مقالة نارية | تخبّط مظلوم عبدي… حين تتحوّل القيادة إلى عبء سياسي

بقلم: ياسين نجار
رئيس التحرير – المدار نيوز
نيويورك – الولايات المتحدة الأميركية

لم تكن حلب يومًا مدينة هامشية في التاريخ السوري، ولا ساحة قابلة للتجارب السياسية أو العسكرية. هي مدينة القرار، والاقتصاد، والرمزية الوطنية. ومن يخطئ في قراءة حلب، يخطئ في قراءة سوريا بأكملها. ومع ذلك، وجدت قوات سوريا الديمقراطية نفسها داخل أحياء حلب بلا مشروع واضح، وبلا شرعية شعبية، وبلا قرار سياسي نهائي، لتدخل في واحدة من أكثر مراحلها ارتباكًا منذ تأسيسها.

في قلب هذا المشهد يقف مظلوم عبدي، القائد العام لقسد، كشخصية مثيرة للجدل، لا بسبب مواقفه فقط، بل بسبب غياب الموقف. فالتردد لم يعد مجرد تكتيك، بل تحوّل إلى سمة دائمة في قيادته، انعكست سلبًا على عناصره، وعلى البيئة الاجتماعية المحيطة به.

منذ اللحظة الأولى، لم يعلن مظلوم عبدي موقفًا واضحًا من الوجود في حلب. هل هو وجود دائم؟ أم ورقة تفاوض؟ أم مجرد انتظار لتوازنات دولية؟ هذا الغموض ترك عناصره في حالة ضياع، وفتح الباب أمام تصاعد الرفض الشعبي، خاصة مع فرض التجنيد الإجباري، وإنشاء حواجز أمنية غير منسجمة مع طبيعة المدينة.

قسد خسرت الشارع الحلبي قبل أن تخسر مواقعها. فالعلاقة مع الأهالي لم تُبنَ على شراكة أو احترام خصوصية المدينة، بل على منطق أمني بحت. وهذا ما جعل أي ضغط سياسي أو أمني كفيلًا بتفكيك حضورها دون الحاجة إلى معركة كبرى.

في المقابل، تعامل الجيش السوري مع المشهد بهدوء محسوب. لم يندفع إلى مواجهة مفتوحة، بل اعتمد سياسة النفس الطويل، مستندًا إلى عاملين حاسمين: الوقت، والمزاج الشعبي. ومع كل يوم يمر، كانت كفة الشرعية تميل لصالحه، فيما كانت قسد تفقد المزيد من أوراقها.

الهزيمة التي مُنيت بها قسد في حلب لم تكن عسكرية بالمعنى التقليدي، بل سياسية بامتياز. لم تُرفع رايات الاستسلام، ولم تُعلن بيانات الانسحاب، لكن الواقع فُرض. انسحابات صامتة، وتفاهمات اضطرارية، وغياب كامل لأي خطاب منتصر.

مظلوم عبدي ظهر في هذه المرحلة كقائد عاجز عن اتخاذ قرار نهائي: لا مواجهة، ولا انسحاب مشرّف، ولا اتفاق واضح. هذا النوع من القيادة لا يصنع انتصارات، بل يراكم الخسائر المؤجلة.

إن أخطر ما واجهته قسد في حلب ليس الجيش السوري، بل الحقيقة السياسية: لا يمكن فرض مشروع سياسي دون قبول الناس. ولا يمكن الاعتماد إلى ما لا نهاية على مظلة خارجية متقلبة.

حلب وجّهت رسالة قاسية لكنها واضحة: من لا يملك قرارًا مستقلًا، ولا رؤية واضحة، ولا شجاعة الاعتراف بالخطأ، لا يمكنه البقاء لاعبًا مؤثرًا.

الخلاصة أن ما جرى في حلب سيُسجّل كنقطة تحوّل في مسار قسد، وكإنذار مبكر بأن زمن إدارة المناطق بالانتظار والتردد يقترب من نهايته. ومظلوم عبدي، إن استمر في هذا النهج، فلن يُذكر كقائد خسر معركة، بل كمن أضاع الفرصة، وأربك رجاله، وترك قراراته معلّقة بين واشنطن ودمشق، دون أن يرسو على بر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *