يستعد سكان مدينة الإسكندرية لتوديع أقدم قطار ترام في أفريقيا، بعد رحلة استمرت لأكثر من 160 عامًا، وذلك قبل إزالته المقررة بحلول شهر نيسان/أبريل المقبل ضمن خطة للتطوير العمراني، لِيُوشِك بذلك صوت قعقعة عرباته، وهو يسير على طول خط السكة، على الصمت.
بدأت عملية التجديد الشاملة بداية شهر شباط/فبراير بهدف استبدال الترام التاريخي المتهالك والمحبوب لدى السكان، بقطار خفيف يُتحكم فيه رقميًا. تقول السلطات المصرية إن المشروع ضروري لمواجهة الاختناقات المرورية.
اقرأ أيضا:اكتشاف أثري بموقع “شيخ العرب همام” جنوب مصر.. كنوز وهياكل عظميةوتقول الهيئة القومية للأنفاق، إن التجديدات من شأنها أن تزيد السرعة الحالية إلى المثلين تقريباً، وتقلل وقت الرحلة من أول محطة إلى آخرها بأكثر من نصف ساعة وتزيد من سعة الركاب، ضمن خط يمتد نحو 14 كيلومتراً.
تحذيرات من تشويه المشهد وتفاقم الازدحام
بينما يرى كثير من سكان الإسكندرية وداعًا مؤلمًا لأحد أبرز المعالم الساحلية المطلة على البحر المتوسط، يرحب آخرون بخطة التجديد، في حين يشعر البعض بالقلق من أن تؤدي أعمال البناء إلى ازدحام الشوارع الضيقة، أو ارتفاع أسعار التذاكر.
المشروع الجديد الذي تنفذه شركات مصرية وعالمية من بينها هيونداي وهيتاشي، هو لقطار سرعته مضاعفة، وسعته أكبر بثلاث مرات، وفيه مسارات علوية (عربات معلّقة بسكّة علوية) وأخرى عادية على سكك أرضية.

ويخشى السكان أن تؤدي المحطات العلوية إلى إبدال السكة الحديدية القديمة التي تجاورها الأشجار، بعواميد خرسانية تشوه المدينة.
تقول وزارة النقل إن مشروع القطار الجديد “يُعد الحل الوحيد لمواجهة المشكلات المرورية التي تعاني منها المحافظة”، بينما يرى سكان محليون أن توقف الترام سيزيد من الاعتماد على السيارات الخاصة ما يفاقم الأزمة المرورية.
مخاوف بعد أن أصبحت كلمة التطوير مرادفة لـ”التدمير”
تقول الباحثة العمرانية نهلة صالح إن الترام أصبح من تراث الإسكندرية، وليس مجرد وسيلة مواصلات. فقد أُنشئ ترام الإسكندرية في العام 1863، وهو واحد من أقدم القطارات الخفيفة في العالم، ومن القطارات القليلة التي ترتفع بطبقتين.
أما الطبيبة النفسية والكاتبة منى لملوم، فتقول لوكالة فرانس برس: “لسنا ضد التطوير ولكن لدينا تجارب سيئة في الإسكندرية مع كل ما يطلقون عليه (تطوير)، حتى إنها أصبحت كلمة مرادفة للتدمير”.
ومع ذلك، يرى ملمون أن القطار القديم بحاجة إلى صيانة وعناية، إذ تغطي طبقات الغبار الكثيفة عرباته الزرقاء التي كُتبت أرقامها ووجهاتها بخط اليد، فيما تُلقى القمامة على أرضيته المطاطية الممزقة.
وخلال القرنين الماضيين، كان للترام دور محوري في تحول الإسكندرية إلى عاصمة ثقافية تعج بالحياة وتقيم فيها جاليات أوروبية كبيرة ومتنوعة، ويوجد في المدينة خط ترام آخر يضم عربات أحدث ولم يتم تحديد موعد لتجديده.
اليوم، يحمل القطار في رحلاته الأخيرة مصريين أتوا من مدن عدة لوداعه قبل إزالته بشكل كامل، ومع اقترابه من محطة الرمل التاريخية، ينظر الركاب من نوافذه الضخمة إلى المباني ذات الطراز الإيطالي المحيطة بالميدان القديم.
الخصخصة حجبت الرؤية خلف أسوار خرسانية
في السنوات الأخيرة، قضت أعمال التطوير في الإسكندرية على حدائق تاريخية وفتحت الباب أمام خصخصة ساحل المتوسط وإغلاق أجزاء كبيرة منه أمام المواطنين، حتى حجبت رؤية الكورنيش عن أعين المارة الذي اختفى أكثر من نصفه بحلول عام 2024 وراء الأسوار، وفق دراسة لمركز الإنسان والمدينة للأبحاث الإنسانية والاجتماعية.
وتقول منى لملوم: “كل ما يمكن رؤيته الآن هو الخرسانة”، فيما تعتبره سياسة “قصيرة النظر” تجرّد المدينة من سحرها. وتتسائل نهلة صالح: “السياح يأتون لرؤية الترام والبحر، فلمَ حجبهما؟”.