرنة تحاكي حركات الكائنات الحية، ما يمنحها القدرة على التكيف مع الأماكن الضيقة والمعقدة. وهذه الروبوتات تتمتع بإمكانات هائلة، سواء في عمليات البحث والإنقاذ داخل المباني المدمرة أو في توصيل الأدوية داخل الجسم البشري.

التحديات التقنية

رغم إمكانات هذه الروبوتات الكبيرة، فإن دمج أجهزة الاستشعار والإلكترونيات مع هذه الأنظمة اللينة كان يُعد من أكبر التحديات.

ووفقاً للبروفيسور هوانيو لاري تشينغ، أحد الباحثين الرئيسيين في المشروع، تُمثل أهم التحديات في جعل هذه الروبوتات أكثر ذكاءً وقدرة على التفاعل بشكل مستقل مع البيئة المحيطة بها، دون الحاجة لتدخل بشري مستمر.

دمج الإلكترونيات المرنة

تتمثل الخطوة الرئيسية نحو تحسين هذه الروبوتات في دمج الإلكترونيات المرنة، وهو ما يُعزز قدرتها على العمل في بيئات معقدة دون التأثير على مرونتها. فالحلول المطروحة لم تتوقف عند تحسين القدرة على الحركة، بل شملت أيضاً منع التداخل الكهربائي والمغناطيسي الذي قد يؤثر على أداء الأجهزة الإلكترونية الخاصة بالروبوتات.

تطبيقات عملية في البحث والإنقاذ والطب

الروبوتات اللينة لا تقتصر فوائدها على الاستخدامات العسكرية أو الصناعية، بل يمكن أن يكون لها دور بارز في الطب أيضاً.

ففي عمليات البحث والإنقاذ، يمكن لهذه الروبوتات التنقل عبر الأنقاض واكتشاف الضحايا المحاصرين. أما في المجال الطبي، فقد تستجيب لتغيرات في مستوى الرقم الهيدروجيني أو الضغط داخل الجسم، ما يُتيح توصيل الأدوية بدقة أو جمع العينات.

الخطوة التالية: حبوبات روبوتية في الجسم

أحد التطبيقات المُثيرة التي يعمل عليها الفريق هو ابتكار حبوبات روبوتية يمكن ابتلاعها والتنقل عبر الجهاز الهضمي، للكشف عن الأمراض أو توصيل الأدوية مباشرة إلى المناطق المتأثرة في الجسم. هذه التكنولوجيا قد تُحدث ثورة في مجال التشخيص والعلاج، ما يُتيح تقليل الحاجة للإجراءات الجراحية التقليدية.

مستقبل العلاجات الوعائية

مع تقدم هذه التكنولوجيا، يتصور الباحثون إمكانية استخدامها في العلاجات الوعائية؛ حيث يمكن حقن الروبوتات في الأوعية الدموية لعلاج الأمراض القلبية أو توصيل الأدوية مباشرة إلى المناطق المتضررة، وهذه التطبيقات قد تفتح آفاقاً جديدة للعلاجات الطبية غير الجراحية.

وفي حين لم تتم بعد تسميتها رسمياً فإن هذه الروبوتات اللينة تُمثل طفرة حقيقية في مجال التكنولوجيا الطبية والإنقاذ. ومع استمرار البحث والتطوير، يمكن لهذه التكنولوجيا أن تُغير شكل الطب الحديث، مقدمةً حلولاً غير جراحية لمشكلات كانت تُعدُّ في الماضي مستحيلة.

ردع العدوان… من مشارف حلب إلى قلب دمشق: حكاية الساعات التي أسقطت “نظام الأسد”

دمشق-سانا

مع فجر الـ27 من تشرين الثاني 2024، انطلقت معركة “ردع العدوان” التي حققت انتصاراً تاريخياً أفضى لسقوط نظام الأسد المجرم، وفتحت الباب أمام ولادة جديدة حَلُم بها الشعب السوري منذ اللحظة الأولى لانطلاق ثورته العظيمة في آذار 2011 وقدّم من أجلها نحو مليون شهيد، قتلوا جراء القصف، وتحت التعذيب في المعتقلات، إضافة إلى ملايين المهجرين واللاجئين.

المعركة التي استمرت 12 يوماً انطلقت في لحظة مفاجئة، حيث كان النظام يكثف قصفه على الشمال المحرر، في ظل أجواء دولية بدت حينها وكأنها تساعد في إعادة تعويمه، لكن الإعداد لها استمر لسنوات، حيث أكد الرئيس أحمد الشرع (قائد معركة التحرير) أن التحضير لها استمر خمس سنوات في إدلب، تم خلالها توحيد الفصائل واستيعاب القوى المختلفة، مشيراً إلى أنه كانت لدى النظام معلومات عن التحضير للمعركة وجنّد كل إمكانياته والبعض نصح بعدم فتح المعركة لعدم تكرار مشاهد غزة في إدلب، إلا أنه رغم ذلك قرر بدء المعركة تحت شعار: “نصرٌ لا ثأر فيه”.

أيامٌ متتالية من الانتصارات انهارت فيها قوات الأسد والميليشيات الداعمة له بشكل متسارع، لتعيد “ردع العدوان” ترتيب المشهد الوطني، ويعلن الشعب السوري فجر الثامن من كانون الأول خلاصه من النظام البائد، وأن إرادته الحرة هي التي ستكتب مستقبل سوريا الجديدة.

ولأن الانتصار لم يولد فجأة، فإن استعادة تفاصيله تحتاج إلى العودة خطوة بخطوة، منذ تحرير حلب وحتى لحظة دخول دمشق لتثبيت واقع جديد أنهى حكم عائلة الأسد الذي استمر “54” عاماً.

تحرير حلب… الشرارة الأولى نحو دمشق

بعد ظهر الأربعاء 27 تشرين الثاني 2024 أعلن القيادي في إدارة العمليات العسكرية حسن عبد الغني إطلاق عملية “ردع العدوان” رداً على استهداف النظام البائد المتواصل للمدنيين العزل بالقذائف والصواريخ والطائرات الانتحارية وما أسفر عنه من مآسٍ مروعة وتعطيلٍ للحياة، مؤكداً أنّ المعركة ليست خياراً بل واجب لحماية الأهالي.

أولى المعارك كانت في ريف حلب الغربي وخلال ساعات تمكن الثوار من تحرير العديد من القرى رغم الاشتباكات العنيفة مع قوات النظام البائد:
الساعة 15:00 تحرير قرى وبلدات الشيخ عقيل وبالا، وحيردركل وقبتان الجبل والسلوم وجمعية المعري والقائمة وحور.
19:00 بلدة عنجارة والفوج 46 وأورم الصغرى والهوتة وجمعية السعدية وعاجل.

الخميس الـ 28 من تشرين الثاني 2024 تحرر ريف حلب الغربي بالكامل والعديد من القرى بريف المدينة الجنوبي وريف إدلب الشرقي:
07:00 بلدة أرناز وكفربسين.
11:00 بلدات خان طومان وجب كاس والطلحية وتل الكراتين والبوابية وأبو قنصة وزيتان والصالحية.
12:00 بلدة كفرناها.
14:00 بلدة ياقد العدس وريف المهندسين الأول.
15:00 بلدة الزربة وعقدة عالم السحر وتلة الراقم.
21:00 بلدة كفر حلب.
02:00 بلدات ميزناز وكفر داعل والبلقوم وبابيص وبشقاتين وباشنطرة والمسئولية والأربيخ، ليعلن تحرير ريف حلب الغربي بالكامل.
16:00 بلدة كفر بطيخ بريف إدلب الشرقي.
14:00 قرى شغيدلة والسابقية وسد شغيدلة وبلدة الحاضر في ريف حلب الجنوبي.
15:30 تلحدية وخان السبل والترنبة في ريف إدلب الشرقي.
19:00 تل مرديخ بريف إدلب الشرقي، ورسم صهريج ورسم العيس بريف حلب الجنوبي.
20:00 تحرير سراقب بريف إدلب الشرقي.
وفي تمام الـ11:59 دقيقة أعلنت إدارة العمليات العسكرية تحرير مدينة حلب بالكامل.

تحرير حلب العاصمة الاقتصادية للبلاد بعد يوم واحد من بدء ردع العدوان كان لحظة حاسمة في المعركة، فإلى جانب انهيار قوات النظام البائد والانشقاقات الواسعة في صفوفها، شكل الفرح الشعبي بتحريرها رسالة لباقي المناطق بأن قوات “ردع العدوان” ستؤمن الأهالي على اختلاف مشاربهم في بيوتهم وأرزاقهم، ما أسقط كل المخاوف التي عمل النظام البائد على زرعها لسنوات في قلوب السوريين.

حلب كانت بمثابة إعلانٍ واضح أن السوريين باتوا يمسكون بزمام المبادرة، وبالفعل تحركت القوات سريعاً لتأمين كامل الشمال، وأصبحت إعزاز ومارع مركزاً لوجستياً، لاستكمال المعركة، وبالتوازي تمت إعادة ترتيب ريف إدلب، ليكون قلباً واحداً في هذه المعركة، فيما شكلت منبج والباب وجرابلس بريف حلب خط الإمداد المستقر لإتمام مسيرة التحرير.

يوم الجمعة الـ 29 من تشرين الثاني:
عملت قوات “ردع العدوان” على نزع الألغام من ريف حلب الغربي لتأمين عودة عشرات الآلاف من العائلات إلى منازلهم التي هجرهم منها النظام البائد لسنوات، كما عملت على إبعاد نيران مدفعية النظام البائد وتأمين الحماية للأهالي في عدد من المناطق المحاذية للجبهات.

يوم السبت الـ 30 من تشرين الثاني:
الساعة 11:40 تحرير 43 قرية وبلدة منها جرجناز وتلمنس وأبو الضهور في الريف الجنوبي والشرقي لإدلب، وعندان وكفرحمرة وحريتان وحيان في ريف حلب الشمالي.
12:00 بدء عملية دخول معرة النعمان في إدلب.
14:00 تحرير معرة النعمان.
15:20 تحرير كفر نبل في إدلب.
16:00 تحرير خان شيخون في إدلب.
16:40 تحرير 25 قرية وبلدة بريفي إدلب الجنوبي والشرقي.

يوم الأحد الـ 1 من كانون الأول:
10:30 تحرير بلدة خناصر، والسيطرة على أوتستراد خناصر حلب.
11:00 السيطرة على كلية مدفعية الميدان والأكاديمية العسكرية.
13:30 تحرير السفيرة والعدنانية وجبل عزان جنوب شرق حلب.
14:00 تحرير معان والكبارية وكوكب شمالي حماة، و السيطرة على جبل شحشبو في شمالها الغربي.
17:00 تحرير قرى الطليسية والشعثة والفان الشمالي وتلة الراي وطيبة الاسم في ريف حماة الشمالي.

يوم الإثنين الـ 2 من كانون الأول:
9:00 تحرير قريتي أم حوش والوحشية بمنطقة إعزاز بحلب، وقرى أم العمد وتل رحال والجوية والشيخ والحسامية بريف حلب.
10:20 قرى جيجان وتل جيجان وحليصة بريف حلب الشمالي.
11:00 قرية إحرص وتل قراح وتل حاصل بحلب.
3:00 قرية قصر أبو سمرة بريف حماة الشمالي الشرقي.
3:40 تحرير مدينة كرناز في ريف حماة الشمالي.
8:00 تحرير مدينة قلعة المضيق وقرى عدة في سهل الغاب شمال غربي حماة.

وبتحرير هذه الجبهات من قوات النظام البائد رغم الغارات الجوية الكثيفة، تم إغلاق جميع المنافذ أمام أي التفاف أو هجوم معاكس، وأصبحت الجبهة الشمالية قاعدة آمنة للتوسع نحو الوسط والجنوب، لتعلن إدارة العمليات العسكرية تأمين مدينة حلب بالكامل والتوجه نحو حماة.

يوم الثلاثاء الـ 3 من كانون الأول:
07:00 تحرير مدن صوران وطيبة الإمام وحلفايا ومعردس بريف حماة الشمالي.
17:00: 13 قرية أهمها الرهجان ومعرشحور بريف حماة الشرقي.
23:11 تحرير مدينة السفيرة بريف حلب الجنوبي.

يوم الأربعاء الـ 4 من كانون الأول:
5:00 الفرقة 25 مدرسة المجنزرات، وقرى المباركات ورسم البغل وعويجة والعيور وكاسون الجبل في ريف حماة الشرقي.
15:00 السعن وسروج ومعسكرها والشيخ هلال في ريف حماة الشرقي.
16:00: رحبة خطاب ومستودعاتها في ريف حماة الغربي.
19:00: قرى المجدل وتل بيجو والشيروسوبين وبلدة خطاب في ريف حماة الغربي.
18:00 تطويق الأطراف الغربية والشمالية لمدينة حماة.

يوم الخميس الـ 5 من كانون الأول:
12:00 التقدم في ضواحي مدينة حماة.
15:00 تحرير عدة أحياء والسجن المركزي بالمدينة.
16:00 تحرير المدينة بالكامل.
19:00 الانتهاء من تمشيط جبل زين العابدين وقمحانة في ريف حماة الشمالي، والانتهاء من تمشيط مطار حماة العسكري في ريف المدينة الغربي.
23:59 بداية وصول أرتال عملية “ردع العدوان” إلى ريف حمص الشمالي.

يوم الجمعة الـ 6 من كانون الأول:
14:30 تحرير منطقة السلمية في ريف حماة الشرقي.
20:00 مدينة محردة في ريف حماة الغربي، وتقسيس، الجمقلة، وبلدات تير معلة والزعفراني والمجدل ودير فول وأصيلة والفرحانية والوازعية والغصيبية والمكرمية وعز الدين في ريف حماة الجنوبي.
23:20 الرستن وتلبيسة والدار الكبيرة في ريف حمص الشمالي.

يوم السبت الـ 7 من كانون الأول:
12:00 تحرير كامل مدينة درعا.
13:00 مدينة الصنمين بريف درعا.
14:00 القريتين في ريف حمص الشرقي.
15:00 فرع سعسع ريف دمشق
16:00 بدأت قوات ردع العدوان بتطويق دمشق، وبدء عمليات خلف خطوط قوات النظام البائد وبدء دخول مدينة حمص.
18:00 محافظة درعا والقنيطرة والسويداء وتدمر جنوب سوريا.
19:00 الفرقة 26 والمشرفة و13 قرية أخرى في محيط مدينة حمص.

يوم الأحد الـ 8 من كانون الأول:
12:00 تحرير مدينة حمص بالكامل وسجنها.
1:00 بلدات عسال الورد ويبرود وفليطة والناصرية وعرطوز في ريف دمشق. 04:30 بدأت قوات ردع العدوان تدخل دمشق، تحرير سجن صيدنايا.
06:15 مدينة دمشق محررة بالكامل، وسقوط نظام الأسد.
06:18 فرار فلول النظام البائد من مدينتي اللاذقية وطرطوس.
06:45 تحرير دير الزور والميادين والبوكمال.
8:00 تحرير ريف حمص الغربي.
11:00: تحرير ريف حماة الغربي.
14:00 الانتهاء من بسط السيطرة وإحلال الأمن في مدينة دمشق.
يوم التحرير نزل مئات آلاف السوريين إلى الساحات في جميع المحافظات احتفالاً بالنصر والخلاص من قيود نظام بشار الأسد الذي فرّ هارباً إلى موسكو مع بعض كبار القادة في قواته، رافعين علم الثورة السورية ومرددين هتافات الحرية التي يعيشونها واقعاً حقيقياً للمرة الأولى منذ عقود، مؤكدين على وحدة السوريين وتكاتفهم في معركة البناء القادمة التي لا تقل أهمية عن معركة التحرير.

كيف تلقى العالم انتصار الثورة السورية وطي حقبة النظام البائد؟

رحبت الدول العربية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والعالم بانتصار الشعب السوري، وأكد المجتمع الدولي مواصلة دعم الشعب السوري لتحقيق الاستقرار والتنمية، وبدأت الوفود الدبلوماسية تتوافد إلى دمشق منذ الأيام الأولى للتحرير بعد قطيعة استمرت سنوات طويلة.

إنجازات التحرير.. سوريا الجديدة تشق طريقها بثبات

دخلت سوريا عقب سقوط النظام البائد الذي زعزع استقرار البلاد، ودمّر مدنها، وعزلها عن محيطها الإقليمي والدولي، مرحلة جديدة عنوانها بناء الدولة فمنذ اللحظات الأولى، شرعت القيادة في تأسيس جيش وطني، وإعادة هيكلة المؤسسات العامة، وتعزيز التماسك المجتمعي، بما يضمن تجاوز آثار الانقسام والنعرات التي خلّفها النظام البائد، وصون مكتسبات الثورة.

هذه الجهود استندت إلى إرادة الشعب السوري، لتؤكد أن معركة “ردع العدوان” لم تكن مجرد إسقاطٍ لنظام مستبد، بل كانت استعادة للدولة وبدءاً لمرحلة جديدة من التاريخ، يخطّها السوريون بأيديهم.

 

    •  

 

 

هل تسمح أميركا للصين بالتفوق عليها اقتصاديا؟

تسود المشهد العالمي حالة من الترقب عما سيفضي إليه الصراع الاقتصادي الأميركي مع الصين، إذ تحتل الأخيرة المرتبة الثانية عالميًا بعد الولايات المتحدة من حيث قيمة الناتج المحلي الإجمالي، ويرى البعض أنها مسألة وقت لتتجاوز الصين أميركا اقتصاديًا لا سيما مع المشكلات الداخلية لأكبر اقتصاد بالعالم حاليا.

وقد أعطى قيادة الصين لتجمع بريكس، وبروز دور هذا التجمع خلال السنوات الماضية، الأمل لدى البعض بأن ثمة قوة اقتصادية من شأنها أن تنافس أميركا، بل يذهب البعض إلى أن معادلة القوى الاقتصادية الحالية في طريقها للزوال، ليحل نظام اقتصادي عالمي متعدد الأقطاب، كبديل للنظام الحالي الذي تسيطر عليه أميركا منفردة.

وشهدت السنوات القليلة الماضية حالة من الصراع المكشوف بين أميركا والصين بالمجال الاقتصادي في أمرين هما التبادل التجاري، وقطاع التكنولوجيا.

ومن الضروري أن نقف على بعض المؤشرات الاقتصادية المنشورة التي تظهر أيا من الطرفين يميل ميزان القوة الاقتصادية لصالحه، لتكون الرؤية بعيدة عن العاطفة.

قيمة الناتج المحلي

تظهر أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي عدة أمور منها:

  • تقلص الفجوة بين الناتج المحلي الصيني ونظيره الأميركي عام 2021 إلى 5.4 تريليونات دولار.
  • بداية من عام 2022 وحتى 2024، زادت الفجوة بشكل ملحوظ إلى 7.6 تريليونات دولار ثم 9.4 تريليونات، ثم 10.4 تريليونات مما يشير إلى تفوق للاقتصاد الأميركي على الصيني في هذه السنوات، وأن هذا التقدم يأتي بناء على مقومات اقتصادية أفضل، مكنت أميركا من تصدر اقتصادات العالم.
  • في الوقت الذي ارتفع فيه الناتج الأميركي من 23.6 تريليون دولار عام 2021 إلى 29.1 تريليونا عام 2024، نجد أن الناتج الصيني ظل حبيس نطاق بين 18.2 تريليون دولار و18.7 تريليونا.

وإذا كانت الصين متأثرة بالتداعيات السلبية لأزمة كورونا منذ عام 2020، وأزمة الديون الداخلية، وتعثر في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة. فإن أميركا عانت هي الأخرى من أزمات التضخم وارتفاع البطالة وتراجع قيمة الدولار، وتفاقم أزمة الدين العام.

ولوحظ أن تباطؤ معدلات النمو العالمي، ومرور الاقتصاد العالمي بالعديد من الأزمات، مثل التضخم وحرب روسيا مع أوكرانيا وصراعات الشرق الأوسط وغيرها، كان لها تأثير واضح على اقتصاد كل من أميركا والصين، وباقي دول العالم.

السباق التكنولوجي

التكنولوجيا إحدى أهم أدوات الصراع بين أميركا والصين، ويترجم هذا في مجالات كثيرة على رأسها السلاح والأدوية ووسائل الاتصال والمواصلات.

وما هو متعارف عليه في قياس هذا السباق والاهتمام به: مؤشر الإنفاق على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي.

وباستعراض الأرقام الخاصة لهذا المؤشر خلال آخر 5 سنوات، أتيحت عنها بيانات 2018-2022، اتضح الآتي:

  • من حيث النظر للإنفاق على البحث والتطوير في كل من أميركا والصين، نجد تقدما أميركيا على الصين في هذا المجال، سواء من حيث نسبة الإنفاق للناتج المحلي، أو قيمة الإنفاق بالمليار دولار.
    • من حيث قيمة الإنفاق، نجد أن أميركا على مدار الفترة من 2018-2022، تنفق ضعف ما تنفقه الصين على البحوث والتطوير، ومن هنا نجد الفجوة التكنولوجية لصالح أميركا، وهو ما ظهر في الاتفاق الأخير بين البلدين بشأن تسوية الرسوم الجمركية، حيث قبلت الصين رفع الرسوم الجمركية على صادراتها لأميركا بنحو 30%، مما كانت عليه قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض، مقابل أن ترفع أميركا القيود المفروضة على صادرات التكنولوجيا المتقدمة.
      • نسبة الإنفاق على البحث والتطوير من الناتج المحلي في أميركا أفضل منها في الصين، ففي عام 2018 كانت النسبة في أميركا 2.99% نسبة إلى الناتج المحلي، بينما في الصين كانت النسبة 2.14%، وظل الفرق على مدار الفترة في صالح أميركا. ففي عام 2022 كانت النسبة بأميركا 3.59% وفي الصين 2.5%، مع ملاحظة الزيادة في قيمة الناتج المحلي لأميركا مقارنة بالصين.

وقد تكون القيم الخاصة بالإنفاق على البحث والتطوير مرتفعة في أميركا بسبب ارتفاع مستوى المعيشة والدخول بشكل عام، ولكن علينا أن نأخذ في الاعتبار أن أميركا ما زالت تمسك بزمام التكنولوجيا في مجال السلاح والدواء ووسائل الاتصال والمواصلات، وهو ما ظهر بشكل واضح على مدار السنوات الماضية، في أزمة شركة هواوي الصينية، وكذلك التهديد الأميركي الذي أعلنته بإمكانية منع دراسة الطلاب الصينيين بالجامعات الأميركية.

وتجتهد الصين في سد الفجوة التكنولوجية، وتحاول أن تجعل ميزة الولايات المتحدة عليها نسبية وليست تنافسية، إلا أن الأخيرة -بسبب انفتاحها الكبير على جميع دول العالم لاستقطاب الكفاءات العلمية والعقول المتميزة منذ سنوات- ميزتها وقوت موقفها، مقارنة بالصين التي بدأت متأخرة جدًا في فتح المجال لاستقدام الأجانب في منح دراسية.

نصيب الفرد من الدخل القومي

استخدام هذا المؤشر يتطلب أن نأخذ في الاعتبار أن عدد السكان مختلف تمامًا بين البلدين، فالصين يصل عدد سكانها إلى 1.4 مليار نسمة، مقابل عدد سكان لأميركا البالغ 340 مليون نسمة، أي أن عدد سكان الصين أكثر من 3 أضعاف سكان أميركا، ومع ذلك فالأخيرة بشكل عام دخلها القومي يفوق الدخل القومي للصين.

ولو افترضنا أن عدد السكان متساو في كل من أميركا والصين، فإن نصيب الفرد في أميركا سيكون أفضل من الصين بسبب زيادة الدخل القومي في أميركا مقارنة بالصين.

وقد يتبادر إلى الذهن، سبب استخدام هذا المؤشر، والحقيقة أن المقارنة هنا عادلة، لكون الدولتين تعتمدان في تحقيق الدخل القومي على الإنتاج والتكنولوجيا، وليس على مصادر ريعية، ومن هنا فالمقارنة لها اعتباراتها ودلالاتها العلمية.

وثمة فارق كبير بين متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي في كل من أميركا والصين، ويصل الفارق لصالح أميركا بنحو 6 أضعاف، مع مراعاة أن الصين لم تبلغ المتوسط العالمي -وفق هذا المؤشر- إلا عام 2022.

وختامًا، فإن المال والسلطة مجال للتنافس بين الدول على مر العصور، ولا يتصور أن تقبل أميركا بتقدم الصين اقتصاديًا أو أن يكون لها سلطان سياسي وعسكري ينافسها، ولعل المتابع لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يلاحظ هذا بشكل واضح.

فكلتا الدولتين تسعيان لتحقيق المزيد من التقدم، وتصدر المشهد العالمي بمقومات اقتصادية وسياسية وعسكرية، وأميركا سوف تسعى خلال الفترة القادمة للحفاظ على تقدمها من جانب، وعرقلة التقدم الصيني، وكذلك سيكون هدف بكين.

المصدر: الجزيرة