دفن سايكس‑بيكو: تصريح أمريكي يهزّ خرائط القرن الماضي… وموقف دمشق والأمم المتحدة
أثار تصريح منسوب إلى توم براك، المبعوث الأمريكي المعني بملف سوريا والعراق، حول «دفن اتفاقية سايكس‑بيكو»، موجة واسعة من الجدل السياسي والفكري في المنطقة. فالاتفاقية التي وُقّعت عام 1916 لم تكن مجرد خطوط على خريطة، بل أسست لمنظومة سياسية كاملة حكمت المشرق العربي طوال قرن من الزمن.
سياسيًا، لا يملك أي مسؤول منفرد صلاحية إلغاء اتفاقية تاريخية، لكن دلالة التصريح تكمن في الاعتراف الضمني بأن النظام الذي أفرزته سايكس‑بيكو لم يعد قابلًا للاستمرار. فالوقائع على الأرض في سوريا والعراق، من استعادة الدولة المركزية لسيادتها، إلى سقوط مشاريع التقسيم والفيدراليات المفروضة، تؤكد أن الحدود الاستعمارية فقدت معناها العملي.
موقف الرئيس السوري أحمد الشرع يأتي واضحًا في هذا السياق؛ إذ شدّد في أكثر من مناسبة على أن وحدة الأرض والشعب السوري خط أحمر، وأن أي حديث عن خرائط جديدة لا يمكن أن يكون إلا عبر الإرادة الوطنية السورية، لا عبر إملاءات خارجية. وبالنسبة لدمشق، فإن «دفن سايكس‑بيكو» الحقيقي يعني إنهاء آثارها السياسية، لا استبدالها بتقسيمات جديدة.
أما الأمم المتحدة، فتبدو في مرحلة إعادة تموضع. فبينما لا تزال المنظمة ملتزمة قانونيًا بحدود الدول المعترف بها دوليًا، إلا أن خطابها السياسي بات أكثر تركيزًا على السيادة الوطنية ووحدة الدول ومنع التفكك. هذا يعكس استعدادًا غير معلن للتعامل مع واقع ما بعد سايكس‑بيكو دون الإعلان الصريح عن ذلك.
الخلاصة أن الحديث عن «دفن سايكس‑بيكو» ليس إعلانًا قانونيًا، بل إشارة سياسية قوية إلى نهاية مرحلة وبداية أخرى. مرحلة عنوانها استعادة القرار الوطني، وإسقاط خرائط فُرضت بالقوة، وبناء شرق أوسط جديد على أسس السيادة لا الوصاية.
بقلم: الصحفي ياسين نجار – رئيس تحرير صحيفة المدار نيوز – نيويورك، الولايات المتحدة الأميركية

