في ليلة ختام مهرجان برلين السينمائي بدورته الـ76، هزت السبت أركان “برليناله بالاست” صرخة مع صعود المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب منصة التتويج لتسلم جائزة أفضل عمل عن فيلمه “يوميات من الحصار” (Chronicles From the Siege)، فتحولت القاعة إلى ساحة للمواجهة.
الخطيب انتقد بشدة موقف الحكومة الألمانية من الحرب في غزة، ورغم الضغوط التي مورست عليه للصمت، قال: “لقد جئت إلى هنا لسبب واحد فقط.. لأقول إن الفلسطينيين سيكونون أحراراً”، لتنطلق بعدها موجة من التصفيق الحاد.
القضية الفلسطينية حاضرة
وخيّم على دورة مهرجان برلين السينمائي هذا العام جدل سياسي بشأن الحرب على غزة، مما تسبب في احتدام النقاش لتهيمن القضية الفلسطينية على الفعاليات المصاحبة.
وفي يوم الثلاثاء، أدانت رسالة مفتوحة وقّع عليها العشرات من شخصيات صناعة السينما، بما في ذلك الممثلان خافيير بارديم وتيلدا سوينتون والمخرج آدم مكاي، “صمت مهرجان برلين عن الإبادة الجماعية للفلسطينيين” واتهمته بالتورط في “فرض رقابة” على الفنانين الذين يعارضون ممارسات دولة الاحتلال.
التبرير بذريعة الديمقراطية
وخلال مؤتمر صحفي عُقد في بداية المهرجان الأسبوع الماضي، أجاب رئيس لجنة التحكيم فيم فيندرز على سؤال حول دعم الحكومة الألمانية لدولة الاحتلال بقوله “لا يمكننا حقًا الخوض في السياسة”.
وكان قال في المؤتمر الصحفي نفسه إن الأفلام لديها القدرة على “تغيير العالم” ولكن بطريقة مختلفة عن السياسة، إلا أن تعليقاته ردًّا على سؤال حول الاحتلال والإبادة في غزة أثارت عاصفة من الغضب.
منصة المواجهة.. زلزال للتضامن والاحتجاج
تميزت أفلام الدورة الـ76 بميل واضح نحو ابتعاد السينما عن مجرد الترفيه لتغوص في عمق الأزمات الإنسانية، ولعل الأعمال التي مُنحت الجوائز كانت رسائل للانحياز الواضح تجاه الأفلام التي امتلكت الشجاعة لقول الحقيقة.
كما كان صدى الحرب في غزة حاضرًا، حيث تحولت منصة التتويج إلى ساحة للاحتجاج السياسي الصارخ، واللحظة الأكثر تأثيرًا هي انتقاد المخرج الفلسطيني الخطيب الصمت الدولي إزاء القضية الفلسطينية.
وفي لقطة معبرة أخرى شهدتها الفعاليات الموازية، برز موقف بطولي للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، التي رفضت تسلم جائزة عن عملها “صوت هند رجب”، وتركت التمثال في القاعة مصرحة بأن السلام ليس “عطرًا نرشه على العنف كي تبدو السلطة مهذبة”، واصفة الجائزة بأنها تذكير بالدم لا تكريمًا للفن.
وقبل ذلك، كانت المخرجة اللبنانية ماري روز أوسطا قد انتقدت هي الأخرى من المنصة عمليات جيش الاحتلال، وعقبت مقدمة الحفل ديزيري نوسبوش لاحقاً بقولها: “وأنا متأكدة من أن قلوبنا مع جميع الأشخاص الذين يعانون، سواء بسبب الحروب أو بسبب الإرهاب”.
كما سجل المهرجان انسحاب الكاتبة الهندية أرونداتي روي احتجاجاً على تصريحات رئيس لجنة التحكيم، فيم فيندرز، التي دعا فيها إلى “إبعاد السينما عن السياسة”، معتبرة ذلك محاولة لتجريد الفن من مسؤولياته الأخلاقية.
هذا التوتر دفع فيندرز في كلمته الختامية إلى محاولة احتواء الموقف بدعوة السينمائيين والناشطين لأن يكونوا “حلفاء لا خصوماً” في معركة الحقيقة، مؤكداً أن “السينما لا تملك جيوشاً لكنها تملك القدرة على اختراق الجدران”.
الذهبية لرسائل صفراء
استطاع الفيلم الألماني-التركي “رسائل صفراء” (Gelbe Briefe / Yellow Letters) للمخرج إلكر تشاتاك (İlker Çatak) أن يقتنص جائزة “الدب الذهبي”، وهي أعلى جوائز المهرجان، ويمثل هذا الفوز لحظة تاريخية استثنائية، إذ يعد أول تتويج بـ”الذهب” لمخرج ألماني منذ أكثر من عقدين.
ويروي الفيلم، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالإنكليزية: يلو ليترز Yellow letters وعنوانه بالألمانية: غِلْبِه بريفه Gelbe Briefe) قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية.
وقال المخرج التركي الألماني إلكر تشاتاك في أثناء استلامه الجائزة: “التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم السلطويون.. والأحزاب اليمينية.. ومؤيدو النزعة الهدّامية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب حياتنا”.
الجوائز لـ22 فلما متنافسا
شهدت المسابقة الرسمية التي تنافس فيها 22 فيلما تنوعا مذهلا في الطروحات الجمالية والسياسية، وجاءت القائمة الكاملة للجوائز مصحوبة بشرح وافٍ لقضايا الأفلام الفائزة:
يتناول فيلم “رسائل صفراء” (Gelbe Briefe / Yellow Letters) الفائز بالدب الذهبي معاناة زوجين فنانين في تركيا بعد تعرض الزوج للملاحقة الأمنية بسبب منشوراته الرقمية، مما يضطرهم للتخلي عن استقرارهم.
ونال فيلم “الخلاص” (Kurtuluş / Salvation) جائزة الدب الفضي (الجائزة الكبرى للجنة التحكيم)، ويقدم المخرج أمين ألبير من خلاله رؤية ملحمية للصراعات الأخلاقية والسياسية التي تضرب جذورها في أعماق القرى النائية
أما فيلم “ملكة في البحر” (Queen at Sea) فقد حصد جائزة الدب الفضي (جائزة لجنة التحكيم)، ويستعرض المخرج لانس هامر تجربة سينمائية تأملية حول العزلة الإنسانية من خلال قصة امرأة تواجه تدهور ذاكرة والدتها وتأثيرات ذلك النفسية على حياتها الزوجية.
وفاز المخرج غرانت غي بجائزة الدب الفضي لأفضل إخراج عن فيلم “الجميع يعشق بيل إيفانز” (Everybody Digs Bill Evans)، الذي يركز على السيرة الذاتية والموسيقية لعازف الجاز الشهير بيل إيفانز في قالب وثائقي وتجريبي.
وحصلت النجمة الألمانية ساندرا هولر على جائزة الدب الفضي لأفضل أداء رئيسي عن فيلم “وردة” (Rose)، حيث تجسد دورا مركبا لامرأة تضطر للتنكر في زي رجل لمواجهة أشباح ماضيها وتحديات واقعها، في دراما تاريخية تستكشف مفاهيم الهوية والنوع الاجتماعي.
وذهبت جائزة الدب الفضي لأفضل أداء مساند مناصفة لتوم كورتيناي وآنا كالدر-مارشال عن فيلم “ملكة في البحر” (Queen at Sea)، بينما نال فيلم “نينا روزا” (Nina Roza) جائزة أفضل سيناريو للكاتبة جنيفيف دولود دي سيل، وهو عمل يطرح قصة بشأن التحقق من عبقرية طفل معجزة في الرسم.
وحصل فيلم “يو (الحب طائر متمرد)” (Yo – Love is a Rebellious Bird) على جائزة المساهمة الفنية المتميزة، إذ يقدم تجربة بصرية استثنائية تركز على الجماليات السينمائية ليروي حكاية عن الشغف والتمرد باستخدام لغة سينمائية تمزج بين الموسيقى والواقع المعاصر.
وفي فئة الأفلام الوثائقية، فاز فيلم “لو تحول الحمام إلى ذهب” (If Pigeons Turned to Gold) بجائزة أفضل فيلم وثائقي، وهو عمل للمخرجة بيبا لوبوجاكي يعكس نظرة تأملية حول تحولات الواقع والقدرة على استخراج الجمال من وسط الظروف الصعبة.
واختتمت الجوائز الكبرى بفوز الفيلم الفلسطيني “حكايات من الحصار” (Chronicles From the Siege) للمخرج عبد الله الخطيب بجائزة أفضل عمل أول، وهو فيلم يوثق فصولا مؤلمة وبطولية من صمود الإنسان الفلسطيني تحت الحصار، مقدما شهادة حية وجريئة على البقاء.