تشهد منطقة الشرق الأوسط تصعيدًا غير مسبوق مع توسّع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وهو صراع لم يبقَ محصورًا داخل حدود الدول المتحاربة، بل امتد ليشمل عدة ساحات إقليمية، وفي مقدمتها لبنان الذي وجد نفسه في قلب المواجهة بعد دخول حزب الله اللبناني على خط الحرب إلى جانب إيران.

وقد أدّى هذا التدخل إلى فتح جبهة عسكرية واسعة بين حزب الله وإسرائيل، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الوضع الداخلي اللبناني، حيث تعرضت مناطق عديدة في لبنان لقصف إسرائيلي مكثف شمل البنية التحتية، والطرق الرئيسية، والأسواق التجارية، والمرافق الحيوية، إضافة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت وعدد من المناطق الجنوبية والداخلية.
وتسببت هذه العمليات العسكرية في سقوط عدد كبير من الضحايا بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح وتشرد واسعة النطاق داخل لبنان، حيث اضطرت آلاف العائلات إلى مغادرة منازلها هربًا من القصف المتواصل. كما تضررت قطاعات اقتصادية حيوية، وتعرضت مؤسسات الدولة والبنية الاقتصادية اللبنانية لضربة جديدة تزيد من تعقيد الأزمة التي يعيشها لبنان منذ سنوات.
ويرى مراقبون أن دخول حزب الله في هذه الحرب وضع لبنان في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، رغم أن الحكومة اللبنانية لم تعلن رسميًا الدخول في حرب شاملة، وهو ما أثار جدلاً سياسيًا داخليًا واسعًا حول مسألة القرار العسكري ومن يملك حق جرّ البلاد إلى صراع إقليمي بهذا الحجم.
وفي المقابل، تستمر المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل على أكثر من جبهة، حيث تتعرض مواقع عسكرية ومنشآت داخل إيران لضربات جوية وصاروخية، بينما ترد طهران بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف عسكرية في المنطقة، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد الأمني في الشرق الأوسط.
ومع تصاعد العمليات العسكرية، برزت أزمة عالمية في قطاع الطاقة، حيث شهدت أسعار النفط ارتفاعًا كبيرًا نتيجة التوترات في منطقة الخليج، خاصة مع التهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.

ويعد مضيق هرمز شريانًا حيويًا للطاقة العالمية، إذ يمر عبره ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا. ولذلك فإن أي اضطراب في حركة الملاحة داخل هذا المضيق يؤدي مباشرة إلى ارتفاع أسعار النفط وتوتر الأسواق العالمية.
وقد أدت المخاوف من استهداف ناقلات النفط أو تعطيل الملاحة البحرية إلى توقف أو تأخير عدد من الشحنات النفطية، كما ارتفعت تكاليف التأمين البحري على السفن التجارية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الأسواق العالمية وأسعار الطاقة.
وفي ظل هذا التصعيد المتسارع، تتزايد المخاوف الدولية من تحوّل الصراع الحالي إلى حرب إقليمية شاملة قد تمتد إلى دول أخرى في الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل تعدد الجبهات العسكرية وتداخل المصالح الدولية والإقليمية في هذه الأزمة.



ويؤكد محللون سياسيون أن استمرار الحرب دون حلول سياسية قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على الاستقرار العالمي، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل أيضًا في الاقتصاد الدولي وأسواق الطاقة، التي ترتبط بشكل مباشر بأمن الخليج العربي والممرات البحرية الاستراتيجية.
ويبقى لبنان، في هذه المعادلة المعقدة، أحد أكثر الدول تأثرًا بتداعيات هذا الصراع، حيث يدفع الشعب اللبناني مرة أخرى ثمن الحروب الإقليمية التي تتجاوز قدرته الاقتصادية والسياسية، في وقت يحتاج فيه البلد إلى الاستقرار وإعادة بناء مؤسساته واقتصاده.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية والتوترات السياسية، يترقب المجتمع الدولي تحركات دبلوماسية قد تفتح الباب أمام جهود لوقف التصعيد وإعادة الاستقرار إلى المنطقة، قبل أن تنزلق الأوضاع نحو مواجهة أوسع يصعب السيطرة على نتائجها.
الإعلامي ياسين نجار
رئيس تحرير جريدة المدار نيوز
الولايات المتحدة الأمريكية – نيويورك