فيلم “المصفوفة” The Matrix.. هل أنا حقا أنا؟
هل أنت حقيقي؟، هل يمكن أن نكون أنا وأنت مجرد آحاد وأصفار في جهاز عملاق دون أن ندري؟، ونعيش في وهم يمكن أن يصحوا منه من كان محظوظا، أو في الأحرى من كان قليل الحظ.
علة الوجود عند ديكارت هي الشك، والوعي والتفكير، لخصها بقوله “أنا أشك، إذا أنا أفكر، إذا أنا موجود”.. سكان المصفوفة على علة ديكارت “موجودون” لأنهم يفكرون، ويأكلون، ويشربون، لكنهم في الحقيقة يعيشون في “كهف أفلاطون”.
في “كتاب الجمهورية” لأفلاطون، يعيش سكان الكهف وهم يؤمنون أن ما يرونه من ظلال خلقتها النار على جدران الكهف هي الحقيقة المطلقة، بينما اكتشف من أتيح له الخروج من الكهف أن الواقع غير ذلك.
في الجزء الأول من فيلم “المصفوفة” (The Matrix) يعيش بطل الفيلم حياة ثلاثية، اثنتان منهما وهم، توماس أندرسون الموظف في شركة برمجة نهارا، و”نيو” القرصان خارج أوقات الدوام، وحياة ثالثة حقيقية سنخبرك عنها لاحقا.
عند القراءة في الفيلم الذي يعتبر من الأفلام الأبرز في التنبيه من خطورة الذكاء الاصطناعي، والآلة القادرة على التفكير، يمكنك أن تراه تحذيرا من خطر التقنية الفائقة التي ستحول الإنسان إلى “بطاريات” ومصدر طاقة لا أكثر، مقابل منحه حياة زائفة، أو يمكنك أن تقرأه على أنه فيلم يناقش الحقيقة والوهم، الواقع والخيال، الظن والمؤكد، أو ربما تراه جزءا من نظرية المؤامرة.
يزخر الفيلم بالرمزيات والرسائل ونظريات المؤامرة، من اسم البطل الذي يمكن قلب حروفه من Neo ليصبح The One أو المخلص، إلى المعلم مورفيوس، إله الأحلام الذي يدل الناس على الحقيقة، وترينتي أو “الثالوث المسيحي” الذي يحمي المخلص، ومدينة “صهيون” آخر موئل للبشر الحقيقيين الذين يواجهون الإبادة، ومركبة الملك “نبوخذ نصر” صاحب السبي البابلي، لكنه من وجه آخر عند بعض اليهود لم يكن شرا مطلقا بل أداة بيد الرب، ونعمة مقنّعة حيث أعاد اليهود إلى الطريق الصحيح.
لكن “مخرجا” أو مخرجتي الفيلم بعد تحولهما جنسيا، لانا وليلي واتشوسكي، لا تربطهما علاقة واضحة بالدين أو اليهودية، وليس لديهما انتماء ديني مسيحي واضح، فهما ابنتا رجل ملحد، وأم “روحانية”.
ومع ذلك، لم يخل الفيلم من التعليقات التي تربطه باليهودية، حيث رأت عضو حزب الليكود الإسرائيلي الحاكم، غاليت أتباريان، أن الفيلم من كتابة طالبين يهوديين متدينين، ومستوحى من فلسفة وشروحات “الكابالا” اليهودية للكون والحياة، قبل أن تدرك أنها ذهبت بعيدا وتعتذر.
وأسقط آخرون كلمات أبطال الفيلم وفسروها ضمن هذه الفلسفة اليهودية، ورآه حاخام آخر بأنه معاد للسامية، ويصور اليهود على أنهم “خلل” أو “عيب” في المصفوفة.
من أجل أداء أفضل، طلب صناع الفيلم أن يكون لطاقم العمل القدرة على فهم، وشرح الفيلم وفلسفته، وألزموهم بقراءة كتاب “التصور والمحاكاة” للفيلسوف جان بودريار، وقرأ بطل الفيلم كيانو ريفز إلى جانبه، كتاب “خارج السيطرة” لكيفن كيلي، وكتاب “علم النفس التطوري” لديلان إيفانز.
فاز الفيلم بكل الجوائز التي رشح لها في حفل الأوسكار الثاني والسبعين، لأفضل مونتاج، وأفضل صوت، وأفضل مؤثرات صوتية، وأفضل مؤثرات بصرية.
حرق لبعض الأحداث بعد هذه الفقرة
تدور أحداث الفيلم حول المنتظر، الذي سيحرر من تبقى من البشر، ويهزم الآلات التي استعبدتهم، على أساس أن زمن الإنسان أصبح غابرا، تماما كما انقرضت الديناصورات سابقا، ليبدأ عصر الآلة الذكية.
يستيقظ بعض البشر تلقائيا من وهم “المصفوفة” لأنهم مميزون عن غيرهم، ومنهم المخلص “نيو”، وآخرون يتم “إنقاذهم” من المصفوفة.
لهزيمة “المصفوفة” يحارب أبطال الفيلم داخلها، ويلعبون بشروطها، من يموت هناك، يموت في العالم الحقيقي أيضا، وفي الانتظار يعيش سكان “zion” أو “صهيون” في أراض سحيقة بعيدا عن أعين الآلات.
العرافة والمهندس
في داخل “المصفوفة” نفسها ليست كل “البرامج” على صنف واحد، فالعملاء العاديون ليسوا كالعميل “سميث”، البرنامج الأمني المتقدم الذي بدأ يشعر بمعنى وجوده داخل المصفوفة، وبدأ ينسخ نفسه على برامج أقل كفاءة منه.
ومثله “العرافة”، التي هي جزء من المصفوفة بالأساس، لكنها تمثل العاطفة، والحدس، وتؤمن بـ”الاختيار الحر”، لا تخبر المختار بما سيحدث، لكنها تساعده على فهم قرارته التي اتخذها بنفسه، وتسمعه ما يحتاج أن يسمع.
على الجانب الآخر مؤسس المصفوفة، والمهندس الأعلى لها، ويمثل المنطق والحتمية، وضمان استمرار النظام، يؤمن بأن البشر – لو خيروا – سيختارون العيش في نعيم “المصفوفة” ويرى في “المختار” فرصة لنجاة المصفوفة، وإعادة تشغيلها، وإصلاح عيوبها، ليتحول إلى ضمان لاستمرارها.
في النهاية، ربما لم يكن “نيو” مختارا حقا، لكنه آمن أنه قادر على محاربة المصفوفة، وأراد ذلك، وآمن به ما تبقى من بشر.
وربما لم يكن المهندس بذلك الشر، ربما كان صادقا، ربما يملك البشر من فرص النجاة داخل المصفوفة، أكثر منها خارجها، وربما يكون “الوهم الجميل” أفضل من “الواقع المر” حتى إشعار آخر، كما قرر الفني “الخائن” سايفر.
ينتهي الأمر إلى حوار بين الإنسان والآلة واتفاق على منح الإنسان مزيدا من الحرية، مقابل عدم انهيار المصفوفة، يتطور لاحقا في الأجزاء التالية إلى تحالف مصلحي بين الإنسان والآلة التي تغول عليها العميل “سميث” الذي تحوّل لـ”كائن” يسعى للحرية من عبودية المصفوفة، ثم تحول إلى قوة فوضوية مدمرة غايتها “الفناء المطلق” للجميع، البشر والمصفوفة.
لا تستعجل استدعاء الدروس والحكم من الجزء الأول، لأن الأمور ستختلف في الأجزاء اللاحقة، وربما تكفر بما آمنت به سابقا، وربما تكون جزءا من المصفوفة، ربما كلنا، وربما كان محمود درويش عرّافا حين قال “هل أنا حقا أنا؟”.

