الكسكس المغربي.. طبق تقليدي يتحول إلى رمز ثقافي عالمي

يعد الكسكس المغربي واحدا من أكثر الأطباق التي تجاوزت مجرد كونها وجبة تقليدية لتتحول إلى رمز ثقافي واجتماعي يختصر تاريخ المغرب وتنوعه الجغرافي والبشري. فبين حبات السميد الدقيقة وروائح الخضار المتبلة، تكمن ذاكرة ممتدة لقرون، تحمل معها قصص الأهالي، وعادات الضيافة، وتقاليد الاحتفاء بالمناسبات.

يعرف الكسكس بأنه طبق متجذر في شمال إفريقيا، إلا أن المغرب تحديدا استطاع أن يمنحه طابعا خاصا، سواء على مستوى طرق التحضير أو اختيار المكونات أو الرموز الاجتماعية التي يحملها. ويبدأ إعداد الكسكس عادة باستخدام حبوب السميد التي تفرك بعناية وتبخر داخل وعاء تقليدي يسمى “الكسكاس”، الأمر الذي يمنحه قوامه الهش والمميز.

طبق للمناسبات والجمعة


لا يكاد يخلو بيت مغربي من عادة تناول الكسكس يوم الجمعة، وهي عادة تعود لقرون طويلة، إذ يجتمع أفراد العائلة بعد صلاة الجمعة حول طبق كبير تتوسطه الخضار واللحم أو الدجاج. ويُنظر لهذه العادة باعتبارها لحظة تواصل ودفء اجتماعي تعزز الروابط بين أفراد الأسرة والجيران.

كما يحضر الكسكس في المناسبات الكبرى، مثل الأفراح والولائم والاحتفالات الدينية، ما يمنحه بعدا احتفاليا يجعله عنصرا أساسيا في الثقافة المغربية.

تنوع أطباق الكسكس


رغم أنّ المكون الأساسي للكسكس هو السميد، فإن طرق التحضير تختلف من مدينة لأخرى، بل ومن قرية لأخرى داخل المغرب. ففي المناطق الساحلية، يميل الناس إلى تحضير كسكس بالسمك، بينما تشتهر المناطق الجبلية بأنواع تعتمد على الخضار الجبلية واللحم الأحمر. أما في الجنوب المغربي، فيحضر الكسكس بالقديد، وهو لحم مجفف يستخدم خصوصا خلال المواسم الباردة.

أشهر أنواع الكسكس المنتشرة:

– الكسكس بالسبع خضار

– الكسكس باللحم أو الدجاج

– الكسكس بالتمر والحمص (نوع يحضر في بعض المناسبات)

– الكسكس بالبيصارة أو الدلاح في مناطق محدودة ذات طابع محلي مميز

هذا التنوع يعكس ثراء المطبخ المغربي وقدرته على التكيف مع الموارد المحلية والتقاليد الخاصة بكل منطقة.

رمزية الطبق في الهوية المغربية


لا يقتصر دور الكسكس على الجانب الغذائي، بل يتعداه ليصبح عنصرا رمزيا في الهوية المغربية. وقد اعترف به رسميا من قِبل منظمة “اليونسكو” عام 2020 كتراث ثقافي غير مادي، بعد طلب مشترك من دول المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا، في خطوة أكدت مكانة هذا الطبق كتراث مشترك لشعوب المنطقة.

ويعتبر الكسكس أيضا أحد عناصر القوة الناعمة المغربية، إذ تنتشر شهرته عالميا، ويقدم في مطاعم عديدة في أوروبا وأميركا والخليج، ما جعله سفيرا غير رسمي للمطبخ المغربي في الخارج.

ورغم التطور الكبير في أساليب الطهي واعتماد الكثيرين على طرق أسرع للتحضير، لا يزال الكسكس يحافظ على مكانته، إذ يفضل المغاربة إعداده بطرق تقليدية تبرز نكهاته الأصيلة. ومع ذلك، ظهرت ابتكارات عصرية تدمج بين الكسكس ومكونات عالمية، مما جعله طبقا مواكبا للذوق الحديث دون أن يفقد أصالته.